الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ بكل خير، الظافرون بنيل الحسنى والزلفى عند الله، دون من عداهم ممن لم يفعل ذلك.
ثم زاد في كرامتهم فقال: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ أي: تقريب وعطف منه وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها أي: في الجنان نَعِيمٌ مُقِيمٌ دائم، لانفاد له ولا انقطاع. وتنكير المبشر به إشعار بأنه وراء التعيين والتعريف، حال كونهم خالِدِينَ فِيها أَبَداً، أكد الخلود بالتأبيد لأنه قد يطلق على طُول المكث، إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ يُستحقر دونه مشاق الأعمال المستوجبة له، أو نعيم الدنيا إذ لا قدر له في جانب نعم الآخرة.
الإشارة: لا يستوي من قعد في وطنه مع عوائده وأسبابه، راكناً إلى عشائره وأحبابه، واقفاً مع هواه، غافلاً عن السير إلى مولاه، مع من هاجر وطنَه وأحبابَه، وخرق عوائده وأسبابه، وجاهد نفسه وهواه، سائراً إلى حضرة مولاه، لا يستوون أبداً عند الله لأن هؤلاء مقربون عند لله، والآخرون في محل البعد عن الله، ولو كثر علمهم وعملهم عند الله، شتان بين من همته القصور والحور، وبين من همته الحضور ورفع الستور، يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان، وجنات المعارف لهم فيها نعيم لأرواحهم، وهو الشهود والعيان، لا يحجب عنهم طرفة عين، إن الله عنده أجر عظيم، لا يخطر على قلب بشر. لا حرمنا الله من ذلك.
ثم نهى عن موالاة أهل الغفلة وإن قربوا نسبا، فقال:
[سورة التوبة (9) : الآيات 23 الى 24]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (24)
يقول الحق جل جلاله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ الذين بقوا على كفرهم أَوْلِياءَ توالونهم بالمحبة والطاعة، إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ واختاروه على الإيمان. نزلت في شأن المهاجرين فإنهم لما أُمروا بالهجرة قالوا: إن هاجرنا قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا، وذهبت تجارتنا، وبقينا ضائعين. وقيل: نزلت فيمن ارتد ولحق بمكة، فنهى الله عن موالاتهم. وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ بوضعهم الموالاة في غير موضعها.
قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ أي: أصحابكم، أو أقرباؤكم، وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها اكتسبتموها، وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها أي: فوات وقت إنفاقها، وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها لحسنها وسعتها، فإن كان ذلك أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي: من الإيمان بالله وصحبة رسوله، وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ، فآثرتم ذلك، وتخلفتم عن الإيمان والهجرة، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ أي: بعقوبة عاجلة أو آجلة، أو بنصر وفتح على المؤمنين، كفتح مكة وغيرها، والمراد بالمحبة: الاختيارية دون الطبيعة فإنها لا تدخل تحت التكليف، والتحفظ عنها لأن حب الأوطان والعشائر طبيعي، والحب المكلف به اختياري، بحيث يجاهد نفسه في إبدال الطبيعي بالاختياري.
ثم هدد من وقف مع حب الأوطان بقوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ لا يرشدهم ولا يوفقهم. وفي الآية تهديد عظيم، وقلَّ من تحفظ عنه. قاله البيضاوي.
الإشارة: الهجرة من أوطان الغفلة واجبة، ومفارقة الأصحاب والعشائر الذين لا يوافقون العبد على النهوض إلى الله فريضة، فيجب على المريد أن يهاجر من البلد التي لا يجد فيها قلبه، ولا يجد فيها من يتعاون به على ربه، كائنة ما كانت، وما رأينا ولياً قط أنتج في بلده، إلا القليل، فلما هاجر صلى الله عليه وسلم من وطنه إلى المدينة. وحينئذ نصر الدين، بقيت سنة في الأولياء، لا تجد ولياً يعمر سوقُه إلا في غير بلده، ويجب عليه أيضاً أن يعتزل مَن يشغله عن الله من الآباء والأبناء والأزواج والعشائر، وكذلك الأموال والتجارات التي تشغل قلبه عن الله، بعد أن يقيم في أولاده حقوق الشريعة، فاللبيب هو الذي يجمع بين الحقيقة والشريعة، فلا يضيع من يعول، ولا يترك حق من يتعلق به من الزوجة أو غيرها، ويذكر الله مع ذلك، فيخالطهم بحسه، ويفارقهم بقلبه، فإن لم يستطع وأراد دواء قلبه فليخير الزوجة، ويُوكل من ينوب عنه في القيام بحقوق العيال، حتى يقوى قلبه ويتمكن مع ربه، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ «1» .
ولإبراهيم بن أدهم رضى الله عنه:
هَجَرْتُ الخَلْقَ طُرّاً في رِضاكَا
…
وأَيْتَمْتُ البَنينَ لِكَيْ أَرَاكَا
فَلَوْ قَطَّعْتَني إِرْباً فَإرْباً
…
لِمَا حنَّ الفُؤَادُ إِلَى سِوَاكَا
وبالله التوفيق
(1) الآيتان: 2- 3 من سورة الطلاق.