الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الصالح للظرفية المكانية من أسماء الأمكنة]
قال ابن مالك: (الصّالح للظّرفيّة القياسيّة من أسماء الأمكنة ما دلّ على مقدّر أو مسمّى إضافي محض أو جار باطّراد مجرى ما هو كذلك، فإن جيء بغير ذلك لظرفيّة لازمة غالبا لفظ «في» أو ما في معناها، ما لم يكن كمقعد في الاشتقاق من اسم الواقع فيه، فيلحق بالظروف، قياسا إن عمل فيه أصله أو مشارك في الفرعيّة، وسماعا إن دلّ على قرب أو بعد نحو: هو منّي منزلة الشّغاف ومناط الثّريّا).
قال ناظر الجيش: قال المصنف (1): قد تقدم الإعلام بأن المسمى ظرفا في النحو هو ما استغنى فيه بمعنى «في» عن لفظها استغناء مطردا من اسم زمان أو مكان، وأن ذلك واقع في أسماء الزمان كلها مختصها ومبهمها، فلما استوفيت الكلام على أسماء الأزمنة أخذت في أسماء الأمكنة، وبيان ما يصلح فيها للظرفية القياسية وما لا يصلح، فبيّنت أن الصالح لها أربعة أنواع: -
أحدها: ما دل على مقدار كميل وفرسخ وبريد (2).
والثاني: ما دل على مسمى إضافي محض أي على مسمى لا يعرف حقيقة بنفسه بل بما يضاف إليه كمكان وناحية وأمام ووراء ووجهة وجهة وكجنابتي في قول العرب: هما خطان جنابتي أنفها، يعنون: خطين اكتنفا أنف الظبية (3)، وكجنبي في قول الشاعر: -
1570 -
نحن الفوارس يوم الحنو ضاحية
…
جنبي فطيمة لا ميل ولا عزل (4)
-
(1) شرح التسهيل لابن مالك (2/ 225).
(2)
البريد فرسخان، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع.
ينظر: اللسان مادة «برد» .
(3)
ينظر: الكتاب (1/ 405).
(4)
البيت من البسيط وهو للأعشى، وهو في: الكتاب (1/ 406)، وشرح أبياته للسيرافي (1/ 149)، والاشتقاق (ص 34)، والغرة المخفية (ص 712)، والتذييل (3/ 382)، والهمع (1/ 199)، والدرر (1/ 168)، وديوان الأعشى (ص 63) برواية (يوم العين) مكان (يوم الحنو) واللسان مادة «حنا» ، والأزمنة والأمكنة (1/ 307)، ومعجم البلدان (فطيمة).
اللغة: يوم الحنو: يوم من أيام العرب. فطيمة: موضع بالبحرين. ضاحية: بمعنى علانية. الميل: جمع -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكأقطار في قولهم: قومك أقطار البلاد، وكمساليه في قول الشاعر (1) [2/ 451]:
1571 -
إذا ما نعشناه على الرّحل ينثني
…
مساليه عنه من وراء ومقدم (2)
قال سيبويه: مسالاه عطفاه فصار كجنبي فطيمة (3).
والثالث: ما جرى باطراد مجرى ما هو كذلك، وذلك صفة المكان الغالبة نحو:
قريبا منك وشرقيّ المسجد، قال الشاعر: -
1572 -
هبّت جنوبا فذكرى ما ذكرتكم
…
عند الصّفاة التي شرقيّ حورانا (4)
ومن الجاري مجرى ما هو كذلك مصادر قامت مقام مكان مضاف إليها تقديرا نحو قولهم: قرب الدار ووزن الجبل أي زنته أي مكان مسامته، والمراد هنا بالاطراد أن لا تختص ظرفيته بعامل ما كاختصاص ظرفية المشتق من اسم الواقع فيه (5).
الرابع: ما دل على محل الحدث المشتق هو من اسمه كمقعد ومرقد ومصلّى ومعتكف، ولا يعمل في هذا النوع إلا أصله كقولك: قعودي مقعد زيد، أو مشارك له في الفرعية كقولك: قعدت مقعد زيد، فلو قلت: اعتكفت مقعدك أو قعدت معتكفك لم يجز، لأن العامل ليس أصلا للمذكور كقعود بالنسبة إلى مقعد، ولا مشاركا له في الفرعية كاعتكفت بالنسبة إلى معتكف، ولذلك عد من -
- أميل، وهو من يميل عن السرج، ومن لا ترس معه ولا سيف. العزل: جمع: أعزل وهو من لا رمح معه.
والشاهد في قوله: (جنبي فطيمة) حيث نصب «جنبي» على الظرفية.
(1)
هو أبو حيّة النّميري واسمه الهيثم بن الربيع بن زرارة شاعر إسلامي أدرك الدولتين الأموية والعباسية.
(2)
البيت من الطويل وهو في: الكتاب (1/ 412)، وشرح التسهيل للمصنف، والارتشاف (ص 577)، والتذييل (3/ 382)، واللسان مادة «سيل» . والصحاح أيضا مادة «سيل» ، والأزمنة والأمكنة (1/ 307).
والشاهد فيه: نصب «مساليه» على الظرف، أي في مساليه.
(3)
الكتاب (1/ 412).
(4)
البيت من البسيط وهو لجرير وهو في شرح التسهيل للمصنف، والتذييل (3/ 384)، والكتاب (1/ 222)، وشرح أبياته للسيرافي (1/ 93)، وديوان جرير (ص 493) برواية (هبت شمالا) مكان (هبت جنوبا).
اللغة: الصفاة: الصخرة الملساء. حوران: بلد بالشام.
والشاهد في قوله: (شرقي حورانا) حيث نصب على الظرف.
(5)
ينظر: الهمع (1/ 199)، والمطالع السعيدة (ص 310).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشواذ: هو مني مقعد القابلة ومعقد الإزار، ومناط الثريا ونحو ذلك؛ لأن العامل ليس أصلا للفعل ولا شريكا له في الرجوع إلى أصل واحد (1)، وأما الأول والثاني والثالث فظرفيتها غير مقيدة بعامل دون عامل، فيقال: سرت ميلا وعدوت فرسخا وسرت بريدا وجلست يمين الكعبة وأمام زيد وعند خالد ومع محمد وتلقاء بشر ونحو ذلك، ومن العلماء من حكم باطراد ما دل على بعد أو قرب من نحو: هو مني بمنزلة الشغاف (2)، ونحو قول الشاعر (3): -
1573 -
وإنّ بني حرب كما قد علمتم
…
مناط الثّريّا قد تعلّت نجومها (4)
على تقدير مكان موصوف مثل مضاف إلى شغاف ومناط، ثم فعل ما فعل بضربته ضرب الأمير اللص من حذف الموصوف وصفته وإقامة الثالث مقامها، وهذا تقدير لائق ولكن القياس على نوعه لا يتجه لقلة نظائره ومغايرة لفظ باقية للفظ محذوفة بخلاف ضربته ضرب الأمير اللص؛ فإن نظائره كثيرة ولفظ باقية مماثل للفظ محذوفة، ولكون هذا النوع مقصورا على السماع، قال سيبويه: وليس يجوز هذا في كل شيء، لو قلت: هو مني مجلسك ومتّكأ زيد ومربط الفرس لم يجز (5) -
(1) ينظر: شرح الألفية لابن الناظم (ص 108)، وشرح الألفية للمرادي (2/ 92)، وشرح الكافية للرضي (1/ 185)، واللباب في علل البناء والإعراب للعكبري (ص 217)، والمثالان الأولان وهما قوله: هو منّي مقعد القابلة ومعقد الإزار كناية عن القرب، والمثال الثالث وهو قوله: هو مني مناط الثريا كناية عن البعد.
(2)
في علل البناء والإعراب للعكبري (ص 217): «فأما قولهم: هو منّي مناط الثريا، مزجر الكلب، إذا أرادوا البعد، ومقعد القابلة ومعقد الإزار إذا أرادوا القرب ففيه وجهان: -
أحدهما: أن الأصل فيها أن تستعمل بفي، لكنهم حذفوها تخفيفا كما قالوا: أمرتك الخير.
والثاني: أن هذه الأمكنة لما أريد بها المبالغة ولم يقصد بها أمكنة محدودة صارت كالأمكنة المبهمة» اه.
والشغاف هو غلاف القلب.
(3)
هو الأحوص كما في الكتاب، أو عبد الرحمن بن حسان بن ثابت كما في الأمالي الشجرية.
(4)
البيت من الطويل وهو في: الكتاب (1/ 413)، وشرح أبياته للسيرافي (1/ 306)، والمقتضب (4/ 343)، وأمالي الشجري (2/ 254)، والغرة لابن الدهان (2/ 58)، وكشف المشكل لحيدرة اليمني (ص 310)، وشرح التسهيل للمصنف، وشرح التسهيل للمرادي، والتذييل (3/ 393)، والأزمنة والأمكنة (1/ 307)، والظروف المفردة والمركبة (ص 92).
والشاهد فيه: نصب «مناط الثريا» على الظرف.
(5)
الكتاب (1/ 414).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإلى المسموع من هذا النوع أشرت بقولي: (وسماعا إن دل على قرب أو بعد نحو:
هو مني بمنزلة الشغاف ومناط الثريا)، وقيدت الإضافي بمحض احترازا من الإضافي الذي يدل بنفسه على معنى لا يصلح لكل مكان نحو جوف وباطن وظاهر وداخل وخارج [2/ 452] فإن هذه وما أشبهها من أسماء المكان المختصة إذا قصد بشيء منها معنى الظرفية لازمة لفظ «في» أو ما في معناها (1) إلا أن يرد شيء بخلاف ذلك فيحفظ كقوله تعالى: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (2)، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ (3) وكقول العرب: رجع فلان أدراجه أي في الطريق الذي جاء فيه، وهم درج السيول أي في مجاريها (4)، قال الشاعر في المعنى الأول: -
1574 -
لماّ دعا الدّعوة الأولى فأسمعني
…
أخذت برديّ واستمررت أدراجي (5)
وقال (6) في المعنى الثاني: -
1575 -
أنصب للمنيّة تعتريهم
…
رجالي أم هم درج السّيول (7)
فهذا مما حفظ في الاختبار ولا يقاس عليه، وأما قوله:
1576 -
لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه
…
فيه كما عسل الطريق الثّعلب (8)
-
(1) ينظر: الظروف المفردة والمركبة في اللغة العربية (ص 91)، والمقتضب (4/ 348)، والكتاب (1/ 410)، وشرح الرضي (1/ 184).
(2)
سورة الأعراف: 16.
(3)
سورة التوبة: 5.
(4)
ينظر: الكتاب (1/ 414، 415).
(5)
البيت من البسيط وهو في: التذييل (3/ 387) لقائل مجهول.
اللغة: استمررت أدراجي: أي استمررت في الطريق الذي أنا سائر فيه.
والشاهد في قوله: «استمررت أدراجي» ؛ حيث نصب «أدراجي» على الظرف.
(6)
هو ابن هرمة واسمه أبو إسحاق إبراهيم بن هرمة بن علي بن سلمة آخر الشعراء الذين يحتج بشعرهم حيث أدرك الدولتين الأموية والعباسية.
(7)
البيت من الوافر وهو في: الكتاب (1/ 415، 416)، وشرح أبياته للسيرافي (1/ 284)، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج (1/ 502)، وحاشية التفتازاني (1/ 734)، والتذييل (3/ 388)، والخزانة (1/ 203)، وأساس البلاغة، واللسان مادة «درج» وشعر ابن هرمة (ص 181)، والأزمنة والأمكنة (1/ 307).
اللغة: درج السيول: الموضع الذي يمر به السيل فينزل من موضع إلى موضع آخر حتى يستقر.
والشاهد فيه: نصب (درج السيول) على الظرف.
(8)
البيت من الكامل وهو لساعد بن جؤبة، وهو في: الكتاب (1/ 36، 214)، ونوادر أبي زيد -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: -
1577 -
فلأبغينّكم قنا وعوارضا
…
ولأقبلنّ الخيل لابة ضرغد (1)
وقوله: -
1578 -
قلن عسفان ثمّ رحن سراعا (2)
فمن الضروريات، وقنا وعوارض وعسفان أمكنة مختصة، وزعم قوم أن الطريق من الظروف القياسية؛ لأن لفظه صادق على كل مكان، فإن كل مكان صالح أن يجعل طريقا، ولذلك عبر عن القفر الذي يعسل فيه الثعلب بطريق، وهذا الاعتبار فاسد؛ لأن الطريق اسم لمكان مرور به وذهاب، ولا يطلق على المكان طريق لمجرد -
- (ص 167)، والخصائص (3/ 319)، وأمالي الشجري (1/ 42)، (2/ 248)، وابن القواس (ص 344)، والبحر المحيط:(7/ 344)، والتذييل (3/ 388) والارتشاف (ص 578)، والخزانة (1/ 474)، وديوان الهذليين (1/ 190)، والمغني (1/ 11)، (2/ 525، 576)، وشرح شواهده (1/ 17)، (2/ 885)، والعيني (2/ 544)، والتصريح (1/ 312)، والهمع (1/ 200)، (2/ 81)، والدرر (1/ 169)، (2/ 105)، والأشموني (2/ 91)، وشرح الجمل لابن عصفور (1/ 330) طبعة العراق.
اللغة: اللدن: اللّين. يعسل: يعدو، وهو يريد بالمتن ظهر الرمح.
والشاهد فيه: نصب الطريق وهو مكان مختص على حذف «في» .
(1)
البيت من الكامل وهو لعامر بن الطفيل، وهو في: الكتاب (1/ 163، 214)، وأمالي الشجري (2/ 248)، والأصمعيات (ص 216)، والمفضليات (ص 363)، وابن القواس (ص 344)، والروض الأنف (1/ 290)، والتذييل (3/ 388)، والخزانة (1/ 470) وديوان عامر بن الطفيل (55) واللسان (عرض).
اللغة: لأبغينكم: أي لأطلبنكم. قنا وعوارض: جبلان. لأقيلن: لأوردن. اللابة: الحرة ذات الحجارة السود. ضرغد: جبل.
والشاهد فيه: نصب «قنا» و «عوارض» وهما مكانان مختصان على حذف «في» .
(2)
صدر بيت من الخفيف لكثير عزة وعجزه:
يتطلّعن من ثقاب الثّغور
وهو في شرح الجمل لابن عصفور (1/ 329) طبعة العراق، والارتشاف (578)، والتذييل (3/ 388)، وشرح التسهيل للمرادي، وديوان كثير (396) برواية:«طالعات عشية من غزال» في الشطر الثاني.
اللغة: عسفان: قرية كانت لبني المصطلق من خزاعة كثيرة الآبار والحياض.
والشاهد في قوله: (عسفان) حيث نصب على حذف «في» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صلاحيته أن يكون طريقا، لا يطلق عليه بيت لمجرد صلاحيته أن يكون بيتا؛ فالطريق إذا مكان مختص كما أن البيت مكان مختص، ومن قال: إن الطريق حقيق الظرفية القياسية ابن الطراوة، وزعم أنه يقال: ذهبت طريقي ومروا طرقاتكم (1)، قال أبو علي الشلوبين: والرد عليه تكذيبه، قلت: ويناسب قول ابن الطراوة في الطريق حكاية السيرافي عن بعض النحويين أنه قال: إنما قالت العرب: ذهبت الشأم، لأن الشأم بمعنى اليسار، فإنه يقال: شامه إذا قابل يساره، وأجاز هذا القائل أن يقال:
ذهبت اليمن، لأن اليمن بمعنى اليمين، ولم يجز أن يقال: ذلك في عمان ومكة؛ لأنه ليس فيهما ذلك المعنى، ويلزم هذا أن يجيز ذلك في العالية؛ لأن فيها معنى فوق (2). هذا معنى قول السيرافي، قلت: ولو كان قولهم: ذهبت الشام
لكونه بمعنى يسار لكان غير ذهب أولى بذلك من ذهب، فكان يقال: أقمت الشام كما يقال: أقمت يسار الكعبة، ففي عدم معاملة غير «ذهب» بهذه المعاملة دلالة على أن باعثهم على ذلك إنما هو كثرة الاستعمال، ولذلك شبهه سيبويه بدخلت البيت (3)، وقال الفراء: العرب تعدي ذهب وانطلق إلى جميع البلدان، فيقال: ذهبت الكوفة وانطلقت الغور (4)، فعلى قول الفراء لا تختص ذهب بنصيب الشام بل ينتصب به كل بلد، وكذلك انطلق، ولا علة لذلك إلا كثرة الاستعمال كما فعل بدخل [2/ 453] مع جميع الأمكنة المختصة، وفي فعل هذا بانطلق دلالة واضحة على أن الأصل في هذه الأفعال الثلاثة التعدي بحرف جر، إذ لا يوجد الفعل متعد بنفسه (5). هذا كلام المصنف رحمه الله تعالى، ولنتبعه بأمور ننبه عليها:
منها: أن النحاة مطبقون على أن اسم المكان لا ينصب منه على الظرف إلا ما كان مبهما (6)، معتلين لذلك بأن أصل العوامل الفعل، ودلالته على الزمان أقوى -
(1) ينظر: أبو الحسين بن الطراوة وأثره في النحو (ص 89، 90)، والارتشاف (ص 689).
(2)
ينظر: شرح الجمل لابن عصفور (1/ 330)، وشرح السيرافي (2/ 243)، والتذييل (3/ 387).
(3)
ينظر: الكتاب (1/ 414).
(4)
ينظر: شرح الجمل لابن عصفور: (1/ 331) طبعة العراق، والهمع (1/ 200).
(5)
شرح التسهيل للمصنف (2/ 225 - 229).
(6)
ينظر: المقتضب (4/ 335، 336)، واللمع لابن جني (ص 139)، وشرح الألفية للمرادي (2/ 92)، والمسائل البغداديات للفارسي (ص 332) رسالة بجامعة عين شمس.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من دلالته على المكان؛ لأنه يدل على الزمان بصيغة وبالتزام، ويدل على المكان بالتزام فقط. فلما كانت دلالة الفعل على الزمان قوية تعدى إلى المبهم من أسمائه والمختص، ولما كانت دلالته على المكان ضعيفة لم يتعد إلا إلى المبهم منها؛ لأن في الفعل دلالة عليه في الجملة، وذكروا أيضا تعليلا ألطف من هذا وهو أن الأفعال لها دلالة على الزمان المعين فتعدت إلى المعين وإلى غير المعين؛ لأن ما تعدى إلى الأخص تعدى إلى الأعم، وليس للأفعال دلالة على الأمكنة المعينة، وإنما تقتضي مكانا غير معين وهو المبهم، فتعدت إلى ما اقتضته خاصة (1).
وإذا كان النحاة قد ذكروا أن الذي يتعدى إليه العوامل من ظروف المكان شيء واحد، فيقال: إن المصنف قد ذكر أن الصالح للظرفية القياسية من أسماء الأمكنة أربعة أنواع، وهذا بظاهره يوهم أن كلامه لم يطابق كلام الجماعة،
والجواب أن الذي ذكره إنما هي أنواع داخلة تحت جنس المبهم، وذلك أن الجنس لما تنوع قصد أن يميز نوعا عن نوع وما للإيضاح والبيان، فذكر أولا ما دل على مقدر كميل وفرسخ وبريد، ولا شك أن هذا مبهم كما سيأتي بيانه، وذكر ثانيا ما دل على مسمى إضافي محض، وفسر ذلك بأنه الذي لا يعرف حقيقته بنفسه بل بما يضاف إليه كمكان وناحية وما شابههما مما ذكره، وإبهام هذا القسم أوضح من إبهام القسم الأول، وذكر رابعا ما دل على محل الحدث المشتق هو من اسمه كمقعد ومرقد بشرط أن يكون العامل فيه أصله أو مشارك له في الفرعية، وأما الذي ذكره ثالث الأقسام وهو ما جرى باطراد مجرى ما ذكره قبله كما قال، وذلك كصفة المكان الغالبة نحو: هم قريبا منك وشرقي المسجد وقرب الدار فليس قسما مستقلّا إنما هو في الأصل صفة لمكان مبهم منصوب على الظرفية نصبا قياسيّا؛ فلما حذف الموصوف أقيم هو مقام موصوفه، فنصبه على الظرف ليس بحق الأصالة إنما هو بطريق النيابة عما يستحق ذلك، وإذا كان كذلك فالأقسام بالحقيقة ثلاثة لا أربعة، واعلم أن ابن عصفور جعل نحو قعد مني مقعد القابلة ونحوه مما هو مشتق من لفظ الفعل العامل فيه من الظروف المختصة، وقال: إن الفعل تعدى إليها لشبهها بالمصدر في أن الفعل يدل على أن كل واحد [2/ 454] منهما بلفظه، والإمام بدر الدين -
(1) هذان التعليلان علل بهما ابن الناظم في شرح الألفية له (ص 108، 109).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولد المصنف جعل ذلك من قبيل الظروف المختصة أيضا واعتذر عن تعدي العامل إليه في قولك: قعدت مقعد زيد دون بقية الأمكنة المختصة بقوة دلالة العامل عليه حينئذ (1)، فوافق كلامه كلام ابن عصفور في الحكم والتعليل.
والذي يظهر لي أن الأمر بخلاف ما قالاه، لأن نحو: مقعد زيد ومرقد عمرو ومعتكف خالد ومصلى فلان لا يعلم حقيقته بنفسه، بل بما يضاف إليه، وهذا شأن المبهم كما عرفت قبل من كلام المصنف، ويدل على ذلك قوله في الألفية:
وما صيغ من الفعل كمرمى من رمى بعد قوله: نحو الجهات والمقادير (2) فإن ما صيغ معطوف على المجرور بقوله نحو، فالمعنى: ولا تقبل المكان إلا مبهما نحو الجهات والمقادير ونحو ما صيغ من الفعل؛ فكل هذا تفسير للمبهم، فإن قيل: إذا كان هذا القسم داخلا في المبهم فلأي شيء ذكره؟ فالجواب: أن ذكره له كذكره لغيره، ولأنه لما كان شرط صحة نصبه على الظرفية أن يعمل فيه ما شاركه في الحروف والمعنى احتاج أن ينص عليه ليذكر
شرطه، وكلام ابن أبي الربيع يدل على ما قلته؛ فإنه قال: وأما المشتقات فلا يتعدى إليها إلا ما اشتقت منه؛ لأنها تدل عليها وتتنزل من أفعالها منزلة المبهم من جميع الأفعال، ألا ترى أنك إذا قلت:
جلست فإنه يقتضي مجلسا يقع فيه كما يقتضي المبهم، فيتعدى إليه كما يتعدى إلى المبهم.
ومنها: أن العادات اختلفت في تفسير المبهم من الأمكنة، فمن النحاة من لم يفسره بشيء، وإنما قال: المبهم الجهات الست (3)، واحتاج القائل ذلك أن يقول: وحمل عليها - يعني على الجهات الست - عند ولدى وشبههما، لإبهامها (4).
ومنهم من فسره بأن قال: المبهم ما ليس له نهاية معروفة ولا حدود محصورة -
(1) ينظر: شرح الألفية لابن الناظم (ص 108، 109).
(2)
ينظر: شرح الألفية للمرادي (2/ 92)، وشرح المكودي (ص 98).
(3)
هذا قول الجرجاني في الجمل له (ص 16) تحقيق على حيدر.
(4)
ينظر: الفصول الخمسون لابن معط (185، 186) حيث فسر المبهم بالجهات الست وما في معناها، وشرح ابن عقيل (1/ 198)، حيث فسره بذلك أيضا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سواء أكان مضافا نحو: أمامك وخلفك ووراءك وفوقك وتحتك، أو نكرة غير معدود نحو يمين وشمال وناحية من الدار (1)، ومنهم من قال: المبهم ما له اسم (2) باعتبار ما ليس داخلا في مسماه، والمؤقت منه ما له اسمية باعتبار ما هو داخل في مسماه، فالدار مؤقتة لأن لها اسمها من جهة ما هو داخل في مسماها من البنيان والسقف وغيره، والفرسخ مبهم؛ لأن له اسما باعتبار قياس غير داخل في مسماه (3) وهو حسن، ويظهر لي أن قول المصنف في القسم الثاني أنه ما دل على مسمى إضافي محض يكون كافيا في تفسير المبهم؛ لأنه فسر ذلك بما لا يعرف حقيقته بنفسه بل بما يضاف إليه، وهذا هو معنى قول غيره: المبهم كل مكان له اسمه بأمر لا يدخل في مسماه.
ومنها: أن ابن عصفور ذكر في شرحه للإيضاح أن الشلوبين ذهب إلى أن ما دل على مقدر كميل وفرسخ ليس مبهما، قال: لأن المبهم لا يكون له نهاية معروفة ولا حدود محصورة (4)، ثم ذكر أن الصحيح خلاف ذلك (5)، قلت: وهذا هو الحق، لأن نحو ميل وفرسخ وبريد وإن دل على مقدر [2/ 455] محدود، ذي نهاية معروفة مجهول العين، بخلاف الدار والمسجد وأشباههما من الظروف المحضة؛ فإنها معلومة العين مع العلم بحدودها وبدئها ونهايتها،
واعلم أن سيبويه قال: ويتعدى إلى ما كان وقتا في الأمكنة كما يتعدى إلى ما كان وقتا في الأزمنة؛ لأنه وقت يقع في المكان لا يختص به مكان واحد، كما أن ذلك وقت في الأزمان -
(1) بهذا التفسير فسر الرماني وابن جني وابن عصفور وأبو حيان وابن يعيش، المبهم من الأمكنة.
ينظر: الرماني النحوي في ضوء شرحه لكتاب سيبويه (ص 352)، واللمع (ص 139، 140)، وشرح الجمل لابن عصفور (1/ 327) طبعة العراق، والمقرب (1/ 146)، والتذييل (3/ 378)، وشرح المفصل (2/ 43).
(2)
في (ب): (اسمية).
(3)
هذا ما فسر به ابن الحاجب المبهم والمؤقت من الأمكنة.
ينظر: شرح الكافية للرضي (1/ 184).
(4)
يمثل هذا عرف ابن عصفور المبهم من المكان في شرحه للجمل (1/ 327) طبعة العراق.
(5)
ينظر: التذييل (3/ 378)، وشرح الألفية للمرادي (2/ 93)، وشرح ابن عقيل (1/ 198)، وشرح الجمل لابن عصفور (1/ 327) طبعة العراق، والمقرب (1/ 146).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يختص به زمن بعينه، ثم قال: وذلك قولك: ذهبت فرسخين وسرت ميلين كما تقول: ذهبت الشهرين وسرت الميلين (1). انتهى.
قال الشراح (2): فمن حيث التوقيت ظاهره أنه مختص، ومن حيث قوله:
لا يختص به مكان ظاهره الإبهام (3)، فمن ثم قال الشيخ: والصحيح أنه شبه بالمبهم، ولذلك وصل إليه الفعل بنفسه (4)، ثم ذكر الشيخ عن السهيلي أنه يرى أن انتصاب هذا النوع انتصاب المصادر لا انتصاب الظروف، وعلل ذلك بأن الميل ليس بظرف؛ لأنه ليس كالجهات الست المضافة، لأن الجهة لا معنى لها إلا بإضافتها إلى من هي له، والميل لا يضاف والظرف مقدر بفي، وقد يصرح بها والميل لا يقدر، ولو قدر بها لجاز إظهارها، وأطال الكلام في ذلك وجنح الشيخ إلى هذا الرأي (5)، ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال الذي أشار إليه، ويكفيه مخالفة إمام الصناعة، ولا شك أن هذا مما لا ينبغي التشاغل به، وذكر الشيخ أيضا أن الكوفيين لا ينصبون المبهم على الظرف لعدم الفائدة، ويقولون: لابد من تخصيصه بوصف أو غيره (6).
واعلم أنني لا أختار ذكر شيء من هذه الأقوال التي لا معول عليها، ولكن قد يترك ذلك فيظن الناظر أنه قد فات الإنسان ما كان ينبغي أن لا يفوته، وأقرب مما قاله السهيلي ما ذهب إليه بعض المغاربة وهو ابن طلحة: أن الأصل
سرت سير فرسخين فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ونظّر ذلك بقولهم:
ضربته سوطا أي ضرب سوط، فكأنه يجعل نصب فرسخين نصب المصدر (7)، وقد أطال الشيخ الكلام في هذه المسألة، والحق أحقّ أن يتبع.
ومنها: أنه قد تقدم أن من الضرورات قول الشاعر: -
1579 -
لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه
…
فيه كما عسل الطّريق الثّعلب (8)
-
(1) الكتاب (1/ 36).
(2)
لعله يقصد بقوله: «الشراح» أبا حيان؛ حيث إنه هو الذي عقب على كلام سيبويه بهذه العبارة.
(3)
التذييل (3/ 379).
(4)
المرجع السابق نفسه.
(5)
ينظر التذييل (3/ 379 - 381).
(6)
التذييل (3/ 381).
(7)
ينظر: التذييل (3/ 381) حيث ذكر رأي ابن طلحة.
(8)
تقدم ذكره.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذلك أن الطريق من الظروف المختصة؛ لأنه واقع على المحجة السالكة، ولا يقال لمن مشى في الدار أو المسجد أو في أرض متملكة: مشى في الطريق إنما يقال:
مشى في غير الطريق، وكذلك من مشى في الأرض الغامرة والجبال الشامخة يقال فيه: مشى في غير الطريق، وقد ادعى ابن الطراوة أن الطريق مبهم بناء منه على أن كل مكان يستطرق فيه فهو طريق (1)، قال ابن أبي الربيع: إن ابن الطراوة ذكر ذلك في الإفصاح الذي وضعه لبيان غلط الإيضاح على زعمه، واستدل عليه بغير دليل ولجأ من [2/ 456] الكلام إلى غير حصين، ثم قال: والله تعالى يسدد أذهاننا ويزيل عنا التبجح بالرد على من تقدمنا من أئمتنا، فذاك أكبر داء وأعظم حجاب لمن أراد التعلم، وهذا الشاعر يصف رمحا، واللدن: اللين، ويعسل: يضطرب.
وقال: متنه لأنه إذا اضطرب متنه فما ظنك بطرفيه.
ومنها: أن من جملة الأمثلة التي مثل بها المصنف لما دل على مسمى إضافي محض أربعة ألفاظ وهي قوله:
كجنابتي في قول العرب: هما خطان جنابتي أنفها وكجنبي في قول الشاعر: -
1580 -
جنبي فطيمة لا ميل ولا عزل (2)
وكأقطار في قولهم: قومك أقطار البلاد، وكمساليه في قول الشاعر: -
1581 -
مساليه عنه من وراء ومقدم (3)
فأما كجنابتي المد رواه الجرمي كجنبتي، وحاصله أن الجنبة والجنابة بمعنى واحد وهو الناحية، ولهذا كان النصب في الكلمة قياسا؛ لأنها مبهمة، كأنه قال:
ناحيتي أنفها والناحية مبهم، والتخصيص الذي يحصل لها إنما هو عارض حصل من ألف ولام أو إضافة، وهذا الاختصاص لا اعتبار به؛ لأن الكلمة مبهمة بالوضع، فعروض الاختصاص لها لا يخرجها عن الإبهام كما في نحو أمامك وخلفك وفوقك وتحتك، فإنها كلمات محكوم بإبهامها مع إضافتها إلى ما يفيد تخصيصا. وقد جعل الفارسي وابن جني النصب في هذه الكلمة على غير القياس؛ -
(1) ينظر: ابن الطراوة وأثره في النحو (ص 89، 90).
(2)
،
(3)
تقدم ذكرهما.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنهما جعلاها من الظروف المختصة (1)، قال ابن أبي الربيع: كأنهما جعلا الجنابة اسما للجلدة التي فيها الخط؛ فصارت بهذا من الظروف المختصة، قال: ونظير هذا ما حكاه سيبويه وهو قولهم: هو أحمر بين العينين (2) وجعله من باب الصفة، وكان الأصل هو أحمرين عينيه، ثم نقل الضمير فقيل أحمر بين العينين كما تقول: مررت برجل حسن الوجه، والأصل حسن وجهه، فجعل البين اسما للجلدة التي بين العينين، وبهذا كان الشلوبين يعتلّ لأبي علي وابن جني، قال:
وكلاهما وجه إلا أن الأظهر عندي ما ذهب إليه سيبويه من الإبهام، وأما «جنبي فطيمة» فهو موضع، فليس من قبيل الأسماء التي جعلت ظروفا بغير قياس، وأما أقطار البلاد فهى النواحي؛ لأنها جمع قطر وهو الناحية، فالمعنى: قومك في نواحي البلاد، وأما مساليه فالمسال عند سيبويه العطف وهو الجانب (3) ولا شك أن الجانب بمعنى الناحية.
ومنها: أنه قد تقدم قول المصنف: ومن العلماء من حكم باطراد ما دل على بعد أو قرب من نحو: هو مني بمنزلة الشغاف ونحو: -
1582 -
وإنّ بني حرب كما قد علمتم
…
مناط الثّريّا قد تعلّت نجومها (4)
على تقدير مكان موصوف بمثل مضاف إلى شغاف ومناط، ثم فعل به ما فعل بضربته ضرب الأمير اللص من حذف الموصوف وصفته وإقامة الثالث مقامهما، وتقدم قول للمصنف أنه تقدير لائق، ولكن القياس على نوعه لا يتجه لقلة نظائره، ومغايرة لفظ باقية للفظة [2/ 457] محذوفة، بخلاف ضربته ضرب الأمير اللص، فإن نظائره كثيرة ولفظ باقية مماثل للفظ محذوفة، وقد تعرض ابن أبي الربيع لذكر هذا المذهب، وقرره كما قرره المصنف، ثم رد ذلك بأن قال: وهذا الذي ذهب إليه هذا القائل لا يجري على طريقة سيبويه وأصله وذلك أن أصله في المضاف إذا حذف وأقيم المضاف مقامه أن لا يكون فيه ما يضاد -
(1) ينظر: الإيضاح للفارسي (182)، والارتشاف (576)، والتذييل (3/ 383).
(2)
ينظر: الأمالي الشجرية (2/ 258)، وشرح الكافية لابن القواس (ص 84)، والكتاب (3/ 203) بالمعنى.
(3)
ينظر: الكتاب (1/ 412).
(4)
تقدم ذكره.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إعرابه، ألا ترى أنه قال في قولهم: له صوت صوت الحمار لا يجوز أن يكون صوت الحمار نعتا لصوت؛ لأنه معرفة ولا توصف النكرة بالمعرفة (1)، وأنت تعلم ولا شك أن الأصل: له صوت مثل صوت الحمار، ثم حذف مثل وأقيم مقامه صوت، ومثل لو نطق بها لكان نعتا، فينبغي إن كان المضاف إذا حذف وأقيم المضاف إليه مقامه على حسب إعرابه أن يقول في هذا: إنه نعت وهو لم يقله لما ذكرته من مراعاة اللفظ، فكذلك ها هنا لا ينبغي أن يدعى أن مناط الثريا منصوب على ما انتصب عليه مكان؛ لأنه مختص لا ينتصب، ويجب أن لا يكون في هذا شذوذ على مذهب الخليل، لأن الخليل يجوز في: له صوت صوت الحمار أن يكون صوت الحمار صفة (2) قال: وهكذا كان الأستاذ أبو علي يأخذ هذا الموضع، وهو عندي مأخذ حسن وتأويل صحيح (3). انتهى.
وإلى هذا التقرير الذي قرره بالنسبة إلى طريقة سيبويه أشار ابن عصفور في شرح الإيضاح، فقد تطابق كلام هذين الرجلين الكبيرين في هذه المسألة، والظاهر أن ابن عصفور أخذ ذلك عن الشلوبين، كما أخذه ابن أبي الربيع، وحينئذ يتأكد أمر هذا البحث ويحكم بصحته، ثم قال ابن أبي الربيع: وأما قولهم: هو مني معقد الإزار، فمني متعلق بما يعطيه قولهم: معقد الإزار، لأنه يريد القرب فكأنه قال: هو مني قريب، وكذلك هو مني مناط الثريا التقدير: هو مني بعيد، وكذلك كل ما أتى من هذا النوع يقدر له بحسب المعنى، وكذلك هو مني مزجر الكلب أي هو
مطرود مني كما تقول: الكافر مطرود من رحمة الله، واعلم أن سيبويه ذكر كلمات يجوز انتصابها على الظرف وهي: صددك، وصقبك، ووزن الجبل، أي ناحية توازيه أي تقابله قريبة كانت أو بعيدة، وزيد الخيل أي حذاه متصلا به، وهم قرانيك أي قريبا منك، وهو أشد مبالغة في القرب، إذ معناه الاتصال وقريب قد يكون لما تراخى عنك، وقومك أقطار البلاد أي في نواحيها (4).
(1) ينظر: الكتاب (1/ 361).
(2)
المرجع السابق.
(3)
ينظر: التذييل (3/ 393).
(4)
ينظر: الكتاب (1/ 411، 412).