الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ بِاَللَّهِ وَمَعْرَفَتِهِ وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلْوُقُوفِ عَلَى كُنْهِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِغَيْرِهِ، كَمَا حَكَى عَنْ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ: الْعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إدْرَاكٌ، وَقَدْ قِيلَ:
حَقِيقَةُ الْمَرْءِ لَيْسَ الْمَرْءُ يُدْرِكُهَا
…
فَكَيْفَ كَيْفِيَّةُ الْجَبَّارِ فِي الْقِدَمِ
ثُمَّ قِيلَ: النِّزَاعُ فِي الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ، لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الرَّاسِخَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ ظَاهِرًا لَا حَقِيقَةً، وَمَنْ قَالَ لَا يَعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى اللَّهِ، وَالْحِكْمَةُ فِي إنْزَالِ الْمُتَشَابِهِ ابْتِلَاءُ الْعُقَلَاءِ.
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْوَقْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ: {إلَّا اللَّهُ} وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ مَذْهَبٍ ثَالِثٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الْكَلَامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ:{إلَّا اللَّهُ} وَقَوْلُهُ: {وَالرَّاسِخُونَ} مُبْتَدَأٌ وَلَكِنْ لَا نَقُولُ: لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ بَلْ يَعْلَمُونَهُ بِرَدِّ الْمُتَشَابِهِ إلَى الْمُحْكَمِ، وَبِالِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْخَفِيِّ بِالْجَلِيِّ، وَعَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، فَيَتَّفِقُ بِذَلِكَ الْحُجَّةَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ بِالْعِلْمِ الْقَدِيمِ لَا بِتَذَكُّرٍ وَلَا تَفَكُّرٍ وَلَا دَلِيلٍ، وَالرَّاسِخُونَ يَعْلَمُونَهُ بِالتَّذَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ.
[مَسْأَلَةٌ وُرُودُ الْمُهْمَلِ فِي الْقُرْآنِ]
لَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ لَهُ مَعْنًى أَصْلًا، لِأَنَّهُ مُهْمَلٌ، وَالْبَارِي سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، أَوْ لَهُ مَعْنًى وَلَكِنْ لَا يُفْهَمُ، أَوْ يُفْهَمُ لَكِنْ أُرِيدَ بِهِ غَيْرَهُ خِلَافًا، وَلِهَذَا أَوَّلُوا آيَاتِ الصِّفَاتِ عَلَى مُقْتَضَى مَا فَهِمُوهُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَا يُقَالُ: إنَّ فَائِدَتَهُ فِي مُخَاطَبَةِ الْخَلْقِ بِمَا لَا يَفْهَمُونَهُ،
لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَقْصُودُ بِهِ تَفْهِيمُ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ، وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَقَدْ فَهِمُوهُ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ مَنْ يُخَاطِبُ الْعُقَلَاءَ بِكَلَامٍ أَنْ يُخَاطِبَهُمْ بِمَا يَفْهَمُ الصِّبْيَانُ وَالْعَوَامُّ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْعَارِفِينَ بَلْ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْهَمْ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْفَهْمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] .
وَأَمَّا الْحُرُوفُ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى نَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ قَوْلًا، فَقِيلَ: إنَّمَا أَسْمَاءٌ لِلسُّوَرِ.
وَقِيلَ: ذَكَرَهَا اللَّهُ لِجَمْعِ دَوَاعِي الْعَرَبِ إلَى الِاسْتِمَاعِ، لِأَنَّهَا تُخَالِفُ عَادَتَهُمْ فَتُوقِظُهُمْ عَنْ الْغَفْلَةِ حَتَّى تَصْرِفَ قُلُوبَهُمْ إلَى الْإِصْغَاءِ، فَلَمْ يَذْكُرْهَا لِإِرَادَةِ مَعْنًى.
وَقِيلَ: إنَّمَا ذَكَرَهَا كِنَايَةً عَنْ سَائِرِ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ الَّتِي لَا يَخْرُجْ عَنْهَا جَمِيعُ كَلَامِ الْعَرَبِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ يُخَاطِبُهُمْ إلَّا بِلُغَاتِهِمْ وَحُرُوفِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا مَأْخُوذٌ مِنْهَا اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، فَالْكَافُ مِنْ كَافٍ، وَالْهَاءُ، مِنْ هَادٍ، وَالْعَيْنُ مِنْ عَلِيمٍ، وَالصَّادُ مِنْ صَادِقٍ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ: أَنَا كَافِيك وَهَادِيك.
وَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ هَذِهِ الْأَحْرُفَ إبْطَالًا لِحِسَابِ الْيَهُودِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَحْسِبُونَ هَذِهِ الْأَحْرُفَ حَالَةَ نُزُولِهَا وَيَرُدُّونَهَا إلَى حِسَابِ الْجُمَّلِ، وَيَقُولُونَ: إنَّ مُنْتَهَى دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ كَذَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْأَحْرُفَ تَخْبِيطًا لِلْحِسَابِ عَلَيْهِمْ.
وَقِيلَ: ذَكَرَهَا اللَّهُ جَرْيًا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي ذِكْرِ النَّسِيبِ فِي أَوَائِلِ الْخُطَبِ وَالْقَصَائِدِ، وَلِهَذَا اُخْتُصَّتْ بِالْأَوَائِلِ. وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّازِيَّ تَرْجَمَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمَحْصُولِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِشَيْءٍ، وَلَا يَعْنِي بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي التَّكَلُّمِ بِمَا لَا يُفِيدُ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَعْنِيَ بِهِ شَيْئًا، وَهُوَ يُفِيدُ فِي نَفْسِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُفِيدَ وَلَا يَعْنِي بِهِ شَيْئًا، فَمَحَلُّ النِّزَاعِ غَيْرُ مُنَقَّحٍ، لِأَنَّ فِي كَلَامِ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَبِي الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ " نَصْبَ الْخِلَافَ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ بِشَيْءٍ وَلَا يَعْنِي بِهِ شَيْئًا؟ وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: وَالْحَقُّ أَرْجُو أَنَّ الْكَلَامَ بِمَا لَا يَعْنِي بِهِ مُفَرَّعٌ عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، ثُمَّ قَالَ: وَحِينَئِذٍ فَيَسْهُلُ الْمَنْعُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ أَمَّا عَلَى رَأْيِ الْأَشَاعِرَةِ، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ لَهُمْ الْمَنْعُ مَعَ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ التَّحْسِينُ وَالتَّقْبِيحُ الْعَقْلِيَّيْنِ؟
قُلْت: لَا جَرَمَ جَزَمَ ابْنُ بَرْهَانٍ بِالْجَوَازِ، فَقَالَ: يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يَشْتَمِلَ كَلَامُ اللَّهِ عَلَى مَا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ. ثُمَّ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، ثُمَّ تَمَسَّكَ بِأَسْمَاءِ السُّوَرِ.
قَالَ: وَمَعْلُومٌ أَنَّا لَا نَفْهَمُ مَعَانِيَهَا، وَقَدْ تُعُبِّدْنَا بِهَا، وَخَرَجَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَمِلَ كَلَامُ اللَّهِ عَلَى مَا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ أَمْ لَا؟ وَهَذَا خِلَافُ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَعْنِي بِهِ شَيْئًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا مَسْأَلَتَيْنِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيَرْتَفِعُ التَّخْلِيطُ مِنْ كَلَامِهِمْ.