الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَأَنَّهُ كَانَ يَلْحَنُ فِي الْقِرَاءَاتِ، وَمَا يُرْوَى أَيْضًا أَنَّ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ أَرْسَلَ إلَى أَبِي الشَّعْثَاءِ بِوَاسِطَ لَا تَقْرَأْ فِي مَسْجِدِنَا قِرَاءَةَ حَمْزَةَ. وَمَا حُكِيَ عَنْ الْمُبَرِّدِ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَحِلُّ الْقِرَاءَةُ بِهَا يَعْنِي قِرَاءَةَ {وَالْأَرْحَامِ} بِالْكَسْرِ.
وَالصَّوَابُ: أَنَّ حَمْزَةَ إمَامٌ مُجْمَعٌ عَلَى جَلَالَتِهِ وَمَعْقُودٌ عَلَى صِحَّةِ رِوَايَتِهِ، وَلَقَدْ هَجَنَ الْمُبَرِّدُ فِيمَا قَالَ، إنْ صَحَّ عَنْهُ، فَقَدْ نَدَّ قُلْت: هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْأَعْمَشُ، وَالْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ مَتْبُوعَةٌ مُتَلَقَّاةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، تَوْقِيفًا، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ إلَّا بِمَا سَمِعَهُ، وَلَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ، وَقِرَاءَةُ حَمْزَةَ مُتَوَاتِرَةٌ، وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِكَلَامِ الْعَرَبِ. وَقَدْ جَاءَ فِي أَشْعَارِهِمْ وَنَوَادِرِهِمْ مِثْلُهَا كَثِيرًا، وَلِهَذَا اعْتَدَّ بِهَا ابْنُ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَاخْتَارَ جَوَازَ الْعَطْفِ عَلَى الْمُضْمَرِ الْمَجْرُورِ مِنْ غَيْرِ إعْطَاءِ الْجَارِّ وِفَاقًا لِلْكُوفِيِّينَ.
[مَسْأَلَةٌ الْبَسْمَلَةُ فِي الْقُرْآنِ]
الْبَسْمَلَةُ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، وَفِيمَا عَدَاهَا مِنْ السُّوَرِ سِوَى بَرَاءَةٍ لِلشَّافِعِيِّ أَقْوَالٌ:
أَصَحُّهَا: أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ، وَمِنْ أَحْسَنِ الْأَدِلَّةِ فِيهِ ثُبُوتُهَا فِي
سَوَادِ الْمُصْحَفِ وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ أَنْ لَا يُكْتَبَ فِي الْمُصْحَفِ مَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ، وَأَنَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلَامُ اللَّهِ.
الثَّانِي: بَعْضُ آيَةٍ.
وَالثَّالِثُ: لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَعُزِيَ لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ
وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا آيَةٌ مُنْفَرِدَةٌ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ، وَهَذَا غَرِيبٌ لَمْ يَحْكِهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، لَكِنَّهُ يُؤْخَذُ مِمَّا حَكَاهُ ابْنُ خَالَوَيْهِ فِي الطَّارِقِيَّاتِ " عَنْ الرَّبِيعِ سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: أَوَّلُ الْحَمْدِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَوَّلُ الْبَقَرَةِ أَلَمْ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلَهُ وَجْهٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَمَّا ثَبَتَتْ أَوَّلًا فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ فَهِيَ فِي بَاقِي السُّوَرِ إعَادَةٌ لَهَا وَتَكْرَارٌ، فَلَا يَكُونُ مِنْ تِلْكَ السُّوَرِ ضَرُورَةً، وَلَا يُقَالُ: هِيَ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، بَلْ هِيَ آيَةٌ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ.
قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَهَذَا الْقَوْلُ أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ، وَبِهِ تَجْتَمِعُ الْأَدِلَّةُ، فَإِنَّ إثْبَاتَهَا فِي الْمُصْحَفِ بَيْنَ السُّوَرِ مُنْتَهِضٌ فِي كَوْنِهَا مِنْ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهَا آيَةً مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ. وَحَكَى الْمُتَوَلِّي مِنْ أَصْحَابِنَا وَجْهًا: أَنَّهُ إنْ كَانَ الْحَرْفُ الْأَخِيرُ مِنْ السُّورَةِ قَبْلَهُ يَاءٌ مَمْدُودَةٌ كَالْبَقَرَةِ، فَالْبَسْمَلَةُ آيَةٌ كَامِلَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا كَ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} [القمر: 1] فَبَعْضُ آيَةٍ.
وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّهَا هَلْ هِيَ قُرْآنٌ عَلَى سَبِيل الْقَطْعِ كَسَائِرِ الْقُرْآنِ أَمْ عَلَى سَبِيلِ الْحُكْمِ، لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا؟ وَمَعْنَى سَبِيلِ الْحُكْمِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهَا فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَلَا يَكُونُ قَارِئًا لِسُورَةٍ
بِكَمَالِهَا غَيْرَ الْفَاتِحَةِ إلَّا إذَا ابْتَدَأَهَا بِالْبَسْمَلَةِ سِوَى بَرَاءَةٍ، لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ بِآيَةٍ فِيهَا.
وَضَعَّفَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّهَا قُرْآنٌ عَلَى الْقَطْعِ.
قَالَ الْإِمَامُ: هَذِهِ غَبَاوَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَائِلِهِ، لِأَنَّ ادِّعَاءَ الْعِلْمِ حَيْثُ لَا قَاطِعَ مُحَالٌ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا: هِيَ آيَةٌ حُكْمًا لَا قَطْعًا، فَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ يُقْبَلُ فِي إثْبَاتِهَا خَبَرُ الْوَاحِدِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ بِخِلَافِهِ كَسَائِرِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ، إذْ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ نَافِيهَا، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ لَكَفَرَ. عَلَى أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ حَكَى وَجْهًا عَنْ صَاحِبِ الْفُرُوعِ " أَنَّهُ قَالَ بِتَكْفِيرِ جَاحِدِهَا، وَتَفْسِيقِ تَارِكِهَا. وَلَنَا مَسْلَكَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهَا مِنْهُ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ أَثْبَتُوهَا فِي الْمُصْحَفِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَثْبَتُوا بِهِ سَائِرَ الْقُرْآنِ، وَأَجْمَعُوا. عَلَى أَنَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلَامُ اللَّهِ مَعَ شِدَّةِ اعْتِنَائِهِمْ بِتَجْرِيدِهِ عَمَّا لَيْسَ مِنْهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْقُرْآنِ كَسَائِرِ الْآيِ الْمُكَرَّرَةِ، فِي الشُّعَرَاءِ، وَالرَّحْمَنِ، وَالْمُرْسَلَاتِ. وَأَمَّا الْخِلَافُ فِيهَا، فَإِنَّهُ لَا يَهْتِكُ حُرْمَةَ الْقَطْعِ، فَكَمْ مِنْ حُكْمٍ يَقِينِيٍّ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ. أَمَّا فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَمَا مَبْنَاهُ الْيَقِينُ كَالْحِسِّيَّاتِ فَكَثِيرٌ، وَأَمَّا فِي الْفُرُوعِ فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمُصِيبَ فِيهَا وَاحِدٌ ذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ. وَكَانَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ يَقْطَعُ بِخَطَأِ مُخَالِفِهِ. وَنُقِلَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَرُبَّمَا حَلَفَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ.
وَالْحَقُّ: أَنَّهَا مُنْقَسِمَةٌ إلَى يَقِينِيَّةٍ وَظَنِّيَّةٍ كَمَا سَبَقَ، لَكِنْ لَمَّا غَلَبَ عَلَى مَسَائِلِ الْخِلَافِ الظَّنُّ ظُنَّ أَنَّ جَمِيعَهَا كَذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا فَصْلُ التَّكْفِيرِ فَلَازِمٌ لَهُمْ حَيْثُ لَمْ يُكَفِّرُوا الْمُثْبِتِينَ كَمَا يُكَفَّرُ مَنْ زَادَ