الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: (ما أغنى) : استفهامية أو نافية، و (ما كنتم) : مصدرية، و (ادخلوا) : محكي بقول محذوف، أي: قيل لهم ادخلوا
…
الخ.
يقول الحق جل جلاله: وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا من رؤساء الكفرة، يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ بعلامة فيهم من سوء حالهم، قالُوا لهم: ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ أي: كثرتكم، أو جمعكم للمال، شيئًا أو أيّ شيء أغنى عنكم جمعكم، وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ؟ أي: واستكباركم؟ أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ وهم ضعفاء المسلمين الذين كانت الكفرة تستحقرهم في الدنيا، ويحلفون أن الله لا يدخلهم الجنة، قد قيل لهم: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ. أو تقول الملائكة لأهل الأعراف: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ، بعد أن حُبسوا على الأعراف حتى أبصروا الفريقين وعرفوهم، وقالوا لهم ما قالوا، تفضل الله عليهم، فقيل لهم: ادخلوا الجنة.
وقيل: لما عيَّر أصحابُ الأعراف أهل النار، أقسموا- أي: أهل النار- أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة، فقال لهم الله تعالى: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، ادْخُلُوا يا أهل الأعراف الْجَنَّةَ. والله تعالى أعلم.
الإشارة: أصحاب الأعراف: قوم من الصالحين حصل لهم محبة القوم، ليسوا من عوام أهل اليمين ولا من خواص المقربين، فإذا نظروا إلى أهل الطعن على الفقراء المتوجهين، والترفع عليهم، قالوا لهم: ما أغنى عنكم جمعكم واستكباركم، أهؤلاء الذين كنتم تطعنون عليهم، وأقسمتم أنهم ليسوا على شيء؟ قد قيل لهم: ادخلوا جنة المعارف لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، وأنتم حصل لكم الخيبة، والحرمان، والأسر في أيدي النفوس، والحصر في سجن الأكوان. عائذاً بالله من ذلك.
ثم ذكر استغاثة أهل النار بأهل الجنة، فقال:
[سورة الأعراف (7) : الآيات 50 الى 53]
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (51) وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (53)
قلت: (هدى ورحمة) : حال من مفعول (فصَّلناه)، (فيشفعوا) : جواب الاستفهام، (أو نُرد) بالنصب: عطف عليه، وبالرفع: استئناف، فعلى الأول: المسئول أحد الأمرين إما الشفاعة أو الرد، وعلى الثاني: المسئول الشفاعة فقط.
يقول الحق جل جلاله: وَنادى، يوم القيامة، أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا أي:
صبوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ، وفيه دليل على أنَّ الجنة فوق النار، أو: صبوا علينا مما رزقكم الله من سائر الأشربة، ليلائم قوله أَفِيضُوا، أو: من الطعام على حذف الفعل، أي: أو أعطونا مما رزقكم الله، قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ، أي: منعهما عنهم، الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً كتحريم البحائر والسوائب، والتصدية حول البيت، والطواف به عريانًا، وغير ذلك مما أحدثوه، واللهو: صرف القلب إلى ما لا يحصل به نفع أخروي. واللعب: طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به لخلوه عن منفعة دينية، وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا بأن أنستهم القيامةَ، فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا، والكاف: للتعليل، أي: ننساهم لأجل نسيانهم لقاء يومهم هذا، فلم يخطروه ببالهم، ولم يستعدوا له، وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ أي: نُهملهم لأجل إهمالهم الاستعداد للقاء، وإهمالهم آياتنا حتى جحدوا أنها من عند الله.
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ أي: بيَّنا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ، مفصلةً عَلى عِلْمٍ، أي: عالِمين بوجه تفصيله حتى جاء في غاية الإتقان، هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فإنهم المنتفعون بهدايته ورحمته دون غيرهم.
هَلْ يَنْظُرُونَ أي: ما ينتظر الكفار به إِلَّا تَأْوِيلَهُ، أي: ما يئول إليه أمره من تبين صدقه، بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد، بقيام الساعة وما بعدها، يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ بظهور ما نطق به، يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ، ولم يؤمنوا به: قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ أي: قد تبين أنهم جاءوا بالحق، وحصل لهم اليقين حيث لم ينفع، ثم طلبوا من يشفع فيهم فقالوا: فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا اليوم، أَوْ نُرَدُّ أي:
وهل نرد إلى الدنيا فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ فنستبدل الكفر بالإيمان، والعصيان بالطاعة والإذعان، أو:
فيشفعوا لنا في أحد الأمرين: إما السلامة من العذاب، أو الرد إلى الدنيا فنستبدل الكفر بالإيمان. قال تعالى:
قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي: بخسوها بسوء أعمالهم وكفرهم، وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي: غاب عنهم افتراؤهم فلم ينفعهم.