الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرؤيا لأنها أحاديث المَلك إن كانت صادقة، وأحاديث الشيطان إن كانت كاذبة. أو يعلمك من تأويل غوامض علوم كتب الله، وسنن الأنبياء وحكم الحكماء. وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بالنبوة، أو بأن يجمع لك بين نعمة الدنيا، ونعمة الآخرة، وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ يريد: سائر بنيه. ولعله استدل على نبوتهم بضوء الكواكب، كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ من قبلك، أو من قبل هذا الوقت. فأتمها على إبراهيم بالرسالة والخلة والإنجاء من النار، وإسحاق بالرسالة والإنقاذ من الذبح «1» ، وهم: إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ، فهما عطف بيان لأبويك، إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ بمن يستحق الاجتباء، حَكِيمٌ لا يخلو فعله من حكمة، نعمة كانت أو نقمة.
الإشارة: البداية مجلاة النهاية، يوسف عليه السلام نزلت له أعلام النهاية في أول البداية. وكذلك كل من سَبَقَ له شيءٌ من العناية، لا بد تظهر أعلامه في أول البداية «من أشرقت بدايته أشرقت نهايته» . من كانت بالله بدايته كانت إليه نهايته.
وأوصاف النهاية تأتي على ضد أوصاف البداية فكمال العز في النهاية لا يأتي إلا بعد كمال الذل في البداية.
وتأمل قول الشاعر:
تَذَلَّلَ لمَن تَهْوَى لِتَكْسِبَ عِزةً
…
فكم عزةٍ قد نالها المرْء بِالذُّلِّ
وتأمل قضية سيدنا يوسف عليه السلام ما نال العز والملك حتى تحقق بالذل، والملك وكمال الغنى في النهاية لا يأتي إلا بعد كمال الفقر في البداية، وكمال العلم لا يأتي إلا بعد إظهار كمال الجهل، وكمال القوة لا يأتي إلا بعد كمال الضعف.. وهكذا جعل الله تعالى بحكمته الأشياء كامنة في أضدادها «تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه» . فالاجتباء يكون بعد الابتلاء، وإتمام النعم يكون بعد تقديم النقم، وذلك لتكون أحلى وأشهى، فيعرف قدرها ويتحقق منه شكرها، وهذا السر في تقديم أهوال يوم القيامة على دخول الجنة ليقع نعيمها في النفس كل موقع. ولا فرق بين جنة الزخارف، وجنة المعارف. (حُفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات) . والله تعالى أعلم.
ثم قال تعالى:
[سورة يوسف (12) : الآيات 7 الى 8]
لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (8)
(1) الثابت أن الذبيح هو سيدنا إسماعيل عليه السلام. راجع التعليق على تفسير الآية 124 من سورة البقرة.
قلت: (يوسف) : عجمي، وفي سينه ثلاث لغات: الضم- وهو الأشهر- والفتح، والكسر.
يقول الحق جل جلاله: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ أي: في قصصهم آياتٌ دلائل قدرة الله وحكمته، وعلامة نبوتك، حيث أخبرتَ بها من غير تعلم. ففي ذلك آيات لِلسَّائِلِينَ أي: لمن سأل عن قصتهم. والمراد بإخوته: علاته العشرة، والعلات: أبناء أمهات لأب واحد، فكانوا إخوته لأبيه، وهم: يهوذا، ورَوْبيل، وشمعون، ولاوي، وريالون، ويشجر، ودنية من بنت خالته ليّا، تزوجها يعقوب أولاً، فلما توفيت تزوج راحيل، فولدت له بنيامين، ويوسف. وقيل: جمع بينهما، ولم يكن الجمع حينئذٍ محرماً. وأربعة آخرون من سُريتَيْن، وهم: دان، وتفثالى، وجاد، وآشر.
إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ بنيامين، وخُص بالإضافة لأنه شقيقه، أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ أي: والحال أنا جماعة أقوياء، فنحن أحق بالمحبة لأنهما لا كفاءة فيهما. والعصبة: العشرة ففوق. إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ خطأ مُبِينٍ ظاهر لتفضيل المفضول. رُوي أنه كان أحب إليه لما كان يرى فيه من مخايل الخير، وكان إخوته يحسدونه، فلما رأى الرؤيا ضاعف له المحبة، بحيث لم يصبر عنه، فتناهى حسدهم حتى حملهم على التعرض لقتله. وهكذا شأن الحسد يبلغ بصاحبه امراً عظيماً.
الإشارة: كان يعقوب عليه السلام لا يفارق يوسف ليلاً ولا نهاراً. وهكذا شأن المحبين. وأنشدوا:
وَلِي كَبِدٌ يَسرِي إِليهِم سَلَامه
…
بَجَمر تَلَظَّى، والفؤادُ ضِرامُه
وأجفَانُ عَين لا تَمَل من البُكَا
…
وصَبٌّ تَشَكِّى للحبيب غَرَامُه
فأنتُم سُروري، أنتُم غَايةُ المنى
…
وقَلبي إِليكم والغرام زمامه
فو الله ما أَحبَبتُ ما عِشتُ غَيرَكم
…
لأن اشتياقي لا يحل اكتتامه. هـ.
قال الجنيد، رضى الله عنه: رأيت غلاماً حسن الوجه يعنف كهلاً حسناً، فقلت: يا غلام، لِمَ تفعل هذا؟ قال: لأنه يدعي أنه يهواني، ومنذ ثلاث ما رآني، قال: فوقعت مغشياً علي، فلما أفقتُ ما قدرت على النهوض، فقيل لي في ذلك، فقلت: ينبغي للمحب ألا يفارق باب محبوبه على أي حال. وأنشدوا:
لَازم البابَ إن عَشِقتَ الجَمَالا
…
واهجُر النَّوم إنْ أردت الوِصَالا
واجعل الروحَ منك أَوَّل نَقدٍ
…
لحبيبٍ أَنوارُه تَتَلالا