الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبكاؤهم الكثير في الآخرة، أي: سيضحكون قليلاً في الدنيا، ويبكون كثيراً في الآخرة، وقيل: هو بمعنى الأمر، أي: يجب أن يكونوا يضحكون قليلاً ويبكون كثيراً في الدنيا، لِمَا وقعوا فيه. هـ.
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ أي: فإن ردك الله من الغزو إلى المدينة، وفيها طائفة من المتخلفين- يعني منافقيهم- وكانوا اثني عشر رجلاً ممن تخلف من المنافقين، وإنما لم يقل: إليهم لأن منهم من تاب من النفاق، وندم على التخلف، فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ معك إلى غزوة أخرى بعد تبوك، فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا عقوبة لهم، وفيها خزي وتوبيخ لهم، إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، يعني:
عن تبوك، وهو تعليل لعدم خروجهم معه في المستقبل، فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ أي: المتخلفين، أي: لعدم تأهلهم للجهاد كالنساء والصبيان.
الإشارة: من قلَّ إيقانه، وضعف نور إيمانه، فرح ببقائه، مع متابعة هواه وتيسير أمور دنياه، وكره ارتكاب مشاق المجاهدة، واقتحام حَر المخالفة والمكابدة، وثبط من رآه يروم تلك الوجهة، ويريد أن يتأهب لدخول ميدان تلك الحضرة فسيندم قريباً، حين يفوز الشجعان بحضرة الوصال، ويتأهلون لمشاهدة الكبير المتعال، ولا ينفع الندم وقد زلّت القدم، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ «1» . وبالله التوفيق.
ثم نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين، فقال:
[سورة التوبة (9) : الآيات 84 الى 85]
وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (84) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (85)
قلت: (أبداً) : ظرف لمات، أي: مات في مدة لا حياة بعدها فإن حياة الكافر للتعذيب، وهي كلا حياة.
يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ من المنافقين إذا مات على كفره، بحيث (مات أبداً) أي: موتة لا حياة بعدها. نزلت في عبد الله بن أبي رأس المنافقين، فإنه لما مرض، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يستغفر له ويكفنه في ثوبه الذي يلي جسده، ويصلي عليه، فلما مات أرسل قميصه ليُكفن فيه، وذهب ليصلي عليه، فنزلت. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تقدم للصلاة عليه جذبه جبريل بثوبه، وتلى عليه الآية
(1) الآيات 11- 13 من سورة الواقعة. [.....]
فانصرف، ولم يصلِّ عليه. وقيل: صلى عليه ثم نزلت. وفي البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تقدم للصلاة عليه جَذَبَهُ عمر، فقال: كيف تصلي عليه وقد نهاك ربك عن الصلاة على المنافقين؟ فقال: «إِنَّما خَيَّرَنِي
…
»
الحديث «1» .
قال البيضاوي: وإنما لم ينه عن التكفين في قميصه، ونهى عن الصلاة عليه لأن الضنة بالقميص كانت مُخِلة بالكرم، ولأنه كان مكافأة لإلباس العباس قميصه حين أُسر ببدر «2» ، والمراد من الصلاة: الدعاء للميت والاستغفار له، وهو ممنوع في حق الكافر، ولذلك رتب النهي على قوله:(مات أبداً) يعني: الموت على الكفر، فإن إحياء الكافرين للتعذيب، دون التمتع، فكأنه لم يحيى. هـ.
واستدل ابن عبد الحكم، بهذه الآية، على وجوب الصلاة على المؤمنين، وقرر اللخميُّ وجه الدليل منها بطريق النهي عن الشيء امر بضده لأن ضد النهي عن الصلاة أمر بها. وأبطله المازري قائلا: وإنا هو من دليل الخطاب، ومفهوم المخالفة، وبيان عدم صحة كونها من باب النهي عن الشيء، أَنَّ شرط ذلك اتحاد متعلق الأمر والنهي، كقولك لزيد: لا تسكن، ومعناه تحرك، ومتعلقهما هنا مختلف، فمتعلق النهي: المنافقون، ومتعلق الأمر:
المؤمنون. وكذا رد كونها دالة مفهوم المخالفة. انظر الحاشية الفاسية.
ثم قال تعالى: وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ أي: ولا تقف على قبره للدفن، أو الزيارة، ثم علل النهي فقال: إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا، والحال أنهم فاسِقُونَ خارجون عن دائرة الإسلام.
ثم نهى عن الاغترار بمالهم فقال: وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ، وقد تقدم، وإنما كرره للتأكيد، وهو حقيق به، فإن الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد، والنفوس مجبولة على حبهما، فكرر النهى عن الاغترار بهما، ويجوز أن تكون هذه فى فريق آخر غير الأول. والله تعالى أعلم.
(1) أخرجه البخاري فى (الجنائز، باب ما يكره من الصلاة على المنافقين) ومسلم فى (فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر) وتمام الحديث: «إنما خيرنى الله فقال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ.. الآية، وسأزيد على سبعين» فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله عز وجل: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ.
(2)
أخرج البخاري فى (الجهاد، باب الكسوة للأسارى) عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما- قال: (لمّا كَانَ يَوْمُ بدر أتى بالعباس، ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم له. قميصا، فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه، فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه، فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه) .