الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: من قرأ (مستقر) بفتح القاف، فمصدر، أو اسم مكان ومن قرأه بالكسر فاسم فاعل، وعلى كل- هو مبتدأ، حذف خبره الجار والمجرور، أي: لكم مستقر.
يقول الحق جل جلاله: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ آدم عليه السلام فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ أي:
فلكم استقرار في الأصلاب أو فوق الأرض، واستيداع في الأرحام أو تحت الأرض، أو موضع استقرار واستيداع فيهما، أو: فمنكم مُستَقِّر في الأصلاب أو في الأرض، أي: قارٌّ فيهما، ومنكم مستودَع في الأرحام أو تحت الأرض.
وقيل: الاستقرار: في الأرحام، والاستيداع: في الصلب، بدليل قوله: وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ «1» .
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ أي: يفهمون دقائق أسرار القدرة، ذكر مع النجوم: يَعْلَمُونَ لأن أمرها ظاهر، وذكر مع تخليق بني آدم: يَفْقَهُونَ لأن إنشاءهم من نفس واحدة، وتصريفهم على أحوال مختلفة، دقيق يحتاج إلى زيادة تفهم وتدقيق نظر.
الإشارة: بعض الأرواح مستقرها الفناء في الذات، ومستودعها الفناء في الصفات، وهم العارفون من أهل الإحسان، وبعضها مستقرها الفناء في الصفات، ومستودعها الاستشراف على الفناء في الذات، وهم أهل الإيمان بالغيب. وقال الورتجبي: بعض الأرواح مستقرها الصفات، ومستودعها الذات، بنعت البقاء في الصفات، والفناء في الذات لأن القَدَم مُنزه أن يحل فيه الحدث. هـ.
ثم ذكر برهانا آخر، فقال:
[سورة الأنعام (6) : آية 99]
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مآء فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)
قلت: الضمير في (منه) : يعود على النبات، و (خَضِرًا) : نعت لمحذوف، أي: شيئًا خضرًا، و (قِنوَانٌ) : مبتدأ، و (من النخل) : خبر، و (مِن طَلعها) : بدل، والطَّلع: أول ما يخرج من التمر في أكمامه، والقنوان: جمع قنو، وهو العنقود من التمر، و (مُشتبهًا) : حال من الزيتون والرمان، أو من كل ما تقدم من النبات، و (جنات) : عطف على (نبات كل شيء) . و (ينعِهِ) أي: نضجه وطيبه، يقال: يَنَعتِ الثمرة، إذا أدركت وطابت.
(1) من الآية 5 من سورة الحج.
يقول الحق جل جلاله: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أي: السحاب أو جانب السماء، ماء فَأَخْرَجْنا، فيه الالتفات من الغيبة إلى التكلم، بِهِ أي: بذلك الماء، نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ أي: نبات كل صنف من النبات على اختلاف أنواعه، فالماء واحد والزهر ألوان، فَأَخْرَجْنا مِنْهُ أي: من النبات، شيئًا خَضِراً وهو ما يتولد من أصل النبات من الفراخ، نُخْرِجُ مِنْهُ أي: من الخَضِر، حَبًّا مُتَراكِباً وهو السنبل لأن حبه بعضه فوق بعض، وكذلك الرمان والذرة وشبهها، وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ أي:
ويخرج من طلع النخل عناقيد متدانية قريبة من المتناول، أو ملتفة، قريب بعضها من بعض، وإنما اقتصر على المتداني دون العالي لزيادة النعمة والتمكن من النظر فيه، دون ضده.
وَأخرجنا أيضًا بذلك الماء، جَنَّاتٍ أي: بساتين، مِنْ أَعْنابٍ مختلفة الألوان والأصناف وَأخرجنا به الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ على اختلاف أصنافها، مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ أي: من النبات والثمار ما يُشبه بعضُه بعضاً، في اللون والطعم والصورة، ومنه ما لا يُشبه بعضُه بعضًا، وفي ذلك دليل قاطع على الصانع المختار القدير العليم المريد، ولذلك أمر بالنظر والاعتبار فقال: انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ أي: انظروا إلى ثمرة كل واحد من ذلك إِذا أَثْمَرَ، وَانظروا إلى يَنْعِهِ إذا ينع، أي: طاب ونضج، والمعنى:
انظروا إلى ثمره أول ما يخرج ضعيفًا لا منفعة فيه، ثم ينتقل من طَور إلى طور، حتى يينع ويطيب.
إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ دالة على وجود الحكيم ووحدانيته، فإن حدوث الأجناس المختلفة والأنواع المتفننة، ونقلها من حالٍ إلى حال، لا يكون إلا بإحداث قادر، يعلم تفاصيلها، ويُرجَّح ما تقتضيه حكمته مما يمكن من أحوالها، ولا يعوقه عن فعله ند يعارضه، أو ضد يعانده، ولذلك عقبه بتوبيخ من أشرك فقال: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ
…
الخ. قاله البيضاوي.
الإشارة: مَن كحَّل عينه بإثمد التوحيد، غرق الكائنات كلها في بحر التوحيد والتفريد، فكل ما يبرز لنا من المظاهر والمطالع، ففيه نور من جمال الحضرة ساطع، ولذلك قال ابن الفارض رضى الله عنه:
عَينِي لِغَيرِ جَمَالِكُمُ لَا تَنْظُرُ
…
وسِوَاكمُ فِي خَاطِري لا يَخطُرُ
وقال الششتري رضى الله عنه:
انظُر جَمالِي شاهدًا
…
في كلِّ إنسان
كالماءِ يَجرِي نافِذًا
…
في أُس الإغصان
يُسقَى بِماءٍ واحِد
…
والزَّهرُ ألوان