الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي الآية دليل على جواز الدعاء على الظالم بالمعصية، أو الكفر، وقد فعله سعد بن أبي وقاص على الذي شهد فيه بالباطل، ووجْهُ جوازه مع استلزامه وقوع المعاصي: أنه لم يُعتبر من حيث تاديته إلى المعاصي، ولكن من حيث تأديته إلى نِكاية الظالم وعقوبته، وهذا كما قيل في تمني الشهادة أنه مشروع، وإن كان يؤدي إلى قتل الكافر للمسلم، وهو معصية ووهن في الدين، ولكن الغرض من تمنى الشهادة ثوابُها، لا نفسها.
قالَ تعالى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما يعني موسى وهارون، وكان يُؤمِّن على دعاء أخيه، فَاسْتَقِيما أي: اثبتا على ما أنتما عليه من الاستقامة والدعوة وإلزام الحجة، ولا تستعجلا، فإن ما طلبتما كائن ولكن في وقته، روي أنه مكث فيهم بعد الدعاء أربعين سنة، وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ: طريق الجهلة في استعجال الأشياء قبل وقتها، أو في عدم الوثوق والاطمئنان بوعدنا، وقرأ ابن ذكوان:«ولا تتبعان» بالنون الخفيفة وكسرها لالتقاء الساكنين، وهو قليل، قال ابن مالك:
وَلم تَقَعْ خَفِيفَةٌ بَعدَ الأَلفْ «1» .
ويحتمل أن تكون نون الرفع، و «لا» نافية، أي: والأمر لا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون.
الإشارة: دعاء الأولياء على الظالم مشروع بعد الإذن الإلهامي على ما يفهمونه، وقد مكث الشيخ أبو الحسن سنين لم يدع على ابن البراء «2» حتى كان سنة في عرفة، فقال: الآن أًذن لي في الدعاء على ابن البراء.... الخ.
فإن لم يكن إذن فالصبر أوْلى، بل الأولى الدعاء له بالهداية، حتى يأخذ الله بيده وهذا مقام الصديقين، فإذا وقع الدعاء مطلقاً وتأخرت الإجابة فلا يستعجل، فيكون تبع سبيل الذين لا يعلمون، وفي الحكم:«لا يكن تأخرُ أمدِ العطاءِ مع الإلحاحِ في الدعاء موجباً ليأسك، فقد ضمن لك الإجابة فيما يختار لك لا فيما تختار أنت لنفسك، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد» ، وقال أيضاً:«لا يشككنك في الوعد عدم وقوع الموعود وإن تعين زمنه لئلا يكون ذلك قَدْحاً في بصيرتك، وإخماداً لنور سريرتك» . وبالله التوفيق.
ثم أجاب دعاءهما، فقال:
[سورة يونس (10) : الآيات 90 الى 92]
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَاّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (92)
(1) عجز البيت: لكن شديدة وكسرها ألف.
(2)
هو أبو القاسم ابن البراء، قاضى تونس عند دخول الشيخ الشاذلى إليها. وقد رأى ابن البراء إقبال الناس على الشاذلى، فسعى فى الكيد له واتهامه عند السلطان بالعمل على قلب نظام الحكم. ولكن الله نجاه من كل هذه المكائد.
قلت: (فأتبعهم) أي: تبعهم، يقال: تبع وأتبع، لغتان.
يقول الحق جل جلاله: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ أي: جوزناهم في البحر يبساً حتى بلغوا الشط الآخر حافظين لهم. رُوِي أن بني إسرائيل حين جاوزوا البحر كانوا ستمائة ألف، وكان يعقوب عليه السلام قد دخل مصر في نيف وسبعين من ذريته، فتناسلوا حتى بلغوا وقت موسى العدد المذكور.
فَأَتْبَعَهُمْ: فأدركهم فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، رُوي أنهم كانوا ثمانمائة ألف أدهم، سوى ما يناسبها من أواسط الخيل. تبعهم بَغْياً وَعَدْواً: باغين وعادين عليهم. مستمراً على بغيه حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ أي: بأنه لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فآمن حين لا ينفع الإيمان بمعاينة الموت، ومن قال بصحة إيمانه فغلطٌ كالحاتمي «1» فإنه قال في الفصوص: إنه من الناجين، وذلك من جملة هفواته.
قال تعالى لفرعون: آلْآنَ أي: أتؤمن الآن وقد أيست من نفسك، وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ مدة عمرك وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ: الضالين المضلين، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ أي: ننقذك مما وقع فيه قومك من قعر البحر، ونجعلك طافياً على وجه الماء، أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك الناس، فيتحققوا بغرق من معك، حال كونك بِبَدَنِكَ عارياً عن الروح، أو عرياناً بلا لباس، أو بدرعك، وكانت له دُروع من ذهب يعرف بها، وكان مظاهراً بينها.
لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً: لمن وراءك علامة يعرفون أنك من الهالكين، والمراد: بنو إسرائيل إذ كان فى نفوسهم من عظمته ما خيّل إليهم أنه لا يهلك، حتى كذبوا موسى عليه السلام حين أخبرهم بغرقه، إلى أن عاينوه منطرحاً على ممرهم من الساحل، أو لمن يأتي بعدك من القرون إذا سمعوا مآل امرك، فيكون ذلك عبرة ونكالاً للطغْيان، أوْ حجة تدلهم على أن الإنسان على ما كان عليه من عظيم الشأن وكبرياء الملك مملوك مقهور، بعيد عن مظانِّ الربوبية، أو آية تدل على كمال قدرته وإحاطة علمه وحكمته، فإن إفراده بالإلقاء إلى الساحل دون غيره يفيد أنه مقصود لإزاحة الشك في أمره.
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها، والإخبار بهذا الأخذ الذي وقع في قعر البحر من أعلام النبوة إذ لا يمكن أن يخبر بها إلا عَلَاّم الغيوب الذي لا يخفى عليه شيء، ولا يخلو منه مكان. والله تعالى أعلم.
(1) أيّ: الشيخ محيى الدين بن عربى. [.....]