الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقول الحق جل جلاله، في إتمام الرد على المشركين: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ أي: تعبدونها من دونه، لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ، فلا تُبال بهم أيها الرسول، وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا، يحتمل أن يريد الأصنام، فيكون تحقيرًا لها، وردا على من عبدها فإنها جماد موات لا تسمع شيئًا، أو يريد الكفار، ووصفهم بأنهم لا يسمعون، يعني: سمعًا ينتفعون به، لإفراط نفورهم، أو لأن الله طبع على قلوبهم، وَتَراهُمْ أي: الأصنام، يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ لأنهم مصورون بصورة من ينظر، فقوله:
وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ: مجاز، وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ حقيقةً، لأن لهم صورة الأعين، وهم لا يرون بها شيئا، هذا إن جعلناه وصفًا للأصنام، وإن كان وصفًا للكفار فقوله: وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ حقيقة، وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ مجاز، لأن الأبصار وقع منهم في الحس، لكن لمَّا لم ينفعهم لعمى قلوبهم، نفاه عنهم كأنه لم يكن.
قال المحشي: شاهدوا بأبصار رؤوسهم، لكنهم حجبوا عن الرؤية ببصائر أسرارهم وقلوبهم، فلم يعتد برؤيتهم. هـ.
الإشارة: في الآية تحويش للعبد إلى الأعتماد على الله واستنصاره به في جميع أموره، فلا يركن إلى شيء سواه، ولا يخاف إلا من مولاه، إذ لا شيء مع الله.
وقوله تعالى: وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ
…
الآية. قال المحشي: يقال: رُؤية الأكابر ليست بشهود أشخاصهم، لكن لِما يحصل للقلوب من مكاشفة الغيوب، وذلك على مقدار الاحترام وحضور الإيمان. هـ.
يعني: أن النظر إلى الأكابر، من العارفين بالله، ليست مقصودة لرؤية أشخاصهم، وإنما هي مقصودة لفيضان أمدادهم، وذلك على قدر التعظيم والاحترام، وصدق المحبة والاحتشام، فكل واحد من الناظرين إليهم يغرف على قدر محبته وتعظيمه. رُوِي أن بعض الملوك زار قبر أبي يزيد البسطامي، فقال: هل هنا أحد ممن أدرك الشيخ أبا يزيد البسطامي؟ فأتى بشيخ كبير، فقال: أنا أدركته، فقال: ما سمعتَه يقول؟ فقال: سمعتُه يقول: (من رآني لا تأكله النار) . فقال الملك: هذا لم يكن للنبى- عليه الصلاة والسلام فقد رآه كثير من الكفار فدخلوا النار، فكيف يكون لغيره؟ فقال له الشيخ: يا هذا، الكفار لم يروه صلى الله عليه وسلم على أنه رسول الله، وإنما رأوه على أنه محمد بن عبد الله، فسكت. والله تعالى أعلم.
ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، فقال:
[سورة الأعراف (7) : الآيات 199 الى 200]
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)
يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم: خُذِ الْعَفْوَ أي: اليسر من أخلاق الناس ولا تبحث عنها، أو: خذ من الناس، في أخلاقهم وأموالهم ومعاشرتهم، ما سهل وتيسر مما لا يشق عليهم لئلا ينفروا. فهو كقول الشاعر:
خُذِ العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمي مَوَدَّتِي «1» ....
أو: خذ في الصدقات ما سهل على الناس من أموالهم وهو الوسط، ولا تأخذ كرائم أموالهم مما يشق عليهم، أو تمسك بالعفو عمن ظلمك ولا تُعاقبه، وهذا أوفق لتفسير جبريل الآتي، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أي: المعروف، وهو أفعال الخير، أو العرف الجاري بين الناس. واحتج المالكية بذلك على الحكم بالعرف الذي يجري بين الناس.
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ أي: لا تكافئ السفهاء على قولهم أو فعلهم، واحلم عليهم. ولمّا نَزَلَت سأل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جبريلَ عنها، فقال:«لا أَدري حَتَّى أسأَلَ، فعرج، ثم رَجَعَ فَقَالَ: يا مُحَمَدَّ، إِنَّ الله يَأمُركَ أن تَصِلَ مَن قَطَعَك، وتُعطِي مَن حَرَمَكَ، وتَعفُو عَمَّن ظَلَمَكَ» «2» . وعن جعفر الصادق: (أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فيها بمكارم الأخلاق) ، وهي على هذا ثابتة الحكم، وهو الصحيح. وقيل: كانت مداراة للكفار، ثم نسخت بالقتال.
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ينخسنك منه نخس، أي: وسوسة تحملك على خلاف ما أمرت به كاعتراء غضب، ومقابلة سفيه، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ والتجئ إليه إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يسمع استعاذتك، ويعلم ما فيه صلاح أمرك، فالاستعاذة عند تحريك النفس مشروعة، وفي الحديث: أن رجلاً اشتد غضبه، فقال صلى الله عليه وسلم:«إنّي لأَعلَمُ كلِمة لو قالَهَا لذَهَبَ عنهُ ما به أعُوذُ باللهِ من الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» «3» .
الإشارة: كل ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم تُؤمر به أمته، وخصوصًا ورثته من الصوفية، فهم مطالبون بالتخلق بأخلاقه صلى الله عليه وسلم أكثر من غيرهم، لأن غيرهم لم يبلغ درجتهم. وقال الورتجبي: خُذِ الْعَفْوَ: أي: فاعف عنهم من قلة عرفانهم حقك، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أي: تلطف عليهم في أمرك ونهيك لهم، فإنهم ضعفاء عن حمل وارد أحكام شرائعك وحقائقك، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ الذين ليس لهم استعداد النظر إليك، ولا يعرفون حقوقك، فإنَّ منكر معجزات أنبيائي وكرامات أوليائي لا يبلغ إلى درجة القوم. قال بعض المشايخ- حين ذكر أهل الظاهر-: دع هؤلاء الثقلاء. هـ. فوصف علماء الظاهر بالثقلاء لثقل ظهورهم بعلم الرسوم، فلم ينهضوا إلى حقائق العلوم ودقائق الفهوم، وفي تائية ابن الفارض:
(1) هذا شطر بيت تمامه: (ولا تنطقى فى سورتى حين أغضب) وهو لحاتم، راجع: تفسير أبى حيان (4/ 444) .
(2)
أخرجه الطبري فى التفسير (9/ 155) عن سفيان بن عيينه عن أبى المرادي، وقال الحافظ ابن حجر فى الكافي الشاف:(هذا منقطع، وأخرجه ابن مردويه موصولا من حديث جابر وحديث قيس بن سعد) . انظر تفسير البغوي (3/ 316) مع حاشية المحقق.
(3)
أخرجه بنحوه البخاري فى (بدء الخلق- باب صفه إبليس وجنوده) ومسلم فى (البر- باب فضل من يملك نفسه عند الغضب) من حديث سليمان بن صرد.