الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال المحشي الفاسي: وحاصل ما أشار إليه: أن قراءة التخفيف تشير إلى أخذهم عن الوقوف مع الوعد، والسكون إليه، غيبةً في الحق عن مقتضى وعده، لا تكذيباً لوعده، بل ذلك احوالٌ غالبة آخذة عن الصفة، غيبةً في الموصوف. وهذا حال الصوفي كما يعرف ذلك أهله. وهو صحيح في نفسه ولكنه بعيد عن مرمى الآية فإن صاحب الغيبة لا يوصف بظن خلاف الوعد، وإن كان غائباً عنه. وأقرب منه ما ذكره الترمذي الحكيم: من أن ظن ذلك كان لظن فقد شرط في الموعود أوجب عدَم القطع لوقوع الوعد. والله أعلم.
وقد قال في الحِكم: «لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود، وإن تعين زمنه» . يعني أنه قد يتخلف لفقد شرط كما في قضية الجرْو الذي تخلف جبريل من أجله. أو لعدم تحقيق الوقت لأن تعيينه كان من قبل أنفسهم من غير وحي، فلما تأخر ظنوا ذلك بأنفسهم. والله تعالى أعلم. هـ.
والحاصل: أن الرسل- عليهم الصلاة والسلام- لما تأخر عنهم النصر هجس في أنفسهم تخلف الوعد خوفاً أن يكون متوقفاً على شرط لم يعلموه، أو جعلوا له وقتاً فهموه من أمارات، فلما تأخر عنه ظنوا أنه قد تخلف. وأما قضية الجرو الذي أشار إليها: فكان جبريل عليه السلام وعد نبينا صلى الله عليه وسلم أن يأتيه في وقت مخصوص، فدخل جرو البيت، فلم ينزل في ذلك الوقت، فلما نزل بعد ذلك، قال:«إنما تَخلَّفْنَا عن الوقت لأَنَّ الملائكة لا تَدخلُ بَيْتاً فيه كَلْبٌ» «1» . كما في الصحيح.
ثم قال تعالى:
[سورة يوسف (12) : آية 111]
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)
يقول الحق جل جلاله: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ أي: في قصص الأنبياء وأممهم، أو في قصة يوسف وإخوته، عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ: لذوي العقول الصافية الخالصة من شوائب الإلف والعادة، ومن الركون إلى الحس لأن الإخبار بهم على يد نبي أمي آية واضحة لمن تفكر بقلب خالص. ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى أي: ما كان القرآن حديثاً مُفترىً، وَلكِنْ كان تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب الإلهية، وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه في الدارين إذ ما من أمر ديني إلا وله مستند من القرآن بوسط، أو بغير وسط. وَهُدىً من الضلال، وَرَحْمَةً ينال بها خير الدارين، لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: يصدقون به، ويتدبرون في معانيه.
(1) أخرجه البخاري فى (كتاب اللباس/ باب: لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة) .
الإشارة: تفكر الاعتبار يشد عُروة الإيمان، وفكرة الاستبصار تشد عُروة الإحسان. قال في الحِكَم:«الفكرة فكرتان: فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان. فالأولى: لأهل التفكر والاعتبار، والثانية: لأهل الشهود والاستبصار» . ومرجع الاعتبار إلى خمسة أمور:
الأول: التفكر في سرعة انصرام الدنيا وانقراضها، وذهاب أهلها. قرناً فقرنا، وجيلاً فجيلاً. فيوجب ذلك الزهد في الدنيا، والإعراض عن زخارفها الغرارة، والتأهب للدار الباقية.
الثاني: التفكر في الدار الباقية، ودوام نعيمها، أو عذابها. وذلك مرتب على السَّعْي في هذه الدار، فيوجب ذلك انتهاز الفرصة في الأعمال، واغتنام الأوقات والساعات قبل الفوات.
الثالث: التفكر في النِعَم التي أنعم الحق- تعالى- بها على الإنسان إما ظاهرة كالعافية فى البدن، والرزق الحلال، وما يتبع ذلك مما لا يحصى قال تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها «1» . وإما باطنة: كنعمة الإسلام والإيمان، وصحيح العرفان، والاستقامة في الدين، ولا سيما إن رزقه الله من يأخذ بيده من شيخ عارف. فهذه نعمة عظمى قَلَّ من يسقط عليها. فيوجب له ذلك الشكر الذي هو أعلى المقامات، ومتكفِّل بالزيادات، قال تعالى:
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ «2» .. ولا يعرف العبد ما عليه من النعم إلا بالتفكر في أضدادها، والنظر إلى أهل البلاء.
الرابع: التفكر في عيوبه ومساوئه، لعله يسعى في تطهيرها، أو يشتغل بها عن عيوب غيره.
الخامس: التفكر فيما أظهر الله تعالى من أنواع المكونات، وضروب المصنوعات فيعرف بذلك جلالة الصانع، وعظيم قدرته، وإحاطة علمه، وحكمته. فإن اتصل بشيخ عارف غيَّبه عنها بشهود مكونها.
وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.
(1) من الآية 34 من سورة إبراهيم..
(2)
من الآية 7 من سورة إبراهيم.