الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد ثبتَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَيْسَ الغِنى بكَثرةِ العَرَض، إنما الغِنى غِنى النَّفس» . وغنى النفس عن الدنيا:
شرف الأولياء المختارين، وعز أهل التقوى المؤمنين المحسنين. ولقد صدق قول الشاعر:
غِنَى النَّفسِ ما يُغنِيكَ عنْ سَد خُلَّةٍ
…
فإن زِدتَ شَيئاً عَادَ ذَلك الغِنى فَقْرا.
وقد قيل: من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أعمى الله عيني قلبه. وقالت الجارية المجنونة لعبد الواحد بن زيد: يا عبد الواحد، اعلم أن العبد إذا كان في كفاية، ثم مال إلى الدنيا، سلبه الله حلاوة الزهد، فيظل حيراناً والِهاً، فإن كان له عند الله تعالى نصيب، عاتبه وحيا في سره، فقال: عبدي أردتُ أن أرفع قدرك عند ملائكتي وحملة عرشي، وإجعلك دليلاً لأوليائي وأهل طاعتي في أرضي، فملت إلى عرض من أعراض الدنيا وتركتني فورثتك بذلك الوحشة بعد الأنس، والذل بعد العز، والفقر بعد الغنى، عبدي ارجع إلى ما كنت عليه، أرجعْ بك إلى ما كنت تعرفه. هـ. وقد تقدمت الحكاية. وفي بعض الكتب: إن أهون ما أصنع بالعالِمِ، إذا مال إلى الدنيا أن أسلبه حلاوة مناجاتي. هـ.
ثم ذم المنافقين بعيب آخر، فقال:
[سورة التوبة (9) : الآيات 79 الى 80]
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (80)
قلت: (الذين) : مبتدأ حُذف خبره، أي: منهم الذين، أو خبر عن مبتدأ، أو منصوب على الذم، أو بدل من ضمير سرهم. وأصل المطوعين: المتطوعين، فأدغمت التاء في الطاء، و (جهدهم) : مصدر جهد في الأمر: بالغ فيه.
يقول الحق جل جلاله: ومنهم الَّذِينَ يَلْمِزُونَ أي: يعيبون الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ، روى أنه صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهم، وقال: كان لي ثمانية آلافٍ، فأقرضت ربي أربعة، وأمسكت لعيالي أربعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«بارك الله لك فيما أَعطَيت وفيما أمْسَكْتَُ» .
فبارك الله له حتى صالحته إحدى زوجتيه عن نصف الثمن على ثمانين ألف درهم. وتصدق عاصم بن عدي بثمانية أوسق تمراً، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع تمر، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَنْثُرَه على تمر الصدقات،
فلمزَهم المنافقون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياءً، ولقد كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل، فنزلت الآية «1» .
ونزلت في أبي عقيل: وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ إلا طاقتهم، فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ يستهزءون بهم. قال تعالى: سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ جازاهم على سخريتهم، كقوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ «2» ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ على كفرهم.
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، يريد به التساوي بين الأمرين في عدم الإفادة، كما نص عليه بقوله:
إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، رُوي إنَّ عبد الله بن عبد الله بن أبي- وكان من خيار المسلمين- سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مرض أبيه، أن يستغفر له، ففعل، فنزلت: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ «3» ، وذلك لأنه- عليه الصلاة والسلام فَهِمَ من السبعين العدد المخصوص، وقال:
ولو علمت أني إن زدت على السبعين غُفِر له، لزدت «4» ، فبيَّنَ له أن المراد به التكثير، دون التحديد، وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة في التكثر لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد، فكأنه العدد بأسره قاله البيضاوي.
ذلِكَ أي: عدم قبول استغفارك بسبب أنهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي: ليس لبُخل منا، ولا تقصير في حقك، بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف عنها. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ المتمردين في كفرهم، وهو كالدليل على الحكم السابق، فإن مغفرة الكافر بالإقلاع عن الكفر، والإرشاد إلى الحق، والمنهمك في كفره، المطبوع عليه، لا ينقلع ولا يهتدي، والتنبيه على عذر الرسول في استغفاره، وهو عدم يأسه من إيمانهم، ما لم يعلم أنهم مطبُوعون على الضلالة، والممنوع هو الاستغفار بعد العلم لقوله: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
…
الآية «5» . قاله البيضاوي.
الإشارة: من نصب الميزان على المؤمنين فيما يصدر منهم، أو على الصالحين أو الأولياء فيما يظهر عليهم، حتى يسخر منهم، سخر الله منه، وأبعده من رحمته، فلا تنفع فيه شفاعة الشافعين ولا استغفار المستغفرين. وفى
(1) ذكره الواحدي فى أسباب النزول (260) عن قتادة.
(2)
من الآية 15 من سورة البقرة.
(3)
من الآية 6 من سورة المنافقون.
(4)
أخرجه بسياق آخر، البخاري فى (تفسير سورة التوبة) . ومسلم فى (فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر) عن ابن عمر.
(5)
الآية 113 من سورة التوبة.