الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[حذف العامل الناصب للمفعول به جوازا ووجوبا]
قال ابن مالك: (فصل: يجوز الاقتصار قياسا على منصوب الفعل، مستغنى عنه بحضور معناه أو سببه أو مقارنه أو الوعد به أو السّؤال عنه بلفظه أو معناه أو عن متعلّقه، وبطلبه، وبالرّدّ على نافيه أو النّاهي عنه أو على مثبته أو الآمر به، فإن كان الاقتصار في مثل أو شبهه في كثرة الاستعمال فهو لازم، وقد يجعل المنصوب مبتدأ أو خبرا فيلزم حذف ثاني الجزأين).
ــ
هذا كلام المصنف (1).
قال الشيخ: وفي جواز نحو: «غلام هند ضربت» خلاف؛ ذهب الأخفش والفراء إلى منعها، وذهب هشام إلى الجواز، واختلف عن الكسائي، والمبرد، وأكثر البصريين منهم من ذكر المنع، ومنهم من ذكر الجواز، ثم قال والأصح الجواز (2).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (3): المقصود هنا التنبيه على حذف الفعل وفاعله والاقتصار على المفعول به، لأن الباب له، لكني ذكرت لفظا صالحا للمفعول به وغيره من منصوبات الفعل؛ لأنها كلها متساوية في صحة النصب بفعل محذوف، كقولك:
زيدا، لمن قال: من ضربت؟، وكقولك: حين ظلم، لمن قال: متى ضربته؟، وكقولك: ضربا يردعه، لمن قال: أي ضرب ضربته؟، وكقولك: تأديبا، لمن قال:
لم ضربته؟، وكقولك: مكتوفا، لمن قال: كيف ضربته؟، ولغير المفعول به مواضع يستوفى فيها بعون الله تعالى بيان ما يحتاج إليه، ومثال الاستغناء عن لفظ الفعل بحضور معناه، قولك لمن شرع في إعطاء: زيدا؛ بإضمار أعط، ولمن شرع في ذكر رؤيا: خيرا لنا وشرّا لعدونا؛ بإضمار رأيت، ولمن قطع حديثا: حديثك؛ بإضمار تمّم، أو نحو ذلك (4)، ومثال الاستغناء بسبب الفعل قول الشاعر:
1335 -
إذا تغنّى الحمام الورق هيّجني
…
ولو تسلّيت عنها أمّ عمّار (5)
-
(1) ينظر: شرح التسهيل للمصنف (2/ 155).
(2)
التذييل (3/ 93، 94)، وينظر: الهمع (1/ 167).
(3)
شرح التسهيل لابن مالك (1/ 155).
(4)
ينظر: التذييل (3/ 95)، والمطالع السعيدة للسيوطي (ص 272).
(5)
البيت من البسيط وهو للنابغة الذبياني وهو في: الكتاب (1/ 286) برواية «ولو تغربت» مكان -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بإضمار ذكرت [2/ 326]؛ لأن التّهيّج سبب الذكر وباعث عليه، ومثال الاستغناء بحضور مقارنه كقولك لمن تأهب للحج: مكة؛ بإضمار: أراد أو يريد مكة، ولمن سدد سهما: القرطاس، بإضمار تصيب، وللمواجهين مطلع الهلال إذا كبروا: الهلال بإضمار رأوا، ومن هذا القبيل قول الشاعر (1):
1336 -
لن تراها ولو تأمّلت إلّا
…
ولها في مفارق الرّأس طيبا (2)
بإضمار: ترى، لأن رؤية الشخص مقاربة لرؤية ما اشتمل عليه، فاستغني بفعل إحداهما عن فعل الأخرى، وينبغي أن يكون «يرى» المضمر بمعنى يعلم؛ لأنه إذا كان بمعنى تبصر؛ يلزم من ذلك كون الموصوفة مكشوفة الرأس (3)، وينبغي أن تجعل الفعل المضمر خبر مبتدأ محذوف؛ لئلا تكون واو الحال داخلة على مضارع مثبت؛ فإن ذلك غير جائز عند الأكثرين، وما أوهمه قدر قبله مبتدأ (4)، ومثل هذا البيت قول الآخر:
1337 -
وجدنا الصّالحين لهم جزاء
…
وجنات وعينا سلسبيلا (5)
-
- «ولو تسليت» ، والخصائص (2/ 425، 428)، والارتشاف (ص 597)، والبحر المحيط (4/ 356)، والتذييل (3/ 95)، وتعليق الفرائد (ص 1429)، والكافي شرح الهادي (ص 434)، وديوانه (ص 51) طبعة بيروت، واللسان «ورق» .
اللغة: الورق: جمع ورقاء، وهي الحمامة التي لونها بين السواد والغبرة، وقيل: هي الحمامة التي تأتلف الشجر.
والشاهد قوله: «ولو تسليت عنها أم عمار» ؛ حيث نصب «أم عمار» بفعل دل عليه ما قبله، وهو «هيجني»؛ لأنه لما قال: هيجني دل على «ذكرني» فاستغني عنه.
(1)
هو ابن قيس الرقيات، عبيد الله بن قيس بن شريح شاعر قريش في الإسلام.
(2)
البيت من الخفيف وهو في: الكتاب (1/ 285)، والمقتضب (3/ 284)، وشرح التسهيل للمصنف (2/ 156)، وابن القواس (ص 298)، وشرح المفصل لابن يعيش (1/ 125)، والمغني (2/ 607)، والتذييل (3/ 96)، واللسان «فرق» ، وملحقات ديوانه (ص 176).
اللغة: المفارق: جمع مفرق، وهو وسط الرأس.
والشاهد قوله: «طيبا» حيث نصب بفعل محذوف دل عليه المقارنة.
(3)
ينظر: المغني (2/ 707).
(4)
ينظر: التذييل (3/ 96).
(5)
البيت من الوافر، وهو لعبد العزيز بن زرارة الكلابي، وهو في: الكتاب (1/ 288)، وشرح أبياته للسيرافي (1/ 427)، والمقتضب (3/ 284)، والغرة لابن الدهان (2/ 77)، وشرح التسهيل للمصنف (2/ 156)، والتذييل (3/ 96).
اللغة: السلسبيل: السلس العذب. -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أي: لهم جزاء ووجدنا لهم جنات، فأضمر؛ لأن الوجدانين متقارنان، فاستغني بفعل أحدهما عن فعل الآخر، ومن هذا القبيل قول الآخر (1):
1338 -
فكّرت تبتغيه فوافقته
…
على دمه ومصرعه السّباعا (2)
أي: ووافقت على دمه، فأضمر؛ لأن الموافقتين مقترنتان، فاستغني بفعل إحداهما عن فعل الأخرى، ويروى «فصادفته» ، ومن هذا القبيل قول الآخر (3):
1339 -
تذكّرت أرضا بها أهلها
…
أخوالها فيها وأعمامها (4)
أي: وتذكرت أخوالها فيها وأعمامها؛ لأن التذكيرين مقترنان، فاستغني بفعل أحدهما عن فعل الآخر، ومن هذا أيضا قول الراجز:
1340 -
قد سالم الحيّات منه القدما
…
الأفعوان والشّجاع الشّجعما (5)
أراد: قد سالم الحيات منه القدما، وسالمت القدم الشجاع الشجعما، فحذف؛ لأن المسالمتين مقترنتان، فاستغني بفعل إحداهما عن فعل الأخرى، ويروى:
قد سالم الحيّات منه القدما
على جعل الحيات مفعولا، والقدمان فاعل، وحذفت النون، كما حذفت نون: -
- والشاهد قوله: «وجنات» ؛ حيث نصبه بفعل مضمر، والتقدير: وجدنا لهم جنات، وقد أورد القيرواني هذا البيت، والذي قبله على أنهما ضرورة شعرية. ينظر ما يجوز للشاعر في الضرورة (ص 162).
(1)
هو القطامي، عمير بن شيبم بن عمرو بن تغلب بن أخت الأخطل، كان نصرانيّا ثم أسلم.
(2)
البيت من الوافر، وهو في: الكتاب (1/ 284)، والخصائص (2/ 426)، والمحتسب (1/ 210)، وشرح التسهيل للمصنف (2/ 156)، ونوادر أبي زيد (ص 526)، والتذييل (3/ 96) برواية «فصادفته» مكان «فوافقته» ، وديوان القطامي (ص 45) برواية:
فكرت عند فيقتها إليه
…
فألفت عند مربضه السّباعا
ولا شاهد على هذه الرواية في البيت.
والشاهد قوله: «على دمه» وهو واضح.
(3)
هو عمرو بن قميئة شاعر جاهلي قديم، يقال له: عمرو الضائع؛ لأنه دخل بلاد الروم مع امرئ القيس فهلك.
(4)
البيت من السريع، وهو في: الكتاب (1/ 285)، والخصائص (2/ 427)، وابن القواس (297)، وشرح التسهيل للمصنف (2/ 157)، وابن يعيش (1/ 126)، والتذييل (3/ 97)، والخزانة (2/ 248)، وديوانه (ص 62).
والشاهد قوله: «أخوالها وأعمامها» ؛ حيث نصبه بفعل مضمر دل عليه ما قبله.
(5)
تقدم ذكره (باب النائب عن الفاعل).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
1341 -
هما خطّتان إمّا إسار ومنّة (1)
بالرفع، ومثال الاستغناء بالوعد، قولك: زيدا، لمن قال: سأطعم من احتاج، بإضمار أطعم، ومثال الاستغناء بالسؤال عن الفعل بلفظه، قولك لمن قال: هل رأيت أحدا؟: نعم زيدا، بإضمار رأيت، ومثال الاستغناء بالسؤال عن الفعل بمعناه دون لفظه قول من قال: بلى وجادا (2)، حين قيل له: أفي مكان كذا وجد؟ بإضمار أعرف؛ لأن قوله: أفي مكان كذا وجد؟ بمعنى: أتعرف فيه وجدا؟، ومثال الاستغناء عن الفعل المسؤول عن متعلقه قوله تعالى: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [2/ 327] ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً (3)، فنصب «خيرا» بأنزل مضمرا، ومثال الاستغناء عن الفعل في طلبه قولهم: ألا رجل إما زيدا، وإما عمروا تريدون أجعله زيدا وعمرا، ومنه قولهم: اللهمّ ضبعا وذئبا (4) بمعنى اجمع فيها ضبعا وذئبا، ومثال الاستغناء عن الفعل في الرد على نافيه: قولك لمن قال: ما لقيت أحدا؟: بلى زيدا.
ومثال الاستغناء عن الفعل في الرد على الناهي عنه، قولك لمن قال: ألا تضرب أحدا؟: بلى من أساء، بإضمار لقيت وأضرب، ومثال الاستغناء عن الفعل في الرد على مثبته، قولك لمن قال: ضرب زيد عمرا: لا بل عامرا، ومثال الاستغناء في الرد على الآمر به، قولك لمن قال: تعلم لغة: لا بل نحوا؛ بإضمار: ضرب وأتعلم، ونحوه، فهذا رد على وفق اللفظ، وأما الرد على وفق المعنى دون اللفظ، فكقوله تعالى:
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ (5)، أي: بل نتبع ملة -
(1) صدر بيت من الطويل، وعجزه:
وإمّا دم والقتل بالحرّ أجدر
وهو لتأبط شرّا، وينظر في: الخصائص (2/ 405)، وشرح الجمل لابن عصفور (2/ 223) رسالة بجامعة القاهرة، والخزانة (3/ 356)، والمغني (2/ 699)، وشرح شواهده (2/ 975)، والعيني (3/ 486)، والتصريح (2/ 58)، والهمع (1/ 49)، (2/ 52)، والدرر (1/ 22)، (2/ 67) والأشموني (2/ 277)، وشرح ديوان الحماسة (ص 89)، واللسان «خطط» ، والإفصاح (338).
والشاهد قوله: «هما خطتان» ، وقد روى المصنف البيت هنا بإثبات النون، مع أنه قد ذكر شاهدا على حذف النون من «خطتان» ، وقد ذكر البيت في المراجع السابقة برواية «خطتا» .
(2)
في التذييل (3/ 97): «وجاء ذا» .
(3)
سورة النحل: 30.
(4)
مثل من أمثال العرب يدعى به على غنم رجل، ينظر: الكتاب (1/ 255).
(5)
سورة البقرة: 135.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إبراهيم، فأضمر نتبع لأن معنى كونوا هودا أو نصارى: اتبعوا ملة اليهود أو النصارى.
فالإظهار والإضمار جائزان في أمثال هذه المسائل قياسا (1)؛ فإن كان الذي اقتصر فيه على المفعول مثلا، أو جاريا مجرى المثل في كثرة الاستعمال؛ امتنع الإظهار ولزم الاقتصار، فالمثل كقولهم: كلّ شيء ولا شتيمة (2) حرّ، أي ائت ولا ترتكب، وهذا ولا زعماتك (3)، أي: ولا أتوهم وكليهما (4) وتمرا، أي: أعطني وزدني، والجاري مجرى المثل قولهم: حسبك خيرا لك، ووراءك أوسع لك، وقوله تعالى: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ (5)، انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (6).
قال سيبويه: وحذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه في الكلام، ولعلم المخاطب أنه محمول على أمر حين قال: انته، فصار بدلا من قوله: ائت خيرا، قال: ونظير ذلك من الكلام قوله: انته أمرا قاصدا، كأنه قال: انته وائت أمرا قاصدا، إلا أن هذا يجوز لك فيه إظهار الفعل (7)، يعني أن قول من قال: انته أمرا قاصدا، ليس مثل انته خيرا لك في كثرة الاستعمال، فلزم إضمار الفعل فيه، كما لزم إضمار الفعل في ذلك، وقد غفل الزمخشري عن كلام سيبويه فجعل انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ وانته أمرا قاصدا سواء (8)، ومذهب الكسائي أن خَيْراً منصوب بيكن محذوفا، والتقدير: يكن الانتهاء خيرا لكم (9)، وردّ عليه الفراء بأن قال: لو صح هذا التقدير لجاز أن يقال: انته أخانا، على تقدير: تكن أخانا، وزعم هو أن التقدير: انتهوا انتهاء خيرا لكم، فحذف المصدر وأقيمت صفته مقامه (10)، وهذا القول مردود بقولهم: حسبك خيرا لك، فإن تقدير مصدر هنا لا يحسن، وبقولهم: -
(1) ينظر: الكتاب (1/ 283 - 286)، والهمع (1/ 168)، والمطالع السعيدة (ص 272)، والتذييل (3/ 95 - 97).
(2)
ذكره سيبويه في الكتاب (1/ 281).
(3)
الكتاب (1/ 280).
(4)
ينظر: مجمع الأمثال للميداني (2/ 151)، والمستقصى (2/ 231)، والفاخر (ص 149)، والكتاب (1/ 280، 281)، ويروى المثال أيضا برواية:«كلاهما وتمرا» ، وخرج سيبويه هذه الرواية بقوله: كأنه قال: كلاهما لي وزدني تمرا.
(5)
سورة النساء: 170.
(6)
سورة النساء: 171.
(7)
الكتاب (1/ 283، 284).
(8)
الكشاف (1/ 200).
(9)
ينظر: التذييل (3/ 98)، وإملاء ما من به الرحمن (1/ 204)، ومجالس ثعلب (1/ 307).
(10)
معاني القرآن للفراء (1/ 295، 296).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وراءك أوسع لك؛ فإن أوسع صفة لمكان لا مصدر (1)، ومثله ما أنشد سيبويه من قول الشاعر [2/ 328] (2):
1342 -
فواعديه سرحتي مالك
…
أو الرّبا بينهما أسهلا (3)
وأسهل بمعنى: مكان سهل، وأجاز السيرافي أن يكون مكانا بعينه (4)، وعلى كل حال لا يصلح أن يراد به المصدر، ولا أن يراد به ما قدر الكسائي، وإذا بطل قول الكسائي، وقول الفراء، تعين الحكم بصحة القول الأول، وهو قول الخليل وسيبويه، وقد جعل سيبويه من المنصوب باللازم إضماره قول ذي الرمة:
1343 -
ديار ميّة إذ ميّ تساعفنا
…
ولا يرى مثلها عرب ولا عجم (5)
قال سيبويه: كأنه قال: اذكر ديار مية؛ ولكنه لا يذكر اذكر؛ لكثرة ذلك في كلامهم (6).
وقال سيبويه: ومن العرب من يرفع الديار؛ كأنه يقول: تلك ديار فلانة، وقال أيضا:
ومن العرب من يقول: كلاهما وتمرا؛ كأنه قال: كلاهما لي وزدني تمرا، وكل شيء ولا شتيمة حر، كأنه قال: كل شيء أمم، ولا شتيمة حر، وترك ذكر الفعل بعد لا (7). -
(1) ينظر: التذييل (3/ 99).
(2)
هو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، اشتهر بالغزل والمجون، وتوفي سنة (93 هـ).
(3)
البيت من السريع، وهو في: الكتاب (1/ 283)، والأمالي الشجرية (1/ 344)، والتذييل (3/ 101)، والغرة المخفية (ص 250)، والبحر المحيط (1/ 199)، وشرح التسهيل للمصنف (2/ 159)، والخزانة (1/ 280)، واللسان «وعد» ، وديوانه (ص 349) برواية:
وواعديه سدرتي مالك
…
أو ذا الذي بينهما أسهلا
اللغة: سرحتي مالك: شجرتان لمالك، والسرحة: واحدة السرح، وهو كل شجر عظيم لا شوك له.
الرّبا: جمع ربوة، وهو المكان المرتفع.
والشاهد قوله: «أسهلا» ؛ حيث نصبه بإضمار فعل دل عليه ما قبله.
(4)
ينظر: شرح السيرافي (3/ 15)، وشرح السيرافي لأبيات الكتاب (1/ 428).
(5)
البيت من البسيط، وهو في: الكتاب (1/ 280)، (2/ 247) برواية «عجم ولا عرب» ، ونوادر أبي زيد (ص 208) برواية الكتاب، والأمالي الشجرية (2/ 90)، وشرح التسهيل للمصنف (2/ 92)، والارتشاف (ص 599)، والتذييل (3/ 102)، ودلائل الإعجاز (171)، وتعليق الفرائد (ص 1434)، والخزانة (1/ 378)، ومعجم مقاييس اللغة (4/ 240)، والهمع (1/ 168)، واللسان «عجم» .
اللغة: مي: ترخيم «مية» في غير النداء، وهو ضرورة. تساعفنا: تواتينا.
والشاهد قوله: «ديار مية» ؛ حيث نصب «ديار» بفعل مقدر، والتقدير: أذكر ديار مية وأعنيها.
(6)
الكتاب (1/ 280).
(7)
الكتاب (1/ 281).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هذا نصه، وإلى هذا أشرت بقولي: وقد يجعل المنصوب مبتدأ أو خبرا؛ وقد تناول قولي: فإن كان الاقتصار في مثل أو شبهه في كثرة الاستعمال؛ نحو: إيّاي وكذا بإضمار: نحّ، ونحو: إياك وكذا بإضمار: ابق، وهذا المسمى تحذيرا، ولا يلزم إضمار الناصب فيه إلا مع إياك وأخواتها، ومع مكرر، نحو: الأسد الأسد، ومع معطوف ومعطوف عليه نحو:«ماز رأسك والسيف» (1)، ولا يحذف العاطف بعد إياك إلا والمحذور مجرور بمن، نحو: إياك من الشر، وتقديرها مع «أن» كاف، نحو: إياك أن تسيء على تقدير: إياك من أن تسيء، فحذف «من» ؛ لأن مثل هذا في «أن» مطرد، فلو وقعت الإساءة موقع «أن تسيء» لم يجز حذف «من» إلا في الضرورة (2)، كقول الشاعر:
1344 -
وإيّاك إيّاك المراء فإنّه
…
إلى الشّرّ دعّاء وبالشّرّ آمر (3)
أراد: إياك أن تماري، ثم أوقع موقع «أن تماري» المراء، فعامله معاملة ما هو واقع موقعه، ويجوز أن يكون نصب المراء بفعل مضمر غير الذي نصب إياك.
وعلى كل حال فلا يجوز مثل هذا إلا في الشعر، وليس العطف بعد إياك من عطف الجمل، خلافا لابن طاهر وابن خروف (4)، ولا من عطف المفرد على تقدير: اتق نفسك أن تدنو من الشر والشر أن يدنو منك، بل هو من عطف المفرد، على تقدير: اتق تلاقي نفسك والشر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه؛ ولا شك أن هذا أقل تكلفا فكان أولى ويساوي التحذير في كل ما ذكرته [2/ 329]-
(1) في مجمع الأمثال (2/ 279)، قال الأصمعي:«أصل ذلك أن رجلا يقال له: «مازن» أسر رجلا، وكان رجل يطلب المأسور بذحل، فقال له: ماز - أي يا مازن - رأسك والسيف، فنحّى رأسه، فضرب الرجل عنق البعير». وينظر المثل في: المستقصى (2/ 339)، والكتاب (1/ 275).
(2)
ينظر: المقتضب (3/ 212 - 215).
(3)
البيت من الطويل، وهو للفضل بن عبد الرحمن القرشي، وهو في: الكتاب (1/ 279)، والمقتضب (3/ 213)، والخصائص (3/ 102)، والغرة المخفية (ص 249)، والتذييل (3/ 103)، وابن القواس (ص 299)، والارتشاف (ص 600)، وما يجوز للشاعر في الضرورة (ص 174)، والعيني (4/ 113)، وابن يعيش (2/ 25)، والمغني (2/ 679).
ويروى البيت برواية «فإياك» مكان «وإياك» ، «وللشر جالب» مكان «وبالشر آمر»
والشاهد قوله: إياك المراء حيث حذفت «من» الجارة بعد إياك مع المصدر الصريح، ولم يوجد العاطف؛ وهذا لضرورة الشعر.
(4)
ينظر: التذييل (3/ 103).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإغراء، نحو: أخاك أخاك، بإضمار الزم وشبهه
…
انتهى كلام المصنف (1).
ولا بد مع ذلك من الإشارة إلى أمور:
1 -
منها: أن العامل الناصب لمعموله بالنسبة إلى الإظهار والإضمار، على ثلاثة أقسام: قسم يجب فيه الإظهار، وهو ما لا دليل عليه لو أضمر، كقولك ابتداء من غير قرينة قول أو حال، زيدا مثلا أو عمرا؛ فإنه لا يجوز (2)، وهذا القسم لم يحتج المصنف أن ينبه عليه، لأنه ذكر القسمين الآخرين، وهما ما يجوز فيهما الأمران وما يجب فيه الإضمار، ونبه على أسباب كل منهما؛ فما انتفت عنه أسباب الجواز وأسباب الوجوب يعلم أن إظهار العامل فيه واجب؛ لأن إظهار العامل وذكره مع عامله هو الأصل، ثم إن المجوز للحذف أن يكون ثمّ دليل على المحذوف، ولهذا اقتصر غير المصنف على ذلك واكتفى به، وأما المصنف؛ فإنه تعرض لأسباب الدلالة، فذكر اثني عشر سببا كما علمت (3)، ويظهر أنه استوفى الأسباب كلها، وأما الموجب للحذف وهو المعبر عنه بالإضمار؛ فذكر له المصنف سببين وهما: أن يكون الحذف في مثل نحو: كلّ شيء ولا شتيمة حرّ، أو ما هو جار مجرى المثل في كثرة الاستعمال، كقوله تعالى: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ (4) كما تقدم (5).
وحاصل الأمر: أن ما لا دليل عليه من العوامل يجب ذكره، وما دل عليه لو حذف دليل جاز فيه الذكر والحذف، وما دل عليه دليل وكان له بدل يقوم مقامه وجب حذفه، وكذا ما كان مثلا أو جرى مجرى المثل في كثرة الاستعمال.
2 -
ومنها: أن المصنف؛ إنما قال: (يجوز الاقتصار على منصوب الفعل)، ولم يقل: على المفعول به، وإن كان الباب معقودا له؛ لتشمل عبارته سائر المنصوبات من: مفعول به ومفعول فيه ومفعول له ومفعول مطلق وحال (6)، ولهذا لما تكلم ابن عصفور في ذلك عمّ القول بالنسبة إلى كل معمول، ولم يقتصر على -
(1) شرح التسهيل للمصنف (2/ 161) وهو نقل طويل جدّا.
(2)
ذكر ابن عصفور هذا القسم في المقرب (1/ 252).
(3)
سبق شرحه.
(4)
سورة النساء: 170.
(5)
سبق شرحه.
(6)
لعل ناظر الجيش تابع في هذا التخريج لأستاذه أبي حيان، يقول أبو حيان:«ومنصوب الفعل يشمل المفعول به، وغيره من منصوباته؛ وإن كان المقصود هنا التنبيه على الاقتصار على المفعول به» اه. التذييل (3/ 95).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عامل المفعول به، فقال: وقد يعرض فيما كان من عوامل الأسماء فعلا أن يضمر (1)، ثم سرد جميع ما ينصب بعامل واجب الحذف في جميع أبواب العربية (2)، ويقال:
إن بعض ملوك العرب سأل ابن عصفور عن هذه المسألة، وكان ذلك بحضرة جمع من النحاة، فشرع في ذكر ما ينتصب بعامل واجب الحذف إلى أن أتى على جميع ما تضمنته أبواب العربية من ذلك في مجلسه على الفور، دون تروّ فقضى منه حينئذ العجب، وشهد له بالتبريز في هذا الفن.
والمصنف لم يخلّ بشيء مما ذكره ابن عصفور؛ لكنه فرق المسائل، فأورد كلّا في بابه؛ وأنا أشير إلى ما قاله ابن عصفور ملخصا [2/ 330] ثم أرجع كلام المصنف الذي أورده مفرقا إليه.
وقبل ذلك فاعلم أن الواجب إضمار عامله قسمان: قسم نظم في أبواب، وهو الاسم المشتغل (3)، والمنادى، والمخصوص، والمحذر، والمحذر منه، والمغرى به، وقسم لم ينظم، وإنما ذكر في أبواب متفرقة، لمناسبة كل من ذلك بالباب الذي يذكر فيه، فابن عصفور ذكر الأمور التي نظمت في أبوابها، وذكر المتفرق في الأبواب؛ لكنه لم يلتزم هذا الترتيب في الذكر؛ بل قال: فمنه المنادى، والاختصاص، ومنه الصفات المقطوعة على المدح، أو الشتم، أو الترحم قال: فإنها صارت بدلا من أمدح، وأذم، وأرحم، ومنه الاسم المشتغل عنه، ومنه: إياك والأسد - يعني التحذير - وشأنك والجمع - يعني الإغراء -، ومنه أمرأ ونفسه وأهلك، والليل وغديرك، وهذا ولا زعامتك، وكليهما وتمرا، وكل شيء ولا شتيمة حر، ومن أنت زيدا ومرحبا، وأهلا وسهلا؛ وإن تأتني فأهل الليل، وأهل النهار، وانْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (4) وحسبك خيرا، ووراءك أوسع لك، ومنه في الدعاء: سقيا ورعيا، والدعاء عليه: أفّة وتقّة، وزفرا، ومنه إلا أنه لا يستعمل إلا مضافا: ويحك، وويلك، وويبك (5) وونيك، ومنه إلا أنه في غير الدعاء:
حمدا وشكرا، لا كفرا وعجبا، وكرامة ومسرة، ومنه: ولا كبدا ولا همّا، ومنه وزعما وهو أنا، ومنه: -
(1) المقرب (1/ 252).
(2)
ينظر: المقرب (1/ 252 - 258)، وتقريب المقرب لأبي حيان (ص 61) وما بعدها.
(3)
في (ب): (المشتغل عنه).
(4)
سورة النساء: 171.
(5)
في المقرب (1/ 255)«وويك، ووبّيك» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما أنت إلا سيرا؛ وإنما أنت سيرا، ومنه: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً (1)، ومنه: له صوت صوت حمار، ومنه أنت ابني حقّا، وله ألف درهم عرفا، ومنه: صنع الله، وكتاب الله، وسبحان الله وريحانه، ومعاذ الله، وعمرك الله وبعدك الله، وكذا ما جاء مثنى، نحو: حنانيك، ولبيك، وسعديك، وهذا ذيك، ودواليك، ومنه وهو مما جرى مجرى «سبحان» (2) في المعنى؛ إلا أنه غير مصدر سبّوحا قدّوسا، أي: ذكرت سبّوحا، قدّوسا، أو اذكر، ومما أجري مجرى المصادر في الدعاء، وفي غير الدعاء:
عائذا بك، وأقائما وقد قعد الناس؟، وأقاعدا وقد سار الركب؟، ومنه: أتميميّا مرة، وقيسيّا أخرى؟ ومنه أأعور وذا ناب (3)، وفيه إضمار كان، وإنابة «ما» منابها، ومنه:
أخذته بدرهم فصاعدا وبدرهم فزائدا، هذا ما تضمنه كلام ابن عصفور (4).
فأما المنادى، والمخصوص، والمشتغل عنه، والمحذر، والمغرى به، فقد ذكرها المصنف في أبوابها، وأما الصفات المقطوعة فقد ذكرها في باب النعت، وأما: امرأ ونفسه وما ذكر بعده إلى: إن تأتني فأهل النهار وأهل الليل، فقد ذكر المصنف ذلك في باب التحذير والإغراء؛ لأنه ملحق بهما في التزام إضمار [2/ 331] الناصب على أن قول المصنف هنا:(فإن كان الاقتصار في مثل أو شبهه فهو لازم) يشمل الكلمات المذكورة أيضا، وأما انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (5)، وحسبك خيرا لك، ووراءك أوسع لك، فقد ذكره المصنف في هذا الباب، وجعله شبه المثل في كثرة الاستعمال، وأما سقيا ورعيا، وما ذكر بعدهما إلى هذاذيك ودواليك، فقد ذكره المصنف في باب المفعول المطلق، وأما سبّوحا، قدّوسا، وهو ما جرى مجرى «سبحان» في المعنى إلا أنه غير مصدر؛ فلم يذكره المصنف، وفي كون ناصبه واجب الحذف نظر؛ إذ لا بدل عنه كما أن «سبحان» بدل من اللفظ بعامله لكن قد نقل ابن عصفور ذلك، وهو الإمام في هذا العلم والنقول لا تدفع، وأما هنيئا مريئا؛ فقد ذكرهما المصنف في باب الحال، وأما عائذا
بك إلى أعور وذا ناب؛ فقد ذكره المصنف في باب المفعول المطلق أيضا، وذكر أن الصفات أحوال؛ وأن الأسماء مفعولات على الأصح فيها، وأما حذف كان وإنابة «ما» منابها؛ فذكره -
(1) سورة محمد: 4.
(2)
في (ب): (سبحان الله).
(3)
ذكره سيبويه في الكتاب (1/ 343)، فقال:«وحدثنا بعض العرب أن رجلا من بني أسد قال يوم جبلة واستقبله بعير أعور فتطير منه، فقال: يا بني أسد، أعور وذا ناب» اه. وينظر: اللسان «عور» .
(4)
ينظر: المقرب (1/ 252 - 259).
(5)
سورة النساء: 171.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في باب كان، وأما أخذته بدرهم فصاعدا، وبدرهم فزائدا؛ فقد ذكره في الحال أيضا، وعلى هذا فجملة الأبواب التي يجب فيها حذف الناصب ثمانية وهي:
النداء، والاختصاص، والاشتغال، والتحذير، والإغراء، وما ألحق بهما، والصفات المقطوعة، والمفعول المطلق وهو أقسام، والحال.
3 -
ومنها: أنه قد تقدم أن الأصح من المذاهب الثلاثة في المسألة المذكورة في قوله تعالى: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (1) أن خيرا منصوب على أنه مفعول به بفعل مقدر، والتقدير: انتهوا أو ائتوا خيرا لكم؛ وأنه مذهب الخليل وسيبويه (2)، واستدل الأئمة لصحته بأنك إذا قلت: انته خيرا لك، فنهيته؛ علم أنك تأمره بما هو خير، فكأنك قلت: وائت خيرا، قالوا: وإنما علم ذلك من النهي؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده، قالوا: ويدل على بطلان مذهبي الكسائي والفراء في هذه المسألة قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (3)؛ لأنه لو حمل على ما قالا، لا يكون خيرا؛ لأن من انتهى من التثليث وكان معطلا؛ لا يكون خيرا له.
وفي قول سيبويه: وائت خيرا؛ يكون أمرا بالتوحيد الذي هو خير (4)، واعلم أن حسبك من قولهم: حسبك خيرا لك، إما مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر مبتدأ محذوف، التقدير: حسبك الذي فعلت، أو: الذي فعلت حسبك، و «خيرا» مفعول بفعل محذوف، التقدير: وائت خيرا، لأن حسبك معناه كف، ولما أمره بالكف علم أنه محمول على غيره، فقال: خيرا لك، أي: وائت خيرا لك كما ذكر في انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ سواء، وأما ورائك أوسع لك، فوراءك اسم فعل معناه تأخر [2/ 332] وضده أمامك بمعنى تقدم، «وأوسع» منصوب بإضمار فعل، التقدير: خذ مكانا أوسع لك،
أو: ائت مكانا أوسع؛ لأنه لما نهاه عن التقدم بقوله: وراءك؛ علم أنه يأمره بإتيان ما هو أوسع له (5).
4 -
ومنها: أن الشيخ قال في قول المصنف: (فيلزم حذف ثاني الجزأين): لو -
(1) سورة النساء: 171.
(2)
ينظر: الكتاب (1/ 282، 283).
(3)
سورة النساء: 171.
(4)
ينظر: التذييل والتكميل (3/ 99).
(5)
ينظر: الكتاب (1/ 282، 283)، والمقرب (1/ 254).