الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً أي: فقرأ بسبب منع المشركين من الحرم، وكانوا يجلبون لها الطعام، فخاف الناس قلة القوت منها، إذا انقطع المشركون عنهم، فوعدهم الله بالغنى بقوله: فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من عطائه وتفضله بوجه آخر، وقد أنجز وعده بأن أرسل السماء عليهم مدراراً، وأسلمت العرب كلها، وتمادى جلب الطعام إلى مكّة، ثم فتح عليهم البلاد، وجلبت لهم الغنائم، وتوجه الناس إليهم من أقطار الأرض، وما زال كذلك إلى الآن.
وقيده بالمشيئة لتنقطع الآمال إلى الله، ولينبه على أنه متفضل في ذلك، وإن الغنى الموعود يكون لبعض دون بعض، وفي عام دون عام، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بأحوالكم، حَكِيمٌ فيما يعطي ويمنع.
الإشارة: بيوت الحضرة- وهي القلوب المقدسة- لا ينبغي أن يدخلها شيء من شرك الأسباب، أو الوقوف مع رفق الأصحاب، أو الركون إلى معلوم حتى يفرد التعلق بالحي القيوم، ولا ينبغي أيضاَ أن يدخلها شيء من نجاسة حس الدنيا وأكدارها وأغيارها، فيجب على أربابها الفرار من مواطن الكدر، والعزلة عن أربابها لئلا يدخل فيها شيء من نجاستها، فتموت بعد حياتها، وكان عيسى- عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه:(لا تجالسوا الموتى فتموت قلوبكم، قالوا: من الموتى يا روح الله؟ قال: المحبون للدنيا الراغبون فيها) . فإن خفتم عيلة بالفرار منهم واعتزال نجاستهم، فسوف يغنيكم الله من فضْلِ غَيْبه إن شاء، في الوقت الذي يشاء، إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. والله تعالى أعلم.
قال القشيري: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ أي: لأنهم فقدوا طهارة الأسرار، فبقوا في مزابل الظنون والأوهام، فَمُنِعُوا قُربانَ المساجد التي هي مساجدُ القرب، وأما المؤمنون فطهَّرهم عن التدنُّس بشهود الأغيار، فطالعوا الحقَّ فردا فيما ينشيه من الأمر ويُمضيه من الحُكم. هـ.
ثم أمر بجهاد أهل الكتاب، فقال:
[سورة التوبة (9) : آية 29]
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (29)
يقول الحق جل جلاله للمؤمنين: قاتِلُوا أهل الكتاب من اليهود والنصارى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ على ما يجب له، لإشراكهم عُزير وعيسى، ولتجسيمهم، وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ لأنهم ينكرون المعاد الجسماني،
فإيمانهم في الجانبين كلا إيمان، وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ محمّد صلى الله عليه وسلم لأنهم يحلون الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير، وغير ذلك مما حرمته الشريعة المحمدية، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ أي: لا يدخلون في الإسلام، الذي هو الدين الحق، الناسخ لسائر الأديان ومبطلها.
ثم بيَّن الذين أّمر اللَّهُ بقتالهم بقوله: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وهم اليهود والنصارى. وحين نزلت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لغزوة تبوك لقتال النصارى، ووصل إلى أوائل بلد العدو، فصالح أهل أدرج وأيلة، وغيرهما، على الجزية وانصرف، وذلك امتثال للآية.
قال تعالى: فقاتلوهم حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ أي: ما تقرر عليهم أن يعطوه، وقدْرها عند مالك: أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهماً على أهل الورق، يؤخذ ذلك من كل رأس، واتفق العلماء على قبول الجزية من اليهود والنصارى، ويلحق بهم المجوس لقوله صلى الله عليه وسلم:«سنوا بهم سنة أهل الكتاب» «1» لأن لهم شبهة كتاب، فألحقوا بهم. واختلفوا في قبولها من عَبدة الأوثان قال مالك: تؤخذ من كل كافر إلا المرتد، ولا تؤخذ من النساء والصبيان والمجانين.
وقوله تعالى: عَنْ يَدٍ أي: يباشر إعطاءها بيده، لا يبعثها مع أحد، أو لا يمطل بها، كقولك: يداً بيد، أو عن استسلام وانقياد، كقولك: ألقى فلان بيده. وَهُمْ صاغِرُونَ أذلاء محقورون. وعن ابن عباس رضى الله عنه: تؤخذ الجزية من الذمي، وتوجأ عنقه، أي: تصفع.
الإشارة: يؤمر المريد بقتل نفسه وحظوظه وهواه، وأعظمها: حب الدنيا والرئاسة والجاه، ولا يزال يخالف هواها، ويعكس مراداتها، ويحملها ما يثقل عليها، حتى تنقاد إليه بالكلية، بحيث لا يثقل عليه شيء، ويستوي عندها العز والذل، والفقر والغنى، والمدح والذم، والمنع والعطاء، والفقد والوجد، فإن استوت عندها هذه الأحوال فقد أسلمت وأعطت ما يجب عليها، فيجب حفظها ورعايتها، وتصديقها فيما يرد عليها. وبالله التوفيق.
ثم ذكر الباعث على جهاد أهل الكتاب، وهو فساد اعتقادهم، فقال:
(1) أخرجه مالك فى الموطأ (الزكاة، باب جزية أهل الكتاب والمجوس) والشافعي فى مسنده (الجزية) والبيهقي فى السنن الكبرى (9/ 189) ، والبغوي فى شرح السنة (11/ 169) عن عبد الرحمن بن عوف.