الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم قال تعالى: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ، أي: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء، فسلموه إليه، واقنعوا بالأخماس الأربعة، وَما وكذا إن كنتم آمنتم بما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن، في شأن الأنفال، ومن النصر والملائكة، يَوْمَ الْفُرْقانِ يوم بدر، فإنه فرّق فيه بين الحق والباطل، يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ المسلمون والكفار، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على نصر القليل على الكثير، بالإمداد بالملائكة، وبلا إمداد، ولكن حكمته اقتضت وجود الأسباب والوسائط، والله حكيم عليم.
الإشارة: واعلموا أنما غنمتم من شيء من العلوم اللدنية، والمواهب القدسية، والأسرار الربانية، بعد مجاهدة العلائق والعوائق، حتى صار دين القلب كله لله، فللَّه خمسه فناء، وللرسول بقاءً، ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل تعظيماً وآداباً. يعني: أن العلم بالله يقتضي القيام بهذه الوظائف: الفناء في الله، بالغيبة عما سواه، وشهود الداعي الأعظم، وهو رسول الله، والأدب مع عباد الله، ليتحقق الأدب مع الله. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.
ثم بيّن يوم الفرقان، فقال:
[سورة الأنفال (8) : الآيات 42 الى 44]
إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)
قلت: (إذ) : بدل من (يوم الفرقان) ، أو ظرف لالْتقى، أو لاذكر، محذوفة، والعدوة مثلث العين: شاطىء الوادي، و (الدنيا) أي: القربى، نعت له، و (القصوى) : تأنيث الأقصى، وكان قياسه: قلب الواو ياء، كالدنيا والعليا تفرقة بين الاسم والصفة، فجاء على الأصل، كالقَود، وسُمع فيه:«القصيا» على الأصل، وهو شاذ. و (الركب) :
مبتدأ، و (أسفل) : ظرف خبره.
يقول الحق جل جلاله: واذكروا إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا أي: بعدوة الوادي القريبة من المدينة، وَهُمْ أي: كفار قريش، بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى أي: البعيدة منها، وَالرَّكْبُ أي: العير التي قصدتكم، أَسْفَلَ مِنْكُمْ أي: في مكان أسفل منكم، يعني الساحل، ثم جمع الله بينكم على غير ميعاد، وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لهذا الجمع، أنتم وهم للقتال، ثم علمتم حالكم وحالهم لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ هيبة منهم لكثرتهم وقلتكم، لتتحققوا أن ما اتفق لكم من الفتح والظفر ليس إلا صنيعاً من الله تعالى خارقاً للعادة، فتزدادوا إيماناً وشكراً، وَلكِنْ الله جمع بينكم من غير ميعاد لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا سابقاً في الأزل، وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه في ذلك اليوم، لا يتخلف عنه ساعة.
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، أي: قدَّر ذلك الأمر العجيب ليموت من يموت عن بينة عاينها، ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها، لئلا يكون له حجة ومعذرة، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة، فكل من عاينها ولم يؤمن قامت الحجة عليه. أو ليهلك بالكفر مَن هلك عن بينة وحجة قائمة عليه، ويحيى بالإيمان من حي به عن بينة من ربه، وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ بكفر من كفر وإيمان من أمن، فيجازي كلاًّ على فعله. ولعل الجمع بين وصف السمع والعلم لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد.
واذكر أيضاً إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا، كان صلى الله عليه وسلم قد رأى الكفار في نومه قليلاً، فأخبر بذلك أصحابه، فقويت نفوسهم وتجرءوا على قتالهم، وكانوا قليلاً في المعنى، وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً في الحس لَفَشِلْتُمْ لجبنتم، وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ في أمر القتال، وتفرقت آراؤكم، وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ أي: أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي: يعلم ما يكون فيها من الخواطر وما يغير أحوالها.
وَاذكر أيضاً إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ أي: يريكم الله الكفار، إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا، حتى قال ابن مسعود لمن إلى جنبه: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مائة، تثبتاً وتصديقاً لرؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم، وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ، حتى قال أبو جهل: إن محمداً وأصحابه أَكَلَهُ جزور- بفتح الهمزة والكاف- جمع آكل-، أي: قدر ما يكفيهم جذور في أكلهم.
قال البيضاوي: قللهم في أعينهم قبل التحام القتال ليجترءوا عليهم ولا يستعدوا لهم، ثم كثّرهم حين رأوهم مثليهم لتفجأهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم، وهذا من عظائم آيات الله في تلك الوقعة، فإن البصر، وإن كان قد يرى الكثير قليلاً والقليل كثيراً، لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحد، وإنما يتصور ذلك بصد الله الأبصارَ عن إبصار بعض دون بعضٍ، مع التساوي في المرئي. هـ.