الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: ومَن كان الله همُّه كفاه هَم الدارين. فطالبُ الدنيا أسير، وطالب الآخرة أجير، وطالب الحق أمير. فارفع همتك أيها العبد عن الدار الفانية، وعلق قلبك بالدار الباقية، ثم ارفعها إلى شهود الذات العالية، ولا تكن ممن قصرَ همته على هذه الدار فتكن ممن ليس له في الآخرة إلا النار. وحصّن أعمالك بالإخلاص، وإياك وملاحظة الناس فتبوأ بالخيبة والإفلاس، وبالله التوفيق.
ثم ذكر ضد من تقدم، فقال:
[سورة هود (11) : آية 17]
أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (17)
قلت: (أفمن كان) : مبتدأ، والخبر محذوف، أي: كمن كان يريد الدنيا وزينتها.
يقول الحق جل جلاله: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ، طريقة واضحة مِنْ رَبِّهِ وهو النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، كمن ليس كذلك، ممن همه الدنيا؟! والمراد بالبينة: ما أدرك صحتَه العقلُ والذوقُ، أي: على برهان واضح من ربه، وهو الدليل العقلي والأمر الجلي. أو برهان من الله يدله على الحق والصواب فيما ياتيه ويذره، وَيَتْلُوهُ ويتبع ذلك البرهان- الذي هو دليل العقل، شاهِدٌ مِنْهُ أي: من الله يشهد بصحته، وهو: القرآن، لأنه مصباح البصيرة والقلب فهو يشهد بصحة ما أدركه العقل من البرهان.
وَمِنْ قَبْلِهِ أي: مِن قبل القرآن، كِتابُ مُوسى يعنى: التوراة، فإنها أيضاً متلوة شاهدة بما عليه الرسول ومن تبعه من البينة الواضحة. أو البينة: القرآن، والشاهد: جبريل عليه السلام، أو عَلِيٌّ- كرم الله وجهه-، أو الإنجيل. وهو حسن، لقوله: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى فإن التوراة قبل الإنجيل. قال ابن عطية: وهنا اعتراض وهو أن الضمير فى «قبله» عائد على القرآن، فَلِمَ لَمْ يذكر الإنجيل- وهو قبله- بينه وبين كتاب موسى؟
فالانفصال عنه: أنه خَصَّ التوراة بالذكر لأن الملّتين متفقتان على أنها «1» من عند الله، والإنجيل قد خالف فيها.
فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة على الكتابين أولى. وهذا كقول الجن: إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى «2» . وقول النجاشي: «إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاه واحدة» . هـ. وإذا فسرنا الشاهد بالإنجيل سقط الاعتراض.
(1) فى ابن عطية: مجتمعتان أنهما.
(2)
من الآية 30 من سورة الأحقاف.
ثم وصف التوراة بقوله: إِماماً. أي: مؤتماً به في الدين، لأجله، وَرَحْمَةً على المنزل عليهم.
أُولئِكَ أي: من كان على بينة من ربه، يُؤْمِنُونَ بِهِ أي: بالقرآن، وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ:
كأهل مكة، ومن تحزب منهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ يدخلها لا محالة، فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ شك مِنْهُ أي: من ذلك الموعد، أو القرآن، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ الثابت وقوعه، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ لقلة نظرهم، وإخلال فكرتهم.
الإشارة: لا يكون العبد على بينة من ربه حتى يتحقق فيه أمران، أولهما: التوبة النصوح، والثاني: الزهد التام. فإذا تحقق فيه الأمران كان على بينة من ربه. وهي درجات أولها: بينة ناشئة عن صحيح النظر والاعتبار، وهي لقوم نظروا في الحجج والبراهين العقلية والدلائل السمعية، فأدركوا وجود الحق من طريق الإيمان بالغيب، وهم: أهل الدليل والبرهان. وثانيها: بينة ناشئة عن الرياضات والمجاهدات والاعتزال في الخلوات، فخرقت لهم العوائد الحسيات فرأوا كرامات وخوارق عادات، فأدركوا وجود الحق على وجه التحقيق والبيان، مع رقة الحجاب والوقوف بالباب. وهم: العُبّاد، والزهاد، والصالحون من أهل الجد والاجتهاد. وثالثها: بينة ناشئة عن الذوق والوجدان، والمكاشفة والعيان، وهي لقوم دخلوا في تربية المشايخ، فتأدبوا وتهذبوا، وشربوا خمرة غيبتهم عن حسهم ورسمهم فغابوا عن الأكوان بشهود المكون. فهم يستدلون بالله على غيره. قَدَّّسُوا الحق أن يحتاج إلى دليل، وهؤلاء هم الأفراد وخواص العباد، وإليهم أشار الشاعر بقوله:
الطُّرقُ شَتَّى وطَريقُ الحَقِّ مُقفِرَةٌ
…
والسَّالكون طَريق الحقّ أَفرادُ
لا يُعرفُون ولا تُدرَى مَسالِكُهم
…
فهم على مَهَلٍ يَمشُونَ قُصّادُ
والنَّاسُ في غفلة عما يراد بِهِم
…
فَجُلُّهم عَن سَبِيل الحَقِّ رُقَّادُ
وقال في القوت: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ أي: من شهد مقام الله- عز وجل بالبيان، فقام له بشهادة الإيقان، فليس هذا كمن زُين له سُوء عمله، واتبع هواه، فآثره على طاعة مولاه. بل هذا قائم بشهادته، متبع لشهيده، مستقيم على محبة معبوده. هـ. وقال الورتجبي: تقدير الآية على وجه الاستفهام: أفمن كان على بينة من ربه كمن هو في الضلالة والجهالة؟ أفمن كان على معرفة من ربه، وولاية وسلامة وكرامة، وكل عارف إذا شاهد الحق سبحانه بقلبه وروحه، وعقله وسره، فأدرك فيض أنوار جماله، وقربه، يؤثر ذلك في هيكله حتى يبرز من وجهه نور الله الساطع، ويراه كل صاحب نظر، قال تعالى: وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ، والبينة: بصيرة المعرفة، والشاهد: بروز نور المشاهدة منه. وأيضاً: البينة: كلام المعرفة. والشاهد: الكتاب والسنة. ثم قال عن الجنيد: البينة:
حقيقة يؤيدها ظاهر العلم. هـ.