الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة، وأنه يقع في الكفر والبطر بأدنى شيء لأن الذوق: إدراك المطعم، والمس مبدأ الوصول إليه. هـ.
إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا على الضراء إيماناً بالله، واستسلاماً لقضائه، وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ شكراً لآلائه، سابقها ولا حقها، أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم، وَأَجْرٌ كَبِيرٌ أقلة الجنة، وغايته النظرة. والاستثناء مِن الإنسان لأنَّ المراد به الجنس. ومن حمله على الكافر- لسبق ذكرهم- جعله منقطعاً. والله تعالى أعلم.
الإشارة: ينبغي للعبد أن يكون شاكراً للنعم، صابراً عند النقم، واقفاً مع المنعم دون النعم. إن ذهبت من يدة نعمة رَجَى رجوعها، وإن أصابته نقمة انتظر انصرافها. والحاصل: أنه يكون عبد الله في جميع الحالات.
حُكي أن سيدنا موسى عليه السلام قال: يا رب دلني على عمل إذا عملته رضيت عني. قال: إنك لا تطيق ذلك، فخر موسى ساجداً متضرعاً، فقال: يا ابن عمران إن رضاي في رضائك بقضائي. هـ. وقال ابن عباس- رضى الله عنه- أول شيء كتبه الله في اللوح المحفوظ: أنا اللهُ لا إِله إلاّ أنا، محمد رسولي، فمن استسلم لقضائي، وصبر على بلائي، وشكر نعمائي، كتبته صديقاً، وبعثته مع الصديقين، ومن لم يستسلم لقضائي، ولم يَصْبِرْ على بَلائِي، ولم يشكر نعمائي، فليتخذ رباً سوائي. هـ. ورُوي عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: ثلاث من رزقهن رزق خير الدنيا والآخرة:
الرضا بالقضاء، والصبر على الأذى، والدعاء في الرخاء. هـ.
من جملة الأذى: التكذيب والإنكار، كما أبان ذلك بقوله تعالى لنبيه- عليه الصلاة والسلام:
[سورة هود (11) : الآيات 12 الى 14]
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلهَ إِلَاّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)
يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ، فلا تبلغه وهو ما فيه تشديد على المشركين، مخافة ردهم واستهزائهم به. ولا يلزم من توقع الشيء وقوعه. فالعصمة مانعة من ذلك. فالرسول- عليه الصلاة والسلام لم يترك شيئاً من الوحي إلا بلغه، ولكن الحق تعالى شجعه وحرضه على التبليغ في المستقبل. ولو قوبل بالإنكار.
ثم قال له: وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أي: ولعله يعرض لك في بعض الأحيان ضيق في صدرك، فلا تتلوه عليهم مخافة أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ ينفقه للاستتباع كالملوك، أو يستغني به عن طلب المعاش، أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ يشهد له، والقصد تسليته صلى الله عليه وسلم عن قولهم، حتى يُبلغ الرسالة ولا يبالي بهم. وإنما قال:
ضائِقٌ ليدل على اتساع صدره صلى الله عليه وسلم، وقلة ضيقه في الحال. إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي إليك، ولا عليك، ردوا أو اقترحوا، فلا يضيق صدرك بذلك. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ فتوكل عليه، فإنه عالم بحالهم ومجازيهم على أقوالهم وأفعالهم.
أَمْ بل يَقُولُونَ افْتَراهُ أي: ما يوحى إليه، قُلْ لهم: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ في البيان وحسن النظم. تحداهم أولاً بعشر سور، فلما عجزوا سهل الأمر عليهم وتحداهم بسورة. وتوحيد المثل باعتبار كل واحد. مُفْتَرَياتٍ مختلقات من عند أنفسكم، إن صح أني اختلقته من عند نفسي فإنكم عرب فصحاء مثلي.
وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ للمعاونه على المعارضة، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنه مفترى. فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فإن عجزوا عن الإتيان، فَاعْلَمُوا أيها الرسول والمؤمنون أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ بإذنه، أو بما لا يعلمه إلا الله من الغيوب. والمعنى: دوموا على إيمانكم، وزيدوا يقيناً فيه.
قال البيضاوي: وجمع الضمير إما لتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، أو لأن المؤمنين كانوا يتحدونهم، فكان أمر الرسول- عليه الصلاة والسلام متناولاً لهم من حيث إنه يجب اتباعه عليهم في كل أمر إلا ما خصّه الدليل. أو للتنبيه على أن التحدي مما يوجب رسوخ إيمانهم وقوة يقينهم. ولذلك رتب عليه قوله: فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله، لأنه العالم والقادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره. وَأَنْ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ لظهور عجز آلهتهم. فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟ ثابتون على الإسلام، راسخون مخلصون فيه، إذا تحقق عندكم إعجازه مطلقاً.
ويجوز أن يكون الكل خطاباً للمشركين، والضمير في يَسْتَجِيبُوا لمن استطعتم، أي: فإن لم يستجيبوا لكم، أي: من استعنتم به على المعارضة لعجزهم، وقد عرفتم من أنفسكم القصور عن المعارضة، فَاعْلَمُوا أنه نظم لا يعلمه إلا الله وأنه منزل من عنده، وأن ما دعاكم إليه من التوحيد حق، فهل أنتم داخلون في الإسلام بعد قيام الحجة القاطعة؟ وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب، والتنبيه على قيام الموجب، وزوال العذر. هـ. وقال في الوجيز: فإن لم يستجيبوا لكم من تدعون إلى المعاونة، ولا تهيأ لكم المعارضة، فقد قامت عليكم الحجة، فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ أي: أنزل والله عالم بإنزاله، وعالم أنه من عنده، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟ استفهام، معناه الأمر، كقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «1» . هـ.
(1) من الآية 91 من سورة المائدة. [.....]