الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[مَبَاحِثُ التَّرَادُفِ]
ِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ مُرَادَفَةِ الْبَهِيمَةِ، وَهِيَ حَمْلُهَا اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى ظَهْرِهَا وَرِدْفِهَا.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ: هُوَ الْأَلْفَاظُ الْمُفْرَدَةُ الدَّالَّةُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٍ.
وَاحْتُرِزَ بِالْمُفْرَدَةِ عَنْ دَلَالَةِ الِاسْمِ وَالْحَدِّ، فَإِنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَا مُتَرَادِفَيْنِ، لِأَنَّ الْحَدَّ مُرَكَّبٌ.
وَخَرَجَ بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٍ الْمُتَزَايِلَانِ كَالسَّيْفِ وَالصَّارِمِ، فَإِنَّ مَدْلُولَهُمَا وَاحِدٌ، وَلَكِنْ بِاعْتِبَارَيْنِ،
وَفِيهِ مَسَائِلُ: [الْمَسْأَلَةُ] الْأُولَى فِي وُقُوعِهِ مَذَاهِبُ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ وَاقِعٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ لُغَةٍ وَاحِدَةٍ وَمِنْ لُغَتَيْنِ وَبِحَسَبِ الشَّرْعِ، كَالْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ عِنْدَنَا، وَبِحَسَبِ الْعُرْفِ.
الثَّانِي: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، لِأَنَّ وَضْعَ اللَّفْظَيْنِ لِمَعْنًى وَاحِدٍ عِيٌّ يَجِلُّ الْوَاضِعُ عَنْهُ، وَكُلُّ مَا اُدُّعِيَ فِيهِ التَّرَادُفُ، فَإِنَّ بَيْنَ مَعْنَيْهِمَا تَوَاصُلًا لِأَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ الِاشْتِقَاقَ الْأَكْبَرَ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِهِ " فِقْهِ اللُّغَةِ " وَحَكَاهُ عَنْ شَيْخِهِ ثَعْلَبٍ، وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ فِي " الْمُخَصَّصِ ": كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ السَّرِيِّ يَعْنِي ابْنَ السِّرَاجِ يَحْكِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ثَعْلَبٍ مَنْعَهُ، وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْعُهُ سَمَاعًا أَوْ قِيَاسًا، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمَاعًا فَإِنَّ كُتُبَ الْعُلَمَاءِ بِاللُّغَةِ وَنُقَلَهَا طَافِحَةٌ بِهِ فِي تَصْنِيفِهِ كِتَابَ " الْأَلْفَاظِ ".
فَإِنْ قَالَ: فِي كُلِّ لَفْظَةٍ مَعْنًى لَيْسَ فِي الْأُخْرَى كَمَا فِي مَضَى وَذَهَبَ، قِيلَ: نَحْنُ نُوجِدُ لَهُ مَا لَا تَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ تَقُولَ: إنَّهُ لَا زِيَادَةَ مَعْنَى فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا دُونَ الْأُخْرَى وَذَلِكَ نَحْوُ الْكِتَابَاتِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَك: ضَرَبَك وَمَا ضَرَبَ إلَّا إيَّاكَ، وَجِئْتنِي وَمَا جَاءَنِي إلَّا أَنْتَ. وَنَحْوُهُ يُفْهَمُ مِنْ كُلِّ لَفْظَةٍ مَا يُفْهَمُ مِنْ الْأُخْرَى مِنْ الْغَيْبَةِ وَالْخِطَابِ وَالْإِضْمَارِ وَالْمَوْضِعِ مِنْ الْإِعْرَابِ لَا زِيَادَةَ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا جَازَ فِي شَيْءٍ وَشَيْئَيْنِ وَثَلَاثَةٍ جَازَ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ.
وَصَنَّفَ الزَّجَّاجُ كِتَابًا ذَكَرَ فِيهِ التَّرَادُفَ وَكِتَابًا ذَكَرَ فِيهِ اشْتِقَاقَ الْأَسْمَاءِ، وَصَنَّفَ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ مُصَنَّفًا آخَرَ مَنَعَ فِيهِ التَّرَادُفَ وَسَمَّاهُ " الْفُرُوقَ ". قَالَ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُبَرِّدُ فِي قَوْله تَعَالَى:{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]
قَالَ: فَعَطَفَ مِنْهَاجًا عَلَى شِرْعَةٍ لِأَنَّ الشِّرْعَةَ لِأَوَّلِ الشَّيْءِ وَالْمِنْهَاجَ لِعَظِيمِهِ وَمُتَّسَعِهِ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِمْ: شَرَعَ فُلَانٌ فِي كَذَا إذَا ابْتَدَأَهُ، وَأَنْهَجَ الْبَلَاءَ فِي الثَّوْبِ إذَا اتَّسَعَ فِيهِ. قَالَ أَبُو هِلَالٍ: وَقَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَدُلَّ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ حَتَّى تَضَامَّهُ عَلَامَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِلَّا أَشْكَلَ، فَالْتَبَسَ عَلَى الْمُخَاطَبِ، فَكَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَدُلَّ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظَانِ يَدُلَّانِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، لِأَنَّ فِيهِ تَكْثِيرًا لِلُّغَةِ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَخْتَلِفَ الْحَرَكَاتُ فِي الْكَلِمَتَيْنِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. قَالُوا: فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ قِيلَ فِيهِ: " مَفْعَلُ " كَمِرْحَمٍ وَمِحْرَبٍ، وَإِذَا كَانَ قَوِيًّا عَلَى الْفِعْلِ قِيلَ:" فَعُولٌ " كَصَبُورٍ وَشَكُورٍ، فَإِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الْفِعْلُ قِيلَ:" فَعَّالٌ " كَعَلَّامٍ وَجَبَّارٍ، وَإِذَا كَانَ عَادَةً لَهُ قِيلَ:" مِفْعَالٌ " كَمِعْوَانٍ وَمِعْطَافٍ، وَمَنْ لَا يُحَقِّقُ الْمَعَانِيَ يَظُنُّ أَنَّهَا مُتَرَادِفَةٌ، وَلِهَذَا قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: إنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ لَا تَتَعَاقَبُ، حَتَّى قَالَ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ: فِي جَوَازِ تَعَاقُبِهَا إبْطَالُ حَقِيقَةِ اللُّغَةِ وَإِفْسَادُ الْحُكْمِ فِيهَا، لِأَنَّهَا إذَا تَعَاقَبَتْ خَرَجَتْ عَنْ حَقَائِقِهَا، وَوَقَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِمَعْنَى الْآخَرِ، فَأَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ لَفْظَانِ مُخْتَلِفَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْمُحَقِّقُونَ يَأْبَوْنَهُ. هَذَا كَلَامُهُ.
وَمِمَّنْ اخْتَارَ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الْجُوَيْنِيُّ فِي " الْيَنَابِيعِ "، وَقَالَ: أَكْثَرُ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ مِنْ الْمُتَرَادِفِ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ اللَّفْظَانِ مَوْضُوعَانِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، لَكِنَّ وَجْهَ الْخِلَافِ خَفِيٌّ.
وَالثَّالِثُ: يَقَعُ فِي اللُّغَةِ لَا فِي الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ فِي