الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلما فار بالماء قُلْنَا احْمِلْ فِيها في السفينة، مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ من كل نوع من الحيوان ذكراُ وأنثى- رُوي إن نوحا عليه السلام وقف على باب السفينة، وحشر إليه الوحوش، فكان الذكر يقع في يمينه، والأنثى في شماله، وهو يُدخل في السفينة. وآخر ما دخل الحمار، فتمسك الشيطان بذنبه فزجره نوح فلم ينعق، فدخل معه، فجلس عند مؤخر السفينة. ورُوي أن نوحاً عليه السلام آذاه نتن الزبل والعذرة، فأوحى الله إليه: أن امسح على ذنب الفيل، ففعل فخرج من انفه خنزير وخنزيرة، فكفياه أمر ذلك الأذى. ورُوي أن الفأر آذى الناس، فأوحى الله إليه: أن امسح على جبهة الأسد ففعل، فعطس فخرج منه هرٌّ وهرَّة. فكفياه أمر الفأر «1» . انظر ابن عطية.
وَاحمل أيضاً أَهْلَكَ أي: امرأتك وبنيك ونساءهم، إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ أنه من المغرقين يريد: ابنه كنعان وأمه وَاعِلة، فإنهما كانا كافرين. وَاحمل مَنْ آمَنَ بك. قال تعالى: وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ، قيل: كانوا تسعةَ وسبعين: زوجته المسلمة، وبنوه الثلاثة: حام وسام ويافث، ونساؤهم، واثنان وسبعون رجلاً وامرأة من غيرهم. وفي بعض الآثار: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش» «2» .
قاله ابن عطية. وسيأتي خلافه في سورة الصافات. وهو الراجح. وقال البيضاوي: روي أن نوحا عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين، وكان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين، وسمكها ثلاثين. وجعل لها ثلاثة بطون. فحمل في أسفلها الدواب والوحش، وفي وسطها الإنس، وفي أعلاها الطير. هـ. والله تعالى أعلم.
الإشارة: حتى إذا جاء أمرنا بكمال الطهارة من العيوب، وفار تنور القلب بعلم الغيوب، وجرت سفينة الفكرة في بحار التوحيد، وأسرار التفريد، قلنا: احمل فيها من كل زوجين اثنين علم الشريعة والحقيقة، وعلم الحكمة والقدرة، وعلم الحس والمعنى، وعلم الأشباح والأرواح، وعلم الملك والملكوت. وتحمل من تمسك بها من أهل المحبة والوداد، إلا من سبق عليه القول بالمكث في مقام البعاد، وتحمل من آمن بخصوصيتها من العباد، فتقربه من مسلك التوفيق والتسديد، حين يمن الحق تعالى عليها بالقرب من أهل المحبة والوداد. وبالله التوفيق.
ثم أمرهم بالركوب فى السفينة، فقال:
[سورة هود (11) : الآيات 41 الى 43]
وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (42) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَاّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)
(1) هذه الأخبار ذكرها الطبري وغيره، وهى من الإسرائيليات التي ينبغى تنقية كتب التفسير منها.
(2)
أخرجه الإمام أحمد فى المسند 9/ 5 والترمذي وحسنه فى (المناقب، باب فضل العرب) والحاكم فى المستدرك (2/ 546) وصححه ووافقه الذهبي، عن سمرة بن جندب- رضى الله عنه.
قلت: (مَجْريها ومرساها) : مشتقان من الجري والإرسال، أي: الثبوت، وهما إما ظرفان زمانيان، أو مكانيان، وإما مصدران، والعامل فيهما: ما في (بسم الله) من معنى الفعل. وإعراب «بسم الله» : إما حال مقدرةٌ من الضمير في «اركبوا» ، أي: اركبوا متبركين بسم الله، أو قائلين: بسم الله، وقت إجرائها وإرسائها. أو (مجراها ومرساها) :
مبتدأ، و (بسم الله) : خبر. فيوقف على (فيها) أي: إجراؤها وإرساؤها حاصل بسم الله.
يقول الحق جل جلاله: وَقالَ نوح لمن كان معه: ارْكَبُوا في السفينة وسيروا فيها. رُوي أنهم ركبوا أول يوم من رجب، وقيل: يوم العاشر منه، واستوت على الجودي يوم عاشوراء، بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها أي: متبركين بسم الله وقت إجرائها، أو قائلين بسم الله وقت إجرائها وإرسائها، رُوِي: أنه عليه السلام كان إذا أراد أن يجري السفينة قال: بسم الله، فتجري، وإن أراد أن يوقفها قال: بسم الله، فتوقف. إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، فلولا مغفرته لما فرط منكم، ورحمته إياكم، لَما أنجاكم. فركبوا مسلمين وساروا.
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ، والموج: ما يرتفع من الماء عند اضطرابه، أي: كل موجة من الطوفان كالجبال في تراكمها وارتفاعها، وما قيل من أن الماء أطبق ما بين السماء والأرض، وكانت السفينة تجري في جوفه، لم يثبت. وكيف يكون الموج كالجبال؟ والمشهور أنه علا شوامخ الجبال، خمسة عشر ذراعاً، وإنْ صح ذلك فلعل ارتفاع الموج كالجبال كان قبل التطبيق.
وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ، كان كنعان. وقيل: كان لغير رشدة، وهو خطأ لأن الأنبياء عُصمت من أن تزني أزواجهم. والمراد بالخيانة في قوله: فَخانَتاهُما «1» . في الدين. وَكانَ فِي مَعْزِلٍ في ناحية، عزل نفسه فيها عن أبيه، أو عن دينه، فقال له أبوه: يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا في السفينة، وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ في الدين، أو في الأعتزال عنا، وكان يظنه مؤمناً، لإخفاء كفره. قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي يمنعني مِنَ الْماءِ، فلا أغرق، قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ أي: إلا الراحم، وهو الله، فلا عاصم إلا أرحم الراحمين. أو: لا عاصِمَ لا ذو عصمة إلا من رحم الله، فلا معصوم إلا من رحمه الله. فالاستثناء حينئذٍ متصل. أو: لا عاصم اليوم من أمر الله لكن من رحمه الله فهو المعصوم. أو: لا ذو عصمة لكن الراحم يعصم من شاء، والاستثناء منقطع.
وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ بين نوح وابنه، فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ فصار من المهلكين بالماء. رُوي أنه صنع بيتاً من زجاج، وحمل معه طعامه وشرابه، وصعد على وجه الماء فسلط الله عليه البول حتى غرق في بوله «2» .
والله تعالى أعلم بشأنه.
(1) من الآية: 10 من سورة التحريم.
(2)
الآية صريحة فى أن الولد أراد أن يأوى إلى جبل يعصمه من الماء.. فماذا ينفع الزجاج هنا. وما ذكره الشيخ المفسر لا دليل عليه.