الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رُوِي أن لوط بن هاران بن تارح لما هاجر عمه إبراهيم إلى الشام، ونزل بالأردن، وكان هاجر هو معه، أرسله الله تعالى إلى أهل سدوم، ليدعوهم إلى الله، وينهاهم عما اخترعوه من الفاحشة، فلم ينتهوا عنها، فقلع جبريل مدينتهم، وجعل عاليها سافلها، وأمطر الحجارة على ما قربهم من القرى، وسيأتي في سورة هود بقية قصتهم، إن شاء الله. والله تعالى أعلم.
الإشارة: إنما أهلك اللهُ قوم لوط حيث آثروا شهوة نفوسهم على عبودية ربهم، وغلبهم الطبع البهيمي على مقتضى العقل الصافي، وقد تقدم قول الغزالي: إن الشَّره إلى الوِقاع من جملة المهلكات. فعلى المريد أن يصفي قصده، ولا ينزل إلى أرض الحظوظ إلا بالإذن والتمكين والرسوخ في اليقين، ولا ينزل بالشهوة والمتعة. وقد قال عليه السلام:
«المؤمن يأكل بشهوة أهله» «1» فلا يأتي ما أحلَّ اللهُ لَهُ مِن متعة النِّساء إلا قيامًا بحقِّ الغَير وطلبًا للنسلِ. وبالله التوفيق.
ثم ذكر قصة شعيب عليه السلام فقال:
[سورة الأعراف (7) : الآيات 85 الى 93]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (87) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَاّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (89)
وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (93)
(1) أخرجه الديلمي فى الفردوس (ح 6547) من حديث أبى أمامة الباهلي، بلفظ «المؤمن يأكل بشهوة عياله، والمنافق يأكل أهله بشهوته» .
يقول الحق جل جلاله: وَأرسلنا إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً، ومدين: قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم، شعيب بن ميكائل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل، على ما قيل. وقد تقدّم في البقرة أن مدين ومدان من ولد إبراهيم عليه السلام، وشعيب هذا يسمى خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه.
قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ، قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يريد المعجزة التي كانت له، وليس في القرآن بيان ما هي معجزته. وحمل الواحدي البينة على الموعظة. وقال في الكشاف: ومن معجزات شعيب: ما رُوِي من محاربة عصا موسى التنين، حين دفع إليه غنمه، وولادة الغنم الدرع خاصة، حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها، ووقوع عصا آدم في يده في المرات السبع، وغير ذلك من الآيات. هـ. وفيه نظر لأن هذ وقعت بعد مقالته لقومه، وإنما كانت إرهاصات لموسى عليه السلام، وفي حديث البخاري:«مَا بَعَثَ الله نَبِيًّا إلَاّ وآتاهُ مَا مِثلُه آمَنِ عَليه البشرُ، وإَنَّما كَان الذِي أُوتِيتُه وحيًا، وأرجوُ أن أكُون أكَثَرهُم تَابِعاً يومَ القيامَةِ» «1» . وهو صريح في أنه لا بد من الآية لكل رسول، ولعل الله تعالى لم يذكر معجزة شعيب وهود في القرآن مع وجودها لظاهر الحديث.
ثم قال لهم: فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ، وكانوا مطففين، أي: فأوفوا المكيال الذي هو آلة الكيل، أي: كبروها بدليل قوله: وَالْمِيزانَ الذي هو الآلة، ويحتمل أن يريد بهما المصدر، أي: الكيل والوزن.
وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ أي: لا تنقصوهم حقوقهم، وإنما قال: أَشْياءَهُمْ، للتعميم تنبيهًا على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير، والقليل والكثير، وقيل: كانوا مكَّاسين لا يدعون شيئًا إلا مكسوه.
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالكفر والظلم، بَعْدَ إِصْلاحِها بإقامة الشرائع وظهور العدل، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي: ذلك الذي أمرتكم به ونهيتكم عنه هو خير لكم من إبقائكم على ما أنتم عليه، ومعنى الخيرية: الزيادة مطلقًا إذ لا خير فيما هم فيه، أو: في الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال. قاله البيضاوي.
(1) أخرجه بنحوه البخاري فى (فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحى) من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.
وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ أي: طريق تُوعِدُونَ من أراد الإيمان بالعقوبة، وكانوا يجلسون على الطرقات والمراصد، يقولون لمن يريد شعيبًا: إنه كذاب فلا يفتنك عن دينك ويوعدون من آمن، وقيل: كانوا يقطعون الطريق.
وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: تصدون الناسَ عن طريق الله، وهو الإيمان به وبرسوله، وهو الذي قعدوا لأجله في كل طريق، وقوله: مَنْ آمَنَ بِهِ من أراد الإيمان به، أو من آمن حقيقة كانوا يصدونه عن العمل، وَتَبْغُونَها عِوَجاً أي: وتطلبون لطريق الله عوجًا بإلقاء الشُّبَه فيها، أو بوصفها للناس بأنها مُعوَجَّة.
وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا عددكم وعُددكم فَكَثَّرَكُمْ بالبركة في النسل والمال، وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ من الأمم قبلكم، فاعتبروا بهم.
وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا أي: تربصوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا أي: بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ إذ لا معقب لحكمه، ولا حيف فيه.
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ في جوابه عن وعظه: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا أي: ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر، وشعيب عليه السلام لم يكن في ملتهم قط لأن الأنبياء- عليهم السلام لا يجوز عليهم الكفر مطلقًا، لكنهم غلّبوا الجماعة على الواحد فخُوطب هو وقومه بخطابهم، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله: قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ. قاله البيضاوي. وقال ابن عطية: وعاد: قد يكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدم ذلك المحال، قلت: ويؤيده ما في حديث الجَهنميين: «قد عادوا حممًا» «1» أي: صاروا.
ثم قال شعيب عليه السلام: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها أي: إن رجعنا إلى ملتكم بعد الخلاص منها، فقد اختلقنا على الله الكذب، وهذا كله في حق قومه كما تقدم. وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا خذلاننا وارتدادنا، وفيه تسليم للإرادة المغيبة، والعلم المحيط، فإنّ القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء. فإن قلت: هو معصوم فلا يصح فيه العود؟. قلت: قاله أدبًا مع الربوبية، واستسلاما لقهر
(1) جزء من حديث طويل أخرجه البخاري فى (الرقاق- باب صفة الجنة والنار) ومسلم فى (الإيمان- باب معرفة طريق الرؤية) من حديث أبي سعيد الخدري رضى الله عنه.
الألوهية، كقول نبينا صلى الله عليه وسلم:«يا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّت قَلبي عَلَى دِينِكَ» «1» . وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أي: أحاط علمه بكل شيء مما كان وما يكون منا ومنكم، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا في أن يثبتنا على الإيمان، ويخلصنا من الإشراك. رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا أي: احكم بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ بالعدل، بتمييز المحق من المبطل، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ أي: الفاصلين.
وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً وتركتم دينكم إِنَّكُمْ إِذاً أي: إذا اتبعتموه لَخاسِرُونَ لاستبدالكم ضلالته بهداكم، أو لفوات ما يحصل لكم من البخس والتطفيف. فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي: الزلزلة. وفي سورة الحجر. الصَّيْحَةُ، ولعلها كانت من مبادئها، فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ أي: في مدينتهم جاثِمِينَ: باركين ميتين.
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أي: استؤصلوا كأنهم لم يقيموا فيها ساعة. الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ دينًا ودُنيا، بخلاف الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا فإنهم الرابحون، ولأجل التنبيه على هذا والمبالغة فيه كرر الموصول، واستأنف الجملتين وأتى بهما اسميتين.
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ، قاله بعد هلاكهم، تأسفًا عليهم، ثم أنكر على نفسه فقال: فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ليسوا أهلاً للحزن عليهم، لاستحقاقهم ما نزل بهم.
الإشارة: يُؤخذ من قوله: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها أن إقامة الشرائع، وظهور الدين من علامة إصلاح الأرض وبهجتها، وخصبها وعافيتها، وترك الشرائع وظهور المعاصي من علامة فساد الأرض وخرابها.
ويؤخذ من قوله: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ
…
الآية، أن حض الناس على الإيمان ودلالتهم على الله من أفضل القربات عند الله، وأعظم الوسائل إلى الله.
ويؤخذ من قوله: وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أن الإنسان لا يقف مع ظاهر الوعد والوعيد، ولعل الله تعالى علَّق ذلك الوعد أو الوعيد بشروط وأسباب أخفاها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره. وفي بعض الآثار القدسية:«يا عبدي لا تأمن مكري وإن أمَّنتك، فعلمي لا يحيط به محيط» . والله تعالى أعلم.
(1) أخرجه مطولا أحمد فى المسند (6/ 91) عن السيدة عائشة رضى الله عنها والترمذي فى (القدر- باب ما جاء أن القلوب بين أصبعى الرحمن) من حديث أنس رضى الله عنه. وفى (الدعوات، باب 90) من حديث أم سلمة رضى الله عنها. [.....]