الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[تعدي الفعل بالهمزة والتضعيف]
قال ابن مالك: (فصل: يدخل في هذا الباب على الثّلاثيّ غير المتعدّي إلى اثنين همزة [2/ 334] النّقل فيزداد مفعولا إن كان متعدّيا، ويصير متعدّيا إن كان لازما، ويعاقب الهمزة كثيرا، ويغني عنها قليلا تضعيف العين ما لم تكن همزة، وقلّ ذلك في غيرها من حروف الحلق).
ــ
المقدر في حكم المذكور (1)، والمصنف رحمه الله تعالى: لا يخفى عنه ذلك، ولكنه تجوز بالحذف عن عدم الذكر (2).
قال ناظر الجيش: قال المصنف: احترزت بقولي في هذا الباب: من باب علم؛ لأن همزة النقل فيها أوصلت «علم ورأى» إلى مفعول ثالث، وقد مضى الكلام على ذلك مستوفى (3)، والغرض الآن تبيين دخول الهمزة على أفعال
غير ذلك الباب، وبينت باستثناء المتعدي إلى اثنين أن «كسوت» ونحوه من الثلاثي المتعدي إلى اثنين لا يدخل عليه همزة، ولا تضعّف عينه على القصد المشار إليه، وقد تقدم الإعلام بأن امتناع هذا في غير باب «علم» مجمع عليه: ومثال ما ازداد مفعولا بعد تعديه إلى واحد: أكفلت زيدا عمرا، وكفّلته إيّاه، وأغشيت الشيء الشيء، وغشّيته إيّاه، ومثال الصائر متعديا بعد أن كان لازما: أنزلت الشيء، ونزلته وأبنته وبيّنته (4) وهذا من التعاقب الكثير بين الهمزة وتضعيف العين، ومثال التضعيف المغني عن الهمزة: قويت الشيء وهيّأته، وحكّمت فلانا، وطهّرت الشيء، ونظّفته، وسلّمته وقدّمته، وأخّرته، وحصّلته، وهذا النوع المستغنى فيه عن أفعل بفعّل - مع كثرة مثله - قليل بالنسبة إلى النوع المستغنى فيه عن فعّل بأفعل، ولذلك وجد في أفعل ما يتعدى إلى ثلاثة دون حمل على غيره، ولم يوجد ذلك في فعّل إلا نبّأ، وحدّث، وهما محمولان على أعلم بتضمين معناها (5)، ومما يبين لك أن -
(1) ينظر: الإيضاح في علوم البلاغة للقزويني (ص 61) طبعة محمد صبيح.
(2)
شرح التسهيل لابن مالك (2/ 163).
(3)
في (ب): (مستوفيا).
(4)
ينظر: التذييل (3/ 108).
(5)
ينظر: باب ظن وأخواتها؛ حيث إن القول في هذه الأفعال مفصل هناك، وينظر: التوطئة (ص 164)، والتذييل (3/ 111).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أفعل أمكن من فعّل فيما اشتركا فيه استغناؤهم بأفعل لزوما فيما عينه همزة كأنأيت وأمأيت، وعليه فيما عينه حرف حلق غير همزة، كأذهلته، وأوهيته، وأرهقته، وأحجزته، وألحمته، وأسعده، وأسعفه، وأوعره، وأوغله، وأدخله، وأثخنه.
وقد يتعاقب في هذا النوع أفعل، وفعّل، نحو: أوهنه ووهّنه، وأمهله ومهّله، وأنعمه ونعّمه، وأبعده وبعّده، وأضعفه وضعّفه، هذا آخر كلام المصنف (1)، وقد بقي الكلام في أمرين:
أحدهما: أن النحاة مختلفون في التعدية بالهمزة، هل هو أمر قياسي أو سماعي؟!، وكذا التعدية بالتضعيف، أما التعدية بالهمزة ففيها ثلاثة مذاهب:
منهم: من ذهب إلى أنه كله سماع؛ فلا يقال منه إلا ما قالته العرب، ولم يكثر عنده كثرة توجب القياس (2).
ومنهم: من ذهب إلى أنه مقيس في غير المتعدي (3)، فيقال منه ما لم يسمع قياسا على ما سمع؛ لأنه كثر، فما لم يسمع إنما كان عدم سماعه بالاتفاق، ولو تعرض للعرب لقالته، كما يقال اسم الفاعل [2/ 335] من كل فعل سمع أو
لم يسمع، وأما المتعدي فلا يقال منه إلا ما قالته العرب؛ لأنه لم يكثر فيقاس عليه.
قال سيبويه: ألا ترى أنه ليس كل فعل كأولني (4)، وذكر فيما لا يتعدى أن النقل بالهمزة فيه كثير (5).
قال ابن أبي الربيع: فحصل من هذين الموضعين أن مذهبه - والله تعالى أعلم - أنه قياس في غير المتعدي، وسماع في المتعدي، قال: وعلى هذا المذهب أكثر النحويين، وهو الصواب (6). -
(1) شرح التسهيل (2/ 164).
(2)
هذا هو مذهب المبرد، ينظر: الهمع (2/ 81).
(3)
هذا مذهب سيبويه، ينظر: نتائج الفكر (ص 327).
(4)
ينظر: الكتاب (1/ 252).
(5)
ينظر: الكتاب (4/ 55) وما بعدها.
(6)
ينظر: التذييل (3/ 108).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنهم: من ذهب إلى أنه قياس في غير المتعدي، وفيما يتعدى إلى واحد (1)؛ وإنما قيد المتعدي بكونه إلى واحد؛ ليخرج باب «ظننت» ، فإن التعدي فيه بالهمزة موقوف على السماع، ومنهم من قاس «ظننت» على علمت فعداها بالهمزة إلى ثلاثة.
وأما التعدية بالتضعيف ففيها مذهبان:
منهم: من قال: إنه قياس، ومنهم: من قال: إنه سماع، سواء أكان الفعل لازما أم متعديا (2).
قال ابن أبي الربيع: وهو الأصح، وقال غيره (3): إنه هو الظاهر من مذهب سيبويه. وقد تلخص من هذا الذي ذكرنا؛ أن النقل بالهمزة قياس في اللازم، سماع في المتعدي، وبالتضعيف سماع في المتعدي واللازم، وأن منهم من قال بالقياس في التضعيف، ومنهم من قال بالسماع فيهما.
واعلم أن ابن أبي الربيع ذكر أن النقل يكون بثلاثة أشياء وهي: الهمزة، والتضعيف، وحرف الجر، كما تقول: ذهبت بزيد، أي: أذهبته (4)، والذي قاله صحيح ولكن النقل بالحرف لا يذكر في هذا الباب؛ لأنه معقود لما هو منصوب من المفعولين، وما دخل عليه حرف الجر مجرور، فوجب ذكره في المجرورات، وقد ذكر المصنف ذلك في باب حروف الجر، ثم قال ابن أبي الربيع: وذهب الكوفيون إلى أن الأشياء التي ينقل بها الفعل فيصير متعديا ستة: الثلاثة المتقدمة التي ذكرها البصريون، وثلاثة أخر وهي:
1 -
إسقاط الهمزة نحو: أكبّ زيد على وجهه، وكبه الله على وجهه، قال الله تعالى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ (5)، وقال الله تعالى: فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ (6)، ومنه ثلّثت الرجلين؛ إذا صيرتهم ثلاثة، وأثلثوا؛ إذا صاروا ثلاثة، وكذلك: أنزفت البئر ونزفتها. -
(1) ذكر أبو حيان أن ذلك مذهب أبي عمرو وجماعة، ينظر: التذييل (3/ 108)، والهمع (2/ 81، 82).
(2)
ينظر: الهمع (2/ 82).
(3)
هو أبو حيان في التذييل (3/ 110).
(4)
ينظر: التذييل (3/ 112).
(5)
سورة الملك: 22.
(6)
سورة النمل: 90.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
2 -
وتغير الحركة نحو: شترت عينه وشترها الله (1)، ومنه: كسيت الثوب إذا لبسته وكسوته إذا ألبسته، قال الشاعر (2):
1347 -
لقد زاد الحياة إليّ حبّا
…
بناتي إنّهنّ من الضّعاف
وأن يعرين إن كسي الجواري
…
فتنبوا العين عن كرم عجاف (3)
معنى كسي الجواري: لبس.
3 -
أن يكون النقل بغير زيادة ولا تغير في اللفظ، وإنما يكون بتغيير في التقدير؛ وذلك نحو: شجا فوه وشجا فاه، وفغر فوه وفغر فاه، فمعنى شجا فوه:
انفتح، ومعنى شجا فاه: فتح فاه [2/ 336]، وكذلك فغر فوه وفغر فاه، ومنه:
أمأت الدراهم، وأمأت هي اللفظ واحد، والتقدير مختلف، والبصريون يذهبون إلى أن هذه الأشياء لم تفعل للنقل، لم يكن شترت عينه، فلما أرادوا النقل، قالوا: شترها الله، ولو أرادوا لقالوا: أشترها الله، وإنما شترها: جعل فيها الشتر (4)، قال: وكذلك الكلام فيما يأتون به من هذا النوع.
الأمر الثاني: قال الشيخ: وزاد بعضهم فيما يعدي السين، والتاء، نحو: حسن زيد، واستحسنته، وقبح الشيء واستقبحته، وطعم زيد الخبز، واستطعمته الخبز، وألف المفاعلة: نحو سايرته، وجالسته، وماشيته في: سار، وجلس، ومشى (5).
انتهى. -
(1) في الكتاب (4/ 57)، ومثل ذلك: شتر الرجل، وشترت عينه، فإذا أردت تغيير شتر الرجل، لم تقل إلا: أشترته، كما تقول: فزع وأفزعته، وو إذا قال: شترت عينه، فهو لم يعرض لشتر الرجل؛ فإنما جاء ببناء على حده.
(2)
هو سعيد بن مسجوج الشيباني أو أبو خالد القتالي الخارجي أو عمران بن حطان أو عيسى الخطمي.
(3)
البيتان من الوافر، وينظر فيهما شواهد المغني (2/ 886)، والخصائص (2/ 292، 342)، والأمالي الشجرية (1/ 233) البيت الثاني، والتذييل (3/ 81)، والبحر المحيط (2/ 206، 6/ 271)، والمغني (2/ 527) البيت الثاني، والمصنف (2/ 115)، واللسان «كرم - كسا» .
والشاهد قوله: «كسي الجواري» ؛ حيث إن الفعل «كسي» استشهد به الكوفيون في هذا البيت على أنه لازم وليس متعديا؛ وذلك لتغير حركته.
اللغة: العجاف: المهزولات. تنبو العين: لا تنظر.
(4)
ينظر: الكتاب (4/ 57).
(5)
التذييل (3/ 112).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وليس هذا بشيء؛ فإن الحرف الذي يحصل به النقل، إنما يجاء به لمجرد النقل، فلا يفيد معنى آخر، كما في: أقام زيد عمرا، وأجلس بكر خالدا، وأذهب الله الرجس؛ ولا شك أن السين والتاء يفيدان معنى غير النقل، وكذلك ألف المفاعلة جيء بها لمعنى مقصود والتحقيق في هذا أن استفعل غير فعل؛ لأنه بناء مستقل صيغ الفعل عليه؛ ليفيد أحد المعاني المقصودة منه، وكذا فاعل أيضا، فليس ذلك من باب النقل والتعدية في شيء.
* * *