الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للعباد، مَن آذاهم لا يُعاجَل بالعقوبة غالبًا، كما كان نبيهم رحمة للعالمين، فقال:«اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» . والله تعالى أعلم.
ثم جددّ الأمر بالاعتبار، فقال:
[سورة الأنعام (6) : آية 11]
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)
قلت: قال الزمخشري: فإن قلت: أيُّ فرق بين قوله: (فانظروا)، وبين قوله:(ثم انظروا) ؟ فالجواب: أنه جعل النظر مسبَّبًا على السير فى قوله: انْظُرُوا، كأنه قال: سيروا لأجل النظر، وأما قوله: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا، فمعناه: إباحة السير للتجارة وغيرها من المنافع، وإيجاب النظر في الهالكين. هـ. ولم يقل: كانت لأن العاقبة مُجَاز تأنيثُها.
يقول الحق جل جلاله: قُلْ لهم: سِيرُوا فِي الْأَرْضِ وجُولوا في أقطارها، ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ قبلكم، كعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مَديَن، كيف أهلكهم الله بعذاب الاستئصال، كي تعتبروا وتنزجروا عن تكذيب محمد- عليه الصلاة السلام-.
الإشارة: يقال لأهل التنكير على أهل الذكر والتذكير: سِيروا في الأرض، وانظروا كيف كان عاقبة المنكرين على المتوجهين، كانت عاقبتهم الخذلان، وسوء الذكر بعد الموت والخسران كابن البراء وغيره من أهل التنكير.
نعوذ بالله من التعرّض لمقت الله.
لكن الأمر كله بيد الله، كما قال تعالى:
[سورة الأنعام (6) : الآيات 12 الى 13]
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)
قلت: جملة (ليجمعنّكم) : مقطوعة، جواب لقسَم محذوف، وقيل: بدل من الرحمة، وهو ضعيف لدخول النون الثقيلة في غير موضعها. و «إلى» : هنا، للغاية، كما تقول: جمعتُ القوم إلى داري. وقيل: بمعنى «في» ، و (الذين خسروا) : مبتدأ، وجملة:(فهم لا يؤمنون) : خبر، و (له ماسكن) : عطف على (لله) ، وهو إما من السكنى فلا حذف، أو من السكون، فيكون حذف المعطوف. أي: ما سكن وتحرَّك.
يقول الحق جل جلاله: قُلْ للمشركين يا محمد: لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقا وملكا وعبيدا؟. قُلْ لهم هو: لِلَّهِ لا لغيره، والقصد بالآية: إقامة البرهان على التوحيد وإبطال الشرك. وجاء ذلك بصيغة الاستفهام لإقامة الحجة على الكفار، فسأل أولاً، ثم أجاب عن سؤاله بنفسه لأنَّ الكفار يُوافقون على ذلك ضرورة، فثبت أن الإله الحق هو الذي له ما في السموات والأرض، وإنما يحسُن أن يكون السائلُ مجيبًا إذا عُلِم أن خَصمَه لا يخالفُه في الجواب الذي يقيم به الحجة عليه.
ثم دعاهم إلى الإيمان والتوبة بتلطُّف وإحسان فقال: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «1» كما في الآية الأخرى، والكتابةُ هنا عبارة عن القضاء السابق، وقد فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:«إنَّ اللهَ كتَبَ كتابًا قبلَ أن يَخلُقَ السّموات والإرضَ فَهُوَ عِندَه» وفيه: «أنَّ رَحمَتِي سبقَت غَضَبي» «2» وفي رواية: «تَغّلِبُ غضبي» «3» .
قال البيضاوي: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي: التزمها تفضلاً وإحسانًا، والمراد بالرحمة: ما يعُمُّ الدارين، ومن ذلك: الهداية إلى معرفته، والعلم بتوحيده، بنصب الأدلة، وإنزال الكتب والإمهال على الكفر. هـ.
ثم ذكر محل ظهور هذه الرحمة، فقال: واللهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي: ليجمعنكم من القبور مبعوثين إلى يوم القيامة فيُجازي أهل التوبة والإيمان، ويعاقب أهل الشرك والكفران، لا رَيْبَ في ذلك اليوم، أو في ذلك الجمع، فيظهر أهل الخسران من أهل الإحسان، ولذلك قال: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بتضييع رأس مالهم، وهو النظر الصحيح الموجِب للإيمان والتوحيد فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ حتى أدركهم الموت فلا خسران أعظم من ذلك. ودخلت الفاء في الخبر للدلالة على أن عدم إيمانهم مسبّب عن خسرانهم فإن إبطال النظر، والانهماك في التقليد واتباع الوهم، أدَّى بهم إلى الإصرار على الكفر، والامتناع من الإيمان إلى الممات. فخسروا أولاً بتضييع النظر، فتسبب عنه عدم الإيمان.
ثم تمّم جوابه فقال: وَلَهُ ما سَكَنَ أي: قل لهم: ما في السمواتِ والإرض لله، وله أيضًا ما سكن فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي: ما استقر فيهما وما اشتملتا عليه، أو ما سكن فيهما وتحرك، وَهُوَ السَّمِيعُ لكل مسموع، الْعَلِيمُ بكل معلوم فلا يخفى عليه شيء في الليل والنهار، فى جميع الأقطار.
(1) الآية 54 من السورة نفسها.
(2)
أخرجه البخاري فى (التوحيد، باب قول الله تعالى: «وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ» ) من حديث أبى هريرة.
(3)
أخرجها البخاري فى (التوحيد، باب قوله تعالى «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» ) ومسلم فى (التوبة، باب: فى سعة رحمة الله) من حديث أبى هريرة.