الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[واو المفعول معه وحديث عنها]
قال ابن مالك: (وقد تقع هذه الواو قبل ما لا يصحّ عطفه خلافا لابن جنّي).
ــ
المذهب الرابع: وهو للكوفيين أن المفعول معه منصوب بالمخالفة (1)، قال المصنف: وقد تقدم في باب الابتداء إبطال نسبة العمل إلى المخالفة بدلائل أغنى ذكرها ثم عن ذكرها ها هنا (2).
وثمّ مذهب خامس لم يذكره المصنف: وهو أن المنصوب بعد الواو المذكورة منصوب على الظرف، وهو منسوب إلى الأخفش (3)، وذلك أن النصب الذي تستحقه «مع» لو ذكرت انتقل إليه لما جيء بالواو مكانها لتعذر نصب
الواو، وفي شرح الشيخ: أن المذهب الرابع الذي تقدم ذكره هو قول بعض الكوفيين، وأن معظم الكوفيين والأخفش ذهبوا إلى أن الواو مهيئة لما بعدها أن ينتصب انتصاب الظرف لا بالخلاف؛ لأنه لما حذفت «مع» وقد كانت منتصبة على الظرف وأقيمت الواو مقامها انتصب الاسم بعدها على معنى انتصاب «مع» إذ لا يصح انتصاب الحرف، ونظّر ذلك بقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (4) لما قامت غير (5)، وقد ردّ هذا المذهب بأنه لو كان انتصاب الاسم على الظرف لكان إذا أضمر يلزم ذكر «في» فيتعين أن يقال في «تكون وإياها مثلا بعدي»: تكون وفيها (6).
قال ناظر الجيش: ذكر ابن خروف أن أبا الفتح بن جني قال: إن العرب لم تستعمل الواو بمعنى «مع» إلا في موضع يصح أن تقع عاطفة، وأنكر قوله ابن خروف نفسه (7)، قال المصنف: وهو بالإنكار حقيق، فإن العرب استعملت -
(1) ينظر: شرح المفصل لابن يعيش (2/ 49)، وشرح الكافية للرضي (1/ 195).
(2)
شرح التسهيل للمصنف (2/ 250).
(3)
ينظر: مذهب الأخفش في سر صناعة الإعراب لابن جني (1/ 144) وشرح الكافية للرضي (1/ 195)، والهمع (1/ 220)، وابن يعيش (2/ 49)، ومعاني الحروف للرماني (ص 60).
(4)
سورة الأنبياء: 22.
(5)
التذييل (3/ 450).
(6)
ينظر في رد مذهب الأخفش أيضا: ابن يعيش (2/ 49)، وشرح الكافية للرضي (1/ 195).
(7)
ينظر: سر صناعة الإعراب لابن جني (1/ 143، 144)، والتذييل (3/ 451)، والخصائص (1/ 313).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الواو بمعنى «مع» في مواضع لا يصلح فيها العطف، وفي مواضع يصلح فيها، والمواضع التي لا يصلح فيها العطف على ضربين: -
أحدهما: ترك فيها العطف لفظا ومعنى.
والثاني: استعمل فيها العطف لمجرد اللفظ كاستعمال النعت على الجوار، الأول قولهم: استوى الماء والخشبة، وما زلت أسير والنيل، ومنه قول الشاعر:
1639 -
فكان وإيّاها كحرّان لم تفق
…
... (1)
البيت الذي تقدم إنشاده.
ومن الثاني قولهم: أنت أعلم ومالك أي أنت أعلم مع مالك كيف تديره، ومالك معطوف في اللفظ ولا يجوز رفعه على القطع وإضمار الخبر؛ لأن المال لا يخبر عنه «بأعلم» وشرط المبتدأ المضمر خبره أن يكون خبره مثل خبر المعطوف عليه، وأما وقوع الواو بمعنى «مع» في موضع يصلح للعطف فكثير، وفيه تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى (2). انتهى. والذي ذكره يظهر أنه الحق [2/ 487] لكن المنقول أن ما ذكره عن ابن جني هو قول الجمهور، وأنه محكي عن الأخفش (3) وأنه قول السيرافي (4) والفارسي ومختار الشلوبين (5) وأتباعه كابن عصفور (6) وابن الضائع، حتى قال ابن الباذش: يمتنع بإجماع أن يكون المفعول معه غير منقول من العطف (7)، ونقل الشيخ عن صاحب البديع: تقول: جلست والسارية، -
(1) تقدم ذكره.
(2)
شرح التسهيل للمصنف (2/ 251، 252).
(3)
ينظر: الخصائص (1/ 313).
(4)
في: شرح السيرافي (3/ 65): «وإنما يذهب بالواو إلى معنى «مع» إذا كان فيه معنى غير العطف المحض، والعطف المحض: أن توجب لكل واحد من الاسمين الفعل الذي ذكر له من غير أن يتعلق فعل أحدهما بالآخر، كقولك: قام زيد وعمرو، إذا أردت أن كل واحد منهما قام قياما لا يتعلق بالآخر». اه.
(5)
ينظر: التوطئة (ص 360) وفيه: «الاسم الذي ينتصب مفعولا معه إما واجب فيه ذلك نحو:
جلست والسارية، وصح انتصاب هذا على المفعول معه، وإن كان لا ينتصب مفعولا معه إلا ما كان في «الواو» فيه معنى العطف
…
إلخ». اه.
(6)
ينظر: شرح الجمل لابن عصفور (2/ 365)، والمقرب (1/ 158).
(7)
ينظر: الجمل للزجاجي (ص 317)، والتذييل (3/ 452).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأخفش لا يجيز هذا، قال: ولا أقول: ضحكت وطلوع الشمس حتى لا يصح فيه العطف؛ إذ الطلوع لا يكون منه ضحك، وأجاز جاء البرد والطيالسة؛ لأن المجيء يصح منهما، وقد استدل على أن أصلها العطف بثلاثة أمور:
الأول: أنها لو لم تكن العاطفة لكانت مختصة وللزم خفضه بها، فلما لم يخفض دل على أنها حرف عطف في الأصل، فروعي ذلك الأصل.
الثاني: امتناع تقديم ما بعدها على الفعل كما لا يتقدم المعطوف على الفعل، ولو لم يكن أصلها العطف لتقدم كما يتقدم سائر المفعولات.
الثالث: أنه لا يجوز أن تستعمل إلا حيث يجوز فيه العطف حقيقة، نحو: جاء البرد والطيالسة، وما صنعت وأباك، أو مجازا نحو: سار زيد والنيل؛ لأنه يصح فيه العطف بطريق المجاز، وذلك أنه لا يفارق زيدا في حال سيره كما لا يفارقه من سايره، وهذا بخلاف: ضحكت وطلوع الشمس؛ إذ لا يصح إسناد هذا الفعل إلى طلوع الشمس لا حقيقة ولا مجازا (1)، ومقتضى كلامهم واستدلالهم أنه لابد من تصور صحة العطف في جميع صور مسائل هذا الباب، [3/ 12] إما بطريق الحقيقة وإما بطريق المجاز، حتى غلطوا الزجاجي في دعواه أنه لا يجوز في: استوى الماء والخشبة إلا النصب (2)، وقالوا: العطف جائز بطريق المجاز لكنه ضعيف (3)، وحتى إنهم قالوا في:
1640 -
فكان وإيّاها كحرّان (4)
إن المراد كحران والماء لأنه لا يشبه اثنان بواحد، وعلى هذا يصح العطف؛ إذ يصير التقدير: فكان هو وهي كحران والماء، وقالوا في:«أنت أعلم ومالك» : لما كان النظر في المال يلزم منه في الأكثر مجيء المال على اختيار الناظر فيه صار موافقا -
(1) التذييل (3/ 452، 453).
(2)
في شرح الجمل لابن عصفور (2/ 367)«وأما منع أبي القاسم الرفع في: استوى الماء والخشبة ففاسد، وكأن الذي حمله على ذلك أنه لا يسوغ: استوى الماء واستوت الخشبة وهذا لا حجة فيه، لأنه وإن لم يسغ ذلك فيه فلا يمتنع العطف كما لم يمتنع اختصم زيد وعمرو بالرفع وإن لم يسغ: واختصم عمرو» . اه. وانظر كلام الزجاجي في كتابه الجمل (ص 317) تحقيق د/ علي توفيق محمد.
(3)
هذا قول ابن الضائع في شرح الجمل له.
(4)
تقدم ذكره.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
له فنسب إليه العلم مجازا (1)، لكن قد تقدم تقرير ما يقتضي أن واو «مع» غير واو العطف وهو أن واو العطف إنما هي لتشريك الثاني مع الأول في الحكم، وأما واو «مع» فلا تقتضي تشريكا، وإنما هي للدلالة على المصاحبة لا غير، فقد لا يكون الثاني مشاركا للأول نحو: سرت والطريق، وقد يكون مشاركا نحو: جئت وزيدا، لكن الواو لا دلالة لها على ذلك إنما جيء بها لقصد الدلالة على المصاحبة فقط ولم تقصد الدلالة على المشاركة، ولا شك أن هذا يبعد أن يكون العطف هو الأصل في ذا الباب، فإن قيل: قصد المصاحبة بالواو لا ينافي في كونها واو العطف في الأصل فما وجه تبعيده؟
أجيب بأن يقال: إن سلمنا ذلك فأي ضرورة تدعو إلى القول به [2/ 488] فإن المعنى المراد من العطف مع قصد
المصاحبة ممتنع كما عرفت، وليس المفعول معه محتاجا في تصوره إلى أن يقدروا واوه واوا عطفت في الأصل.
وأما ما استدل به من الأمور الثلاثة المتقدمة فلا حجة فيه:
أما الأمران الأولان وهما أن الواو لو لم تكن عاطفة لكانت مختصة، فكان يلزم خفض الاسم، وأنها لو لم تكن عاطفة لجاز تقدم ما بعدها على الفعل، لكنه ممتنع كما يمتنع مع العاطفة، فقد تقدم من كلام المصنف ما هو الجواب عن الأول وهو قوله: إنها إنما لم يجر ما بعدها؛ لأنها أشبهت الواو العاطفة لفظا ومعنى فلم تعط عملا، بل أعطيت ما للعاطفة من إيصال عمل ما قبلها إلى ما بعدها، لكن لا على سبيل الإتباع، وكما أن هذا جواب عن الأمر الأول فهو جواب عن الأمر الثاني أيضا، وهو أنها لما أشبهت العاطفة منعت التقدم على الفعل كما أن العاطفة ممنوعة من ذلك.
وأما الأمر الثالث وهو أنه لا يجوز أن تستعمل واو المعية إلا حيث يجوز العطف فلا يتوجه دليلا؛ لأن هذا هو محل النزاع، فالمخالف لا يلتزم ذلك ويجوز الاستعمال حيث لا يصلح العطف، وأما جوابهم عن نحو: استوى الماء والخشبة، وما زلت أسير والنيل، وأنت أعلم ومالك بأن العطف إن لم يصح في هذه الأمثلة حقيقة فإنه يصح مجازا - فغير مرضي إذ لم يقم دليل يوجب المصير إلى ذلك، ولا يخفى بعد -
(1) ينظر: تعليق الفرائد (1670)، والتذييل (3/ 454).