المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[من أحكام الفاعل: جواز حذف الفعل] - تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - جـ ٤

[ناظر الجيش]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الثامن عشر باب الفاعل

- ‌[تعريفه]

- ‌[من أحكام الفاعل: الرفع وتقديم الفعل]

- ‌[من أحكام الفاعل: تأنيث الفعل وجوبا وجوازا]

- ‌[من أحكام الفاعل: ألا تلحقه علامة تثنية أو جمع]

- ‌[من أحكام الفاعل: جواز حذف الفعل]

- ‌الباب التاسع عشر باب النّائب عن الفاعل

- ‌[أغراض حذف الفاعل - ما ينوب عنه]

- ‌[جواز نيابة غير المفعول مع وجود المفعول]

- ‌[جواز نيابة أي المفعولين]

- ‌[بعض المنصوبات لا تجوز إنابتها]

- ‌[التغييرات التي تحدث في الفعل عند بنائه للمجهول]

- ‌[أحكام تأخير المفعول عن الفاعل وتقديمه عليه]

- ‌الباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسه

- ‌[مواضع نصب المشغول عنه وجوبا]

- ‌[مواضع ترجيح النصب في المشغول عنه]

- ‌[جواز الرفع والنصب على السواء في المشغول عنه]

- ‌[مسألتان اختلف فيهما النحاة أيهما أرجح]

- ‌[ترجح رفع الاسم على الابتداء]

- ‌[أنواع ملابسة الضمير للمشغول عنه]

- ‌[مسألة يترجح فيها الرفع]

- ‌[رفع الاسم المشغول عنه وأحكامه في ذلك]

- ‌[مسألة أخيرة في باب الاشتغال]

- ‌الباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومه

- ‌[تقسيم الفعل إلى متعدّ ولازم - إجراء اللازم مجرى المتعدي]

- ‌[نوعا المتعدي: متعد إلى واحد - متعد إلى اثنين]

- ‌[مسائل تأخير المفعول وجوبا وتقديمه وجوبا وجواز الأمرين]

- ‌[حذف العامل الناصب للمفعول به جوازا ووجوبا]

- ‌[مواضع حذف المفعول ومواضع ذكره]

- ‌[تعدي الفعل بالهمزة والتضعيف]

- ‌الباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحدا

- ‌[تعريف التنازع - العامل في المتنازع فيه]

- ‌[خلاف البصريين والكوفيين في العامل]

- ‌[حكم ضمير المتنازع فيه من الإظهار أو الحذف]

- ‌[مسائل أربع في باب التنازع ختم بها الباب]

- ‌الباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراه

- ‌[تعريف المصدر - وأسماؤه وأصالته]

- ‌[المفعول المطلق: ناصبه - أنواعه - ما ينوب عنه]

- ‌[حذف عامل المفعول المطلق - جوازا ووجوبا - ومواضع ذلك]

- ‌[أحكام للمفعول المطلق المحذوف عامله وجوبا]

- ‌الباب الرابع والعشرون باب المفعول له

- ‌[تعريفه - ناصبه - أنواعه - وحكم كل نوع]

- ‌الباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيه

- ‌[تعريف الظرف - نوعاه]

- ‌[تقسيم ظرف الزمان إلى متصرف وغير متصرف]

- ‌[تقسيمات مختلفة لظرف الزمان وأمثلة لكلّ]

- ‌[حكم الظرف الواقع في جواب كم أو متى بالنسبة لحصول الفعل]

- ‌[أحكام إذ حين تجيء ظرفا وغير ظرف]

- ‌[أحكام إذا حين تجيء ظرفا وغير ظرف]

- ‌[أحكام مذ ومنذ حين تجيئان ظرفا وغير ظرف]

- ‌[أحكام الآن وبناؤه وإعرابه]

- ‌[أحكام قط وعوض]

- ‌[أحكام أمس من بنائه وإعرابه]

- ‌[الصالح للظرفية المكانية من أسماء الأمكنة]

- ‌[أحكام بعض الظروف المكانية مثل أسماء الجهات وحيث ولدن]

- ‌[التوسع في الظرف المتصرف]

- ‌الباب السادس والعشرون باب المفعول معه

- ‌[تعريفه وشرح التعريف]

- ‌[ناصب المفعول معه والآراء في ذلك]

- ‌[واو المفعول معه وحديث عنها]

- ‌[المفعول معه وحكم تقديمه]

- ‌[أقسام خمسة لما بعد الواو وحكم كل قسم]

- ‌[تعقيب على أقسام المفعول معه السابقة]

- ‌[أمثلة مختلفة في هذا الباب وما يجوز فيها]

- ‌[مسألتان في ختام هذا الباب]

الفصل: ‌[من أحكام الفاعل: جواز حذف الفعل]

[من أحكام الفاعل: جواز حذف الفعل]

قال ابن مالك: (ويضمر جوازا فعل الفاعل المشعر به ما قبله: والمجاب به نفي أو استفهام، ولا يحذف الفاعل إلّا مع رافعه المدلول عليه، ويرفع توهّم الحذف إن خفي الفاعل جعله مصدرا منويّا، أو نحو ذلك).

ــ

1236 -

وأهونهم وأحقرهم عليه

وإن كانا له نسب وخير (1)

قال ناظر الجيش: قال المصنف (2): حق الفعل والفاعل أن يكونا كالمبتدأ والخبر في منع حذف أحدهما بلا دليل، وجواز حذفه بدليل؛ لأن الفعل كالمبتدأ في كونه أول الجزأين، والفاعل كالخبر في كونه ثاني الجزأين، فسلك بالفعل سبيل المبتدأ في جواز الحذف وعرض للفاعل مانع من موافقة الخبر في جواز الحذف، وهو كونه كعجز المركب في الامتزاج بمتلوه، ولزوم تأخره، وكونه كالصلة في عدم تأثره بعامل متلوه، وكالمضاف إليه في أنه معتمد البيان بخلاف [2/ 238] خبر المبتدأ، فإنه مباين لعجز المركب وللصلة وللمضاف إليه فيما ذكر؛ لأنه غير متخرج بمتلوه ولا لازم التأخير، ويتأثر بعامل متلوه وهو معتمد الفائدة، لا معتمد البيان، وأيضا فإن من الفاعل ما يستتر فلو حذف في بعض المواضع لالتبس الحذف بالاستتار، والخبر لا يستتر، فإذا حذف لدليل أمن التباس كونه مستترا (3)، ومن إضمار فعل الفاعل، لكون ما قبله مشعرا به قراءة ابن عامر وأبي بكر (4) يسبح له فيها بالغدو والآصال (36) رجال (5) فرجال -

(1) البيت من الوافر وهو في: البيان والتبيين (1/ 234)، وعيون الأخبار (1/ 242)، والتذييل (2/ 1160)، والعيني (2/ 463)، والتصريح (1/ 277).

والشاهد قوله: «وإن كانا له نسب وخير» ؛ حيث أسند كان إلى اثنين معطوفا أحدهما على الآخر، وألحق بالفعل ألفا تدل على التثنية وهذا

يبطل رأي بعض النحاة الذين يمنعون إلحاق العلامة للفعل إذا كان أحد الاسمين معطوفا على الآخر.

(2)

شرح التسهيل لابن مالك (2/ 118).

(3)

ينظر: المقتضب (1/ 146)، (4/ 50)، والبهجة المرضية (ص 46)، والهمع (1/ 159، 160)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 84)، وشرح الألفية للمرادي (2/ 5، 6)، وشرح الرضي للكافية (1/ 77)، وأوضح المسالك (1/ 130، 131)، والتصريح (1/ 271، 272).

(4)

هو أبو بكر محمد بن عبد الرحيم بن سعيد بن يزيد بن خالد الأسدي الأصبهاني، كان إماما في رواية ورش ضابطا لها ثقة رحل بسببها إلى مصر فقرأها على أصحابه وأصحاب أصحابه ثم رجع إلى بغداد فكان أول من أدخلها العراق وأخذها عنه الناس، توفي في بغداد سنة (296 هـ)، ينظر: شرح طيبة النشر (ص 17، 18).

(5)

سورة النور: 36، 37.

ص: 1600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فاعل «يسبح» ، مضمرا (1)، لإشعار «يسبح» به مع عدم صلاحية إسناده هو إليهم؛ لأن الرجال لا يكونون مسبّحين بل مسبّحين؛ فلا يجوز هذا الاستعمال إلا فيما كان هكذا، فلو قيل: يوعظ في المسجد رجال على معنى يعظ رجال؛ لم يجز لصلاحية إسناد يوعظ إليهم، فلو قيل: يوعظ في المسجد رجال زيد جاز لعدم اللبس (2)، ومن الجائز لعدم اللبس قول الشاعر (3):

1237 -

ليبك يزيد ضارع لخصومة

ومختبط ممّا تطيح الطّوائح (4)

ومثله قول الشاعر:

1238 -

حمامة بطن الواديين ترنّمي

سقيت من الغرّ الغوادي مطيرها (5)

هكذا رواه الحفاظ ومن قال: سقاك، فتارك للرواية وآخذ بالرأي. -

(1) ينظر: الإتحاف (ص 325)، والحجة لابن خالويه (ص 262)، وإملاء ما من به الرحمن (2/ 156)، والكشاف (2/ 95).

(2)

ينظر: الهمع (1/ 160)، والأشموني (2/ 48)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 85).

(3)

في الكتاب أنه الحارث بن نهيك وذكر الأعلم الشنتمري في تحصيل عين الذهب بهامش الكتاب (1/ 145) أنه للبيد بن أبي ربيعة، ونسبه غيره إلى مزرد بن ضرار أخي الشماخ، ونسبه آخرون إلى الحارث ابن ضرار النهشلي، والأكثرون على أنه لنهشل بن حري. ينظر: العين (2/ 454)، وحاشية الشيخ محيي الدين على الأشموني (2/ 155).

(4)

البيت من الطويل وهو في: الكتاب (1/ 288)، وشرح أبياته للسيرافي (1/ 110)، والمقتضب (3/ 282)، والمحتسب (1/ 230)، والخصائص (2/ 353)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 85)، وأوضح المسالك (1/ 132)، والتذييل (2/ 1163)، والشعر والشعراء (ص 47)،

والخزانة (1/ 147)، والتصريح (1/ 274)، والهمع (1/ 160)، والدرر (1/ 142)، والأشموني (2/ 49)، والعيني (2/ 454)، وابن يعيش (1/ 80)، والإيضاح للفارسي (ص 74)، والبحر المحيط (4/ 117).

والشاهد قوله: «لبيك يزيد ضارع» ؛ حيث رفع «ضارع» بفعل مضمر يدل على الفعل المذكور والتقدير: «يبكيه ضارع» .

(5)

البيت من الطويل لتوبة بن الحمير أو الشماخ وهو في أمالي القالي (1/ 88)، والمقرب (2/ 128)، والتذييل (2/ 1164)، والشعر والشعراء (ص 452 - 454)، والعيني (4/ 86)، والهمع (1/ 51)، والدرر (1/ 26)، وملحقات ديوان الشماخ بن ضرار (ص 438 - 440)، وديوان توبة (ص 36) برواية «ألا انعمي» مكان «ترنّمي» و «سقاك» مكان «سقيت» .

والشاهد قوله: (سقيت من الغر الغوادي مطيرها»؛ حيث رفع «مطيرها» بفعل مضمر يدل على المذكور.

والتقدير: «سقاك مطيرها» .

ص: 1601

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ومن حذف فعل الفاعل قول عائشة رضي الله عنها: «فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان الشغل من رسول الله صلى الله عليه وسلم» (1) أي: بمعنى الشغل من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن إضمار فعل الفاعل لكون ما قبله يشعر به قول الشاعر:

1239 -

أرى الأيّام لا تبقي كريما

ولا العصم الأوابد والنّعاما

ولا علجان ينتابان روضا

نضيرا نبته عمّا تؤاما (2)

فعلجان: فاعل «تبقي» مضمرا، لإشعار «تبقي» به، ومثله:

1240 -

غداة أحلّت لابن أصرم طعنة

حصين عبيطات السّدائف والخمر (3)

فالخمر: فاعل «حلت» مضمرا، لإشعار «أحلت» به، ومثله قول الآخر:

1241 -

ولم يبق ألواء الثّماني بقيّة

من الرّطب إلّا بطن واد وحاجر (4)

-

(1) حديث شريف أخرجه البخاري في باب الصوم (40)، ومسلم في باب الصيام (151، 175، 177)، والترمذي صوم (65)، ومسند ابن حنبل (6/ 124، 131، 179). وينظر: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث (3/ 133).

(2)

البيتان من الوافر وهما لصخر الغي يرثي ابنه تليدا، في: التذييل (2/ 1164)، وشرح أشعار الهذليين للسكري (1/ 288، 289)، العلجان بالكسر: العير وحمار الوحش السمين، العمّ: بالضم النخل الطوال، التوأم: ما ولد مع غيره.

والشاهد قوله: «ولا علجان» ؛ حيث رفعه وليس قبله فعل رافع له؛ فقدر له فعل يفسره، ويدل عليه الفعل المذكور، والتقدير:«ولا يبقى علجان» .

اللغة: علجان: حماران غليظان - العصم: جمع أعصم وهو الوعل الذي في ذراعه بياض، الأوابد:

التي توحشت ونفرت من الإنس.

(3)

البيت للفرزدق وهو من الطويل، وينظر في: مجالس العلماء للزجاجي (ص 21)، والجمل له أيضا (ص 212)، والحلل في شرح أبيات الجمل لابن السيد (ص 279)، والإنصاف (1/ 187)، والعيني (2/ 456)، والتصريح (1/ 247)، وديوانه (ص 317)، والتذييل (2/ 1169)، وأوضح المسالك (1/ 133).

والشاهد قوله: «

والخمر»؛ حيث رفع بفعل محذوف استلزمه الفعل المذكور وهو «أحلت» والتقدير: «وحلت له الخمر» وجاء في ديوان الفرزدق قوله: ورفع الخمر على تقدير: «والخمر حلت له» فهو بذلك يجعله مبتدأ محذوف الخبر.

(4)

البيت من بحر الطويل وهو لذي الرمة من قصيدة طويلة في وصف الصحراء والناقة يمدح في آخرها بلال بن أبي موسي وهو في شرح التسهيل للمصنف (84 / أ) والتذييل (2/ 1170)، والتنبيهات (ص 220)، واللسان:«لوى» ، والديوان (2/ 1021)(أبو صالح).

ص: 1602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

أنشده أبو علي في التذكرة وقال: رفع على معنى بقي بطن واد وحاجر.

ومن إضمار الفاعل المجاب به نفي قولك لمن قال: ما جاء أحد، بلى زيد، تريد بلى جاء زيد، ومثله قول الشاعر:

1242 -

تجلّدت حتّى قيل لم يعر قلبه

من الوجد شيء قلت بل أعظم الوجد (1)

أراد: بل عراه أعظم الوجد، ومثال إضمار فعل الفاعل المجاب به استفهام ظاهر، قولك: نعم زيد، لمن قال: هل جاءك أحد (2)؟ ومثله قول الشاعر:

1243 -

ألا هل أتى أمّ الحويرث مرسلي

نعم خالد إن لم تعقه العوائق (3)

أراد: نعم أتاها خالد، فمثل هذا لا يرتاب في أن المجاب به مرفوع بفعل مقدم؛ لأنه جواب جملة قدم فيها الفعل، وحق الجواب أن يشاكل ما هو له جواب، فإن كانت جملة الاستفهام مؤخرا [2/ 239] فيها الفعل، فحق المجاب به من جهة القياس أن يؤخر فيه الفعل، لتتشاكل الجملتان. هذا مقتضى النظر لولا أن الاستعمال بخلافه، وذلك أن جواب الاستفهام المقدم فيه الاسم لا يجيء مكملا إلا والفعل فيه مقدم على الاسم، كقوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (4)، وكقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ (5)، وكقوله تعالى: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ (6) وينبغي إذا اقتصر في الجواب على الاسم أن -

- والشاهد قوله: «

إلا بطن واد وحاجر»؛ حيث رفع «بطن» بفعل استلزمه الفعل المذكور وهذا الفعل مضمر، والتقدير:«بقي بطن واد وحاجر» .

(1)

البيت من الطويل لقائل مجهول وهو في: التذييل (2/ 1171)، وأوضح المسالك (1/ 131)، والعيني (2/ 453)، والتصريح (1/ 273)، والأشموني (2/ 50).

والشاهد قوله: «بل أعظم الوجد» حيث رفع «أعظم» بفعل مضمر دل عليه الفعل السابق المذكور، والتقدير:«بل عراه أعظم الوجد» .

(2)

ينظر: شرح الألفية لابن الناظم (ص 84).

(3)

البيت في تاج العروس «عوق» وهو لأبي ذؤيب الهذلي والتذييل (2/ 1171)، برواية (ألا هل ترى أم الحويرث)، وشرح أشعار الهذليين (1/ 156). وهو من الطويل.

والشاهد قوله: «نعم خالد» ؛ حيث رفع «خالد» بفعل مضمر يدل عليه الكلام السابق والتقدير:

«نعم أتاها خالد» .

(4)

سورة الزخرف: 9.

(5)

سورة المائدة: 4.

(6)

سورة يس: 78، 79.

ص: 1603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

يقدر الفعل مقدما؛ لأن المكمل أصل والمختصر فرع، فيسلك بالفرع سبيل الأصل؛ ولأن موافقة العرب تقدير تقديم الفعل متيقنة، وموافقتهم بتقدير تأخيره مشكوك فيها، فلا عدول عن تقدير التقديم، ولما جرى به الاستعمال من تقديم الفعل في الجواب المكمل وجه من النظر وهو أن حق الجملة الاستفهامية إذا كان فيها فعل أن يقدم؛ لأنه بمباشرة الاستفهام أولى من الاسم فلما لم يكن ذلك في نحو:«من فعل؟» لاتحاد المستفهم به والمستفهم عنه، جيء بالجواب مقدما فيه الفعل تنبيها على أن أصل ما هو له جواب أن يكون كذلك ومع هذا فالحكم بالابتداء على الاسم المجاب به نفي أو استفهام غير ممتنع؛ لأن مشاكلة الجواب لما هو له جواب في اللفظ غير لازمة؛ بل قد يكتفي فيه بمراعاة المعنى (1)، ومنه قراءة غير أبي عمرو من السبعة (2): قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ (3) وقد تقدم السبب في منع حذف الفاعل وبقاء فعله، وأما حذفه وحذف وفعله معا فكثير كقولك: زيدا، لمن قال: من أكرم؟

فحذفت أكرم وهو فعل أمر مسند إلى ضمير المخاطب فاشتمل الحذف عليها، ونظائر ذلك كثيرة (4)، وإذا توهم

حذف فاعل فعل موجود فلا سبيل إلى الحكم بحذفه؛ بل يقدر إسناده إلى مدلول عليه من اللفظ أو المعنى كقول الشاعر: -

(1) ينظر: التصريح (1/ 273)، والأشموني (2/ 49، 50)، وشرح الألفية للمرادي (2/ 8).

(2)

ينظر: الإتحاف (ص 320)، والحجة لابن خالويه (ص 258).

(3)

سورة المؤمنون: 86 - 89. في إملاء ما من به الرحمن (2/ 151)، «قوله تعالى: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ الموضع الأول باللام في قراءة الجمهور وهو جواب ما فيه اللام وهو قوله تعالى: لِمَنِ الْأَرْضُ وهو مطابق للفظ والمعنى، وقرئ بغير لام حملا على المعنى؛ لأن معنى لِمَنِ الْأَرْضُ: من رب الأرض؟ فيكون الجواب: الله، أي: هو الله. وأما الموضعان الآخران فيقرآن بغير لام حملا على اللفظ وهو جواب قوله تعالى: مَنْ رَبُّ السَّماواتِ ومَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ باللام على المعنى؛ لأن المعنى في قوله: مَنْ رَبُّ السَّماواتِ: لمن السموات؟» اه. وينظر: الكشاف (2/ 78).

(4)

ينظر: شرح الكافية للرضي (1/ 77)، وشرح عمدة الحافظ (ص 97) وقد قسم هناك حذف الفعل مع مرفوعه إلى: واجب، وجائز، ومثل للواجب بقوله:«إن زيدا أتيته أتاك» ، وللجائز بقوله تعالى: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً [النحل: 30].

ص: 1604

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

1244 -

تمشي تبختر حول البيت منتحيا

لو كنت عمرو بن عبد الله لم يزد (1)

أي: لم يزد انتحاؤك كذا قال أبو علي الفارسي (2)، وكقوله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ (3) قيل: إن المعنى «ثم بدا لهم بداء» ، كما قال:

1245 -

بدا لك في تلك القلوص بداء (4)

أي: ظهر لك فيها رأي، ولا يجوز مثل هذا الإسناد إلى مصدر الفعل حتى يشعر برأي مثل ظهر [2/ 240] وبان، وتبين، أو يكون الفعل فعل استثناء؛ كقاموا عدا زيدا، وخلا عمرا وحاشا بكرا، ومن الإسناد إلى مدلول عليه قول الشاعر:

1246 -

أقول إذا ما الطّير مرّت مخيلة

لعلّك يوما فانتظر أن تنالها

أأدرك من أمّ الحويرث غبطة

بها خبّرتني الطّير أم قد أتى لها (5)

أي: قد أتى لها أن لا أدرك؛ لأن ذكر أم بعد الهمزة التي وليها أحد الضدين يشعر بأن ثانيهما مراد، وهذا شبيه بقوله تعالى: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ (6)؛ لأن ذكر المعمر مشعر بمقابله وهو القصير العمر فأعيدت هاء عُمُرِهِ إليه ولم يذكر لإشعار مقابله (7)، ومثله قول الشاعر:

(1) البيت قيل: إنه للفرزدق ولكن البيت ليس في ديوانه، وهو في: التذييل (2/ 1175)، وسمط - اللآلئ (ص 705)، وطبقات الشعراء (ص 280) برواية «لم تزد» ولا شاهد على هذه الرواية في البيت، وينظر أيضا: شرح التسهيل للمصنف (2/ 121).

والشاهد قوله: «لم يزد» ؛ حيث كان ظاهره يدل على حذف الفاعل، لكن الفعل في الحقيقة مسند إلى فاعل يدل عليه قوله:«منتحيا» أو «تبختر» . والتقدير: لم يزد انتحاؤك أو لم يزد تبخترك».

(2)

ذكر أبو حيان في التذييل (2/ 1174، 1175)، أن هذا الكلام الذي نسبه المصنف هنا لأبي علي الفارسي ليس من كلامه وإنما هو من كلام المصنف، كما ذكر أنه في نسخة أخرى من نسخ شرح التسهيل منسوب إلى الفارسي، ولعله يقصد النسخة التي بين أيدينا أي التي نقل عنها ناظر الجيش نصّ ابن مالك.

(3)

سورة يوسف: 35.

(4)

تقدم ذكره.

(5)

البيتان لكثير عزة، ديوانه (ص 146) دار الكتاب العربي، وهما في: التذييل (2/ 1177)، وديوان الفرزدق (ص 77)، وقد روي البيتان فيه بإيراد البيت الثاني قبل الأول وباختلاف في بعض الألفاظ فقد روي «أم الحكيم» مكان «أم الحويرث» ، و «سحيقة» مكان «مخيلة» . والبيتان من الطويل.

والشاهد قوله: «قد أتى لها» ؛ حيث أسند الفعل إلى فاعل مفهوم من سياق الكلام، والتقدير: أم قد أتى لها ألا تدرك.

(6)

سورة فاطر: 11.

(7)

ينظر: روح المعاني للألوسي (7/ 169، 170).

ص: 1605

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

1247 -

وما أدري إذا يمّمت أرضا

أريد الخير أيّهما يليني (1)

فثنى الضمير قاصدا للخير والشر ولم يجر إلا ذكر أحدهما ولكن الإشعار بما لم يذكر بمنزلة ذكره، ومن الإسناد إلى مدلول عليه قول بعض العرب: إذا كان غدا فأتني، أي: إذا كان غدا ما نحن عليه الآن فأتني (2)، ومثله قول الشاعر:

1248 -

فإن كان لا يرضيك حتّى تردّني

إلى قطريّ لا إخالك راضيا (3)

أي: إن كان لا يرضيك ما تشاهده مني، ومن الفاعل المؤول قوله تعالى:

وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ (4) ففاعل تبيّن مضمون كيف فعلنا، كأنه قيل: وتبين لكم كيفية فعلنا بهم، وجاز الإسناد

في هذا الباب باعتبار التأويل، كما جاز في باب الابتداء نحو: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ (5)؛ فإنه أول بسواء عليهم الإنذار وعدمه؛ بل كما جاز في هذا الباب أن يقال:

1249 -

ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها (6)

على تأويل: ما ضرها هجوك إياها، ومثل: وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ، أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا (7) على تأويل: أولم يهد لهم كثرة -

(1) البيت من الوافر وهو للمثقب العبدي وهو في: معاني القرآن للفراء (1/ 231)، (2/ 7)، والتذييل (2/ 1178)، وشرح شواهد الشافية للبغدادي (ص 188).

والشاهد قوله: «أيهما يليني» ؛ حيث ثنى الضمير مع أن المذكور واحد وهو لفظ «الخير» ولكنه قاصد للخير والشر.

(2)

ينظر: أوضح المسالك (1/ 130)، وأمالي الشجري (1/ 185)، والتصريح (1/ 272)، والكتاب (1/ 224).

(3)

البيت من الطويل وهو لسوار بن مضرب السعدي وهو في: الخصائص (2/ 433)، والمحتسب (2/ 192)، ونوادر أبي زيد (ص 233)، وأمالي ابن الشجري (1/ 185)، والتذييل (2/ 1117، 1174)، وابن يعيش (1/ 80)، وأوضح المسالك (1/ 131)، والعيني (2/ 451)، والتصريح (1/ 272)، والأشموني (2/ 45).

والشاهد قوله: «فإن كان لا يرضيك حتى تردّني» ؛ حيث جاء ما ظاهره إسناد الفعل «يرضي» إلى الفعل «تردني» وذلك على اعتبار أن «حتى» استثنائية والجمهور على أنها غائية، وفاعل «يرضي» عندهم ضميرا مستترا يعود إلى ما عاد إليه اسم كان وهو الحال المشاهدة أي: ما أنا عليه من السلامة».

(4)

سورة إبراهيم: 45.

(5)

سورة البقرة: 6.

(6)

تقدم ذكره.

(7)

سورة السجدة: 26.

ص: 1606

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

إهلاكنا، ومن الإسناد إلى مدلول عليه قوله تعالى: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها (1)، ففاعل أَخْرَجَ ضمير الواقع في البحر الموصوف ولم يجر له ذكر؛ لأن سياق الكلام يدل عليه (2)، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» (3).

ففاعل يشرب غير مذكور لكنه مفهوم كأنه قيل: ولا يشرب الخمر شاربها، وقد يغني عن الفاعل استحضاره في

الذهن بذكر فعل ناصب لما لا يصلح إلا له (4)، كقول الشاعرة (5):

1250 -

لقد علم الضّيف والمرملون

إذا اغبرّ أفق وهبّت شمالا (6)

فأغنى عن إظهار الريح استحضارها في الذهن بـ «هبت» ونصبه «شمالا» على الحال فكان ذلك بمنزلة التصريح بالريح [2/ 241] ومثله قول الآخر:

1251 -

وأكرم الضّيف والجار القريب إذا

هبّت شآميّة واشتدّت القرر (7)

فنصب شآمية وأضمر الريح وإلى هذه المواضع ونحوها أشرت بقولي: ويرفع توهم الحذف إن خفي الفاعل جعله مصدرا منويّا أو نحو ذلك. انتهى كلام المصنف -

(1) سورة النور: 40.

(2)

ينظر: الكشاف (2/ 96).

(3)

حديث شريف أخرجه البخاري في كتاب الحدود (8/ 157، 159)، وكتاب المظالم (3/ 136)، ومسلم في كتاب الإيمان (76، 77)، والترمذي في كتاب الإيمان (5/ 15)، وابن حنبل (2/ 243، 317، 376، 479)، (3/ 346)، (4/ 353)، (6/ 139).

(4)

ينظر: الهمع (1/ 160)، والتصريح (1/ 271)، والبهجة المرضية (ص 46).

(5)

هي جنوب بنت العجلان بن عامر الهذلية ترثي أخاها عمرا.

(6)

البيت من المتقارب وهو في: الإنصاف (1/ 206)، ومعاني القرآن للفراء (2/ 90) والتذييل (2/ 1181)، والعيني (2/ 82)، وزهر الآداب للحصري (ص 795)، وشذور الذهب (ص 291)، والخزانة (4/ 353).

والشاهد قوله: «وهبت شمالا» ؛ حيث عاد الضمير على مستحضر في الذهن وهو الريح؛ لدلالة «هبت» الناصب «شمالا» على الحالية.

(7)

البيت وهو من بحر المضارع في التذييل (2/ 1181).

والشاهد فيه قوله: «هبت شآمية» ؛ حيث عاد الضمير على مستحضر في الذهن وهو الريح كما مر في البيت السابق.

ص: 1607

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

في شرح هذا الموضع (1).

وقد تعرض الشيخ إلى الطعن في شيء من ذلك والمنازعة فيما استدل به فقال:

وهذا الذي استدل به المصنف في هذه الأبيات يعني الذي أوله: «ليبك بزيد» ، والذي أوله:«حمامة بطن الواديين» ، والبيتين اللذين أولهما:«أرى الأيام» ، لا يتعيّن.

أما البيت الأول: فيمكن أن يكون المفعول الذي لم يسم فاعله هو «ضارع» ويكون «يزيد» منادى أي: ليبك ضارع يا يزيد بفقدك؛ فإنه يصير كالمفقود، والذي ينبغي أن يبكي؛ إذ لا يجد مثلك.

وأما الثاني: فيمكن أن يكون «مطيرها» بدلا من الضمير المستكن في «الغوادي» ؛ إذ فيه ضمير يعود على «الغر» أي البواكر مطيرها.

وأما الثالث: فيمكن أن يكون «ولا علجان» منصوبا معطوفا على المنصوب قبله ويكون ذلك على اللغة الحارثية (2). انتهى.

وأقول: أما تخريجه البيت الأول فيكفي في ردّه نبوّه عن الطباع وإذهاب بهجة المعنى المستفاد منه على التخريج المعروف منه، ثم الذي ذكره الشيخ مع وكالة المعنى يخرج الكلام إلى المجاز مع إمكان حمله على الحقيقة، ولا شك أن الحقيقة لا يعدل عنها إلا لموجب، ولا موجب في البيت، ثم إن الناس قالوا: إنما عدل عن قولنا:

«ليبك يزيد ضارع» بالبناء للفاعل إلى هذا التركيب الذي هو «ليبك يزيد ضارع» بالبناء للمفعول؛ لفضله على الأول، قالوا: وفضله عليه بثلاثة أمور:

الأول: أنه يفيد إسناد الفعل إلى الفاعل مرتين إجمالا ثم تفصيلا، فيتكرر الإسناد فيعطي الكلام قوة في المعنى المقصود.

الثاني: أن وقوع نحو: «يزيد» فيه غير فضلة بل هو ركن الجملة.

الثالث: أن معرفة الفاعل كحصول نعمة غير مترقبة؛ لأن أول الكلام غير مطمع -

(1) شرح التسهيل للمصنف (2/ 118 - 124).

(2)

التذييل (2/ 1164 - 1166).

ص: 1608

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

للسامع في ذكره (1)، وإذا عرف هذا فالتخريج الذي ذكره الشيخ يطمس هذه المعاني ويمحو آثارها، وأما تخريجه للبيت الثاني ففيه بعض ما في تخريجه البيت الأول، وذلك أنه إذا كان التقدير:«سقاك مطيرها» كان الدعاء للمدعو له مرتين وهما: سقيت من الغر الغوادي سقاك مطيرها.

والمقام يقتضي ذلك، وإذا كان مطيرها بدلا - كما قال الشيخ - زال هذا المعنى، ثم مراد الشاعر أن المطير هو الذي يسقى، لا أن المطير هو الغادي.

وأما تخريجه البيت الثالث فيتوقف على أن قائله هو من [2/ 242] أهل اللغة الذين يبقون ألف المثنى في كل حال، ثم

قال الشيخ: ولا يتعين ما قدره المصنف ولا غيره من أن رِجالٌ (2) مرفوع بـ «يسبّح» مضمرا لدلالة (يسبّح) عليه؛ لأنه يجوز أن يكون رِجالٌ خبر مبتدأ محذوف تقديره: «المسبح رجال» يدل عليه (يسبّح). انتهى (3).

وتقدير المبتدأ يبعده بل قد يمنعه أمران:

أحدهما: أن (رجال) إذا قدّر له فعل رافع وافقت قراءة يسبّح بفتح الباء قراءة يسبح بكسر الباء.

الثاني: أن المراد من الآية الشريفة إفادة تجديد التسبيح وتكرره في بيوت الله تعالى بكرة وأصيلا، وإذا كان كذلك كان تقدير الفعل متعينا؛ لأن تقدير المبتدأ لا يفيد هذا المعنى مع أنه المقصود، وأما البيت الذي أنشده المصنف الذي أوله:

1252 -

غراة أحلّت لابن أصرم طعنة (4)

فقد حكي أن يونس بن حبيب سأل الكسائي عنه فأنشده برفع «طعنة» ونصب «عبيطات السدائف» ، فقال له يونس: علام ترفع «الخمر» ؟ فقال: على -

ص: 1609

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الاستئناف والقطع، فقال له يونس: ما أحسن ما قلت لولا أن الفرزدق أنشدنيه مقلوبا (1)، يعني يونس أنه أنشده بنصب «طعنة» ورفع «عبيطات السدائف» ، وعلى هذا فيكون «والخمر» معطوفا على عبيطات ويسهل الأمر، ولا يحتاج حينئذ إلى تقدير فعل محذوف، ومعنى القلب هو: أن يجعل العبيطات والخمر هي التي أحلت طعنة، وفي الحقيقة: الطعنة التي أحلت له أكل العبيطات وشرب الخمر.

وقال الشيخ أيضا في قول المصنف: (ولا يحذف الفاعل إلا مع رافعه المدلول عليه): ما ذكره فيه خلاف وإطلاق في موضع التقييد، أما الخلاف فذهب الكسائي إلى جواز حذف الفاعل وحده دون فعله، لدلالة المعنى عليه.

وأما الإطلاق في مكان التقييد فإنه كان ينبغي أن يقيد ويقول: ما لم يكن الرافع مصدرا ينحل بحرف مصدري

والفعل؛ فإنه إذ ذاك يجوز حذف الفاعل وحده دون رافعه نحو قوله تعالى: أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً (2). انتهى (3).

أما خلاف الكسائي في هذه المسألة فمشهور (4) حتى أنه لا يكاد يخفى عن ضعفاء الطلبة، فكيف يجهله ابن مالك؟ هذا إذا لم يتعرض إلى ذكره في شيء من الأبواب، كيف؟ وقد ذكره في باب التنازع، ولو أهمل ذكره عذر؛ لأنه مذهب لا معول عليه.

وأما جواز حذف الفاعل إذا كان الرافع له مصدرا مقدرا بحرف وفعل؛ فقد ذكر المصنف ذلك في باب إعمال المصدر حيث قال: ولا يلزم ذكر مرفوعه، فليكن ما ذكره في باب المصدر مقيدا لما ذكره في باب الفاعل، وقال الشيخ في قول الشاعر:

1253 -

تمشي تبختر حول البيت منتحيا

لو كنت عمرو بن عبد الله لم يزد (5)

-

(1) ينظر: التصريح (1/ 274)، والانتصاف على الإنصاف للشيخ محيي الدين عبد الحميد (1/ 186، 187).

(2)

سورة البلد: 14، 15.

(3)

التذييل (2/ 1173، 1174).

(4)

ينظر: الهمع (1/ 160)، وشرح الجمل لابن عصفور (1/ 617)، وابن يعيش (1/ 77)، وشرح شذور الذهب (ص 214).

(5)

تقدم ذكره.

ص: 1610

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وقول المصنف: «التقدير: لم يزد انتحاؤك» : إن البيت [2/ 243] المذكور ليس مما ذكره بل قال: الفاعل مضمر في «يزد» عائد على عمرو بن عبد الله؛ لأنه اسم غائب أخبر به عن مخاطب، فيجوز فيما بعده مراعاة كل من الأمرين: أعني الخطاب والغيبة: فيعود الضمير بحسبه، فالتقدير في البيت على هذا:«لم يزد عمرو بن عبد الله انتحاؤك» (1). وقال في قول المصنف: ومن الإسناد إلى مدلول عليه قول بعض العرب: إذا كان غدا فأتني، ومثله قول الشاعر:

1254 -

فإن كان لا يرضيك حتّى تردّني (2)

أي إن كان لا يرضيك ما تشاهده مني، ومن الفاعل المؤول قوله تعالى:

وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ (3)، وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا (4) إلى آخره.

هذا الذي ذهب إليه المصنف هو مذهب بعض الكوفيين قال: وأما أصحابنا فإنهم خرجوا قوله تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ

كَمْ أَهْلَكْنا

على أن فاعل «يهدي» مضمر يعود على المصدر المفهوم من الفعل وساغ ذلك؛ لأن الهداية قد تستعمل استعمال الدلالة التي يراد بها الحجة والبرهان، وكأنه قال: أو لم يتبين لهم حجتنا، ويكون كَمْ أَهْلَكْنا في موضع نصب بما دل عليه قوله تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ؛ لأنه بمنزلة: أولم يعلموا (5). انتهى.

والذي قاله المصنف أظهر مما ذكره الشيخ، ولم يرد المصنف أن كَمْ أَهْلَكْنا مؤول بالفاعل، كما يؤول الحرف المصدري والفعل، بل مراده أنه يفيده ويدل عليه فنحن نستفيد من كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ: كيفية فعلنا بهم ونستفيد من كَمْ أَهْلَكْنا: كثرة إهلاكنا.

وناقش المصنف في قوله: ومن الإسناد إلى مدلول عليه قوله تعالى: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها (6)، وقوله: إن فاعل أَخْرَجَ ضمير الواقع في البحر -

(1) التذييل (2/ 1175).

(2)

تقدم ذكره.

(3)

سورة إبراهيم: 45.

(4)

سورة السجدة: 26.

(5)

التذييل (2/ 1179).

(6)

سورة النور: 40.

ص: 1611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الموصوف ولم يجر له ذكر، ولكن سياق الكلام يدل عليه.

فقال الشيخ: الفاعل ضمير يعود على محذوف مضاف إلى ظلمات، التقدير:

«أو كذي ظلمات» فحذف ذي؛ لدلالة المعنى (1).

* * *

(1) التذييل (2/ 1180).

ص: 1612