الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: (قبلاً) : بكسر القاف معاينة، وبضمتين: جمع [قبيل]«1» ، أي: ضمناء، وهو حال.
يقول الحق جل جلاله، في الرد على المشركين، حين أقسموا: لئن رأوا آية ليؤمنن بها، فقال تعالى:
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ تشهد لك بالنبوة كما اقترحوا، وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى كما طلبوا بقولهم: فَأْتُوا بِآبائِنا «2» ، وقالوا: إنَّ قُّصيًّا كان شيخ صِدق، فابعثه لنا يكلمنا ويشهد لك بما تدعى.
وَلو حَشَرْنا عَلَيْهِمْ أي: جمعنا عليهم، كُلَّ شَيْءٍ من الحيوانات والجمادات، معاينة، أو ضمناء، تشهد لك بالرسالة والنبوة، ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بك في حال من الأحوال، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إيمانهم فيمن لم يسبق له الشقاء، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ أنهم لو أُوتوا بكل آية لم يؤمنوا، فكيف يقسمون بالله جَهدَ أيمانهم على ما لا يعلمون؟!، فالجهل بهذا المعنى حاصل لأكثرهم، ومطلق الجهل حاصل لجميعهم، أو: ولكن أكثر المسلمين يجهلون أنهم لا يؤمنون، فيتمنون نزول الآية طمعًا في إيمانهم. قاله البيضاوي.
الإشارة: في الآية تسكين لقلوب الأولياء الداعين إلى الله، حين يرون الخلق قد حادوا عن باب الله، وتعلقت هممهم بالدنيا الدنية، وتشتتت قلوبهم، وضاعت عليهم أعمارهم، فيتأسفون عليها، فإذا تفكروا في هذه الآية وأمثالها سكنوا وردوا أمر عباد الله إلى مشيئته وإرادته، فلو شاء الله لهدى الناس جميعاً، ولا يزالون مختلفين:
(ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) . وبالله التوفيق.
ومما تعلقت به المشيئة، وجرت به الحكمة، أنه لا بد أن يبقى للنبى من يحركه إلى ربه، كما أبان ذلك بقوله:
[سورة الأنعام (6) : الآيات 112 الى 113]
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)
قلت: (شياطين) : بدل من (عدو) إذ هو بمعنى الجمع، أو مفعول أول لجعلنا، و (عدوًا) : مفعول ثان، والضمير في (فعلوه) : للوحي، أو للعداوة، و (غرورًا) : مفعول له، أو مصدر في موضع الحال (لتصغى) : عطف على غرورًا، أو متعلق بمحذوف، أي: فعلنا ذلك لتصغى
…
الخ.
يقول الحق جل جلاله، فى تسلية نبيه- عليه الصلاة والسلام: وكما جعلنا لك أعداء من الكفار، جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا من شياطين الْإِنْسِ وَالْجِنِّ أي: من مردة الفريقين، وشياطين الإنس أقبح لأنه يأتي في
(1) فى الأصول: قبل.
(2)
كما جاء فى الآية 36 من سورة الدخان
صورة ناصح، لا يدفع بتعوذ ولا غيره. يُوحِي أي: يُوسوس، بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ، فيوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، ثم يوسوس شياطين الإنس إلى من يريد الحق اختباره وابتلاءه، يُلقى إليه ذلك الشيطان زُخْرُفَ الْقَوْلِ أي: أباطيله، أي: قولاً مزخرفًا مُزَوَّقًا غُرُوراً أي: لأجل الغرور، فإن أراد الله خذلان ذلك العبد غره ذلك الشيطان بزخرف ذلك القول فيتبعه، وإن أراد توفيقه وزيادته أيده وعصمه، وكل شىء بقدره وقضائه، وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ هدايتهم ما فعلوا ذلك الوحي، أو ما ذكر من المعاداة للأنبياء، فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ على الله من الكفر وغيره، فلا تهتم بشأنهم.
وإنما فعلنا ذلك الإيحاء لِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فيغتروا به، وَلِيَرْضَوْهُ لأنفسهم، وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ أي: وليكتسبوا من الإثم والكفر ما هم مكتسبون بسبب ذلك الوحي من الجن أو الأنس، وفي الآية دليل لأهل السنة في أن الله خالق الكفر والإيمان، والطاعة والمعصية، فالمعصية خلقها وقدرها، ولم يَرضهَا، لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ «1» .
الإشارة: كما جعل الله لكل نبي عدواً من شياطين الإنس والجن جعل للأولياء كذلك تحويشًا لهم إليه، وتطهيرًا لهم من البقايا ليصلحوا لحضرته، قال في الحِكَم:«إنما أجرى الأذى عليهم كي لا تكون ساكناً إليهم، أراد أن يُزْعِجَكَ عن كل شيء حتى لا يَشْغَلَكَ عنه شيء» . وقال في لطائف المدن: اعلم أن أولياء الله حكمهم في بدايتهم أن يُسلط الخلق عليهم ليطهروا من البقايا، وتكمل فيهم المزايا، كي لا يساكنوا هذا الخلق باعتماد، أو يميلوا إليهم باستناد، ومن آذاك فقد أعتقك من رق إحسانه، ومن أحسن إليك فقد استرقك بوجود امتنانه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:
«من أسدى إليكم نعمًا فكافئوه، فإن لم تقدروا فادعوا له» . كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق، ويتعلق بالملك الحق. هـ.
وقال الشيخ أبو الحسن رضى الله عنه: آذاني إنسانٌ فضقت به ذرعًا، فرأيتُ يُقال لي: مِن علامة الصديقية كثرةُ أعدائها ثم لا يبالي بهم. وقال بعضهم: الصيحة من العدو، سَوطٌ من الله يزجرُ بها القلوب إذا ساكنت غيره، وإلا رقد القلب في ظل العز والجاه، وهو حجاب عن الله تعالى عظيم. هـ.
وقال شيخ شيوخنا سيدى على الجمل رضى الله عنه: (عداوة العدو حقًا: اشتغالك بمحبة الحبيب حقا، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو نال مراده منك، وفاتتك محبة الحبيب) . وقال بعض أشياخ الشعراني في بعض وصاياه له: لا تشتغل قط بمَن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك فإنه هو الذي حرَّكه عليك ليختبر دعواك في الصدق، وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير، فاشتغلوا بأذى مَن آذاهم، فدام الأذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى الله لردهم عنهم وكفاهم أمرهم. هـ.
(1) الآية 23 من سورة الأنبياء.