الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَمَنْ حَوْلَها من المشرق والمغرب أو لينذر القرآنُ أمَّ القرى ومن حولها أي: أنزلناه للبركة والإنذار، وإنما سميت مكة أمَّ القرى لأنها قبلة أهل القرى وحجهم ومجمعهم، وأعظم القرى شأنًا. وقيل: لأن الأرض دُحِيت من تحتها أو لأنها مكان أول بيت وضُع للناس.
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ هم الذين يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ لأنَّ من صدّق بالآخرة، وخاف عاقبتها، تحرى لنفسه الصواب، وتفكر في صدق النجاة، فآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدّق بما جاء به، وحافظ على مراسم الشريعة، وأهمها: الصلاة لأنها عماد الدين وعلم الإيمان، من حافظ عليها حفظ ما سواها، ومن ضيّعها ضيّع ما سواها.
الإشارة: مفتاح القلوب هو كتاب الله، وهو عُنوان السير، فمن فُتح له في فَهْم كتاب الله، عند سماعه والتدبر في معانيه، فهو علامة فتح قلبه، فلا يزال يزداد في حلاوة الكلام، حتى يُشرف على حلاوة شهود المتكلم من غير واسطة وذلك غاية السير، وابتداء الترقي في أنوار التوحيد وأسرار التفريد، التي لا نهاية لها. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر وعيد من كذّب به أو عارضه، فقال:
[سورة الأنعام (6) : الآيات 93 الى 94]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)
قلت: (كما خلقناكم) : بدل من (فُرَادى) ، أو حال ثانية، و (لقد تقطع بينكم) من قرأ بالرفع، فهو فاعل، أي:
تقطع وصلُكم، ومن قرأ بالنصب، فظرف، على إضمار الفاعل، أي: تقطع الاتصال بينكم، أو على حذف الموصول لقد تقطع ما بينكم.
يقول الحق جل جلاله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فزعم أنه يوحى إليه، كمسيلمة الكذاب والأسود العَنسي، أو: غيَّر الدين، كعَمرو بن لحيى وأمثاله، أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ كابن أبي سَرح
ومن تقدم، إلا من تاب، كابن أبي سرح. وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ كالذين قالوا: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا «1» كالنضر بن الحارث وأشباهه.
وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ من اليهود والكذابين والمستهزئين، حين يكونون فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ: شدائده وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ لقبض أرواحهم، أو بالضرب لوجوههم وأدبارهم، قائلين لهم: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ من أجسادكم تغليظًا عليهم، الْيَوْمَ وما بعده تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ أي: الهوان، يريد العذاب المتضمن للشدة والهوان، وإضافته للهوان لتمكنه فيه. وذلك العذاب بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ، كادعاء النبوة كذبًا، وادعاء الولد والشريك لله، وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ فلا تستمعون لها، ولا تؤمنون بها، فلو أبصرت حالهم ذلك الوقت لرأيت أمرًا فظيعًا وهولاً شنيعًا.
يقول الحق سبحانه لهم: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا للحساب والجزاء، فُرادى. متفرَّدين عن الأعوان والأوثان، أو عن الأموال والأولاد، وهذا أولى بقوله: كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي: على الهيئة التي وُلدتم عليها من الانفراد والتجريد حفاة عزاة غُرلاً «2» وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ أي: تفضَّلنا به عليكم من الدنيا فشُغلتم به عن الآخرة، وَراءَ ظُهُورِكُمْ، فلم تقدموا منه شيئًا، ولم تحملوا معكم منه نقيرًا، وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ أي: أصنامكم الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ أي: أنهم شركاء مع الله في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم، لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ أي: تفرَّق وصلُكم وتشتت شملكم، وَضَلَّ أي: غاب عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنهم شفعاؤكم، أو لا بعث ولا حساب لظهور كذبكم.
الإشارة: كل مَن ادعى حالاً أو مقامًا، يعلم من نفسه أنه لم يُدركه ولم يتحقق به، فالآية تَجُرُّ ذيلَها عليه. وفي قوله: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى.. الخ، إشارة إلى أن الدخول على الله والوصول إلى حضرته، لا يكون إلَاّ بعد قطع العلائق والعوائق والشواغل كلها، وتحقيق التجريد ظاهرًا وباطنًا إذًا لا تتحقق الفردانية إلا بهذا.
وقال الورتجبي: ولي هنا لطيفةٌ أخرى، أي: ولقد جئتمونا موحدِّين بوحدانيتي، شاهدين بشهادتي، بوصف الكشف والخطاب، كما جئتمونا من العدَم في بدء الأمر، حين عَرَّفتُكم نفسي بقولي: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى «3» ، بلا إشارة التشبيه وغلط التعطيل، كما وصفهم نبيه صلى الله عليه وسلم:«كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَد على الفطرة» ، يعنى: على
(1) من الآية 31 من سورة الأنفال.
(2)
أي غير مختونين.
(3)
من الآية 172 من سورة الأعراف