الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فالشفقة التي تؤدي إلى معارضة القدر لا تليق بأهل الأقدار، وفي الحِكَم «ما تَركَ من الجهل شيئا مَن أراد أن يحدث في الوقت غيرَ ما أظهره الله» . ولهذا قالوا: الشفقة لا تليق بالأولياء.
قال جعفر الصادق- رحمه الله: ست خصال لا تحسن بستة رجال: لا يحسن الطمع في العلماء، ولا العجلة في الأمراء، ولا الشح في الأغنياء، ولا الكبر في الفقراء، ولا الشفقة في المشايخ، ولا اللؤم في ذوي الأحساب. وقولنا:
الشفقة لا تليق بالأولياء، يعني إذا تعين مراد الله، أو إذا ظهرت المصلحة في عدمها، كأمر الشيخ المريد بما تموت به نفسه، فإذا كان الشيخ يحن على الفقراء في هذا المعنى لا تكمل تربيته. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر قصة هلاك لوط، فقال:
[سورة هود (11) : الآيات 77 الى 83]
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (79) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَاّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)
قلت: «سيء» : مبني للمفعول، صله: سوىء، نُقلت حركة الواو إلى السين بعد ذهاب حركتها، ثم قلبت الواو ياء. و (ذرعاً) : تمييز محول عن الفاعل، أي: ضاق ذرعه، وهو كناية عن شدة الانقباض عن مدافعة الأمر المكروه، وعجزه عن مقاومته. و (لو أن لي بكم قوة) : إما للتمني فلا جواب له، أو محذوف، أي: لدفعت.
وفي (أَسْرَ) لغتان: قطع الهمزة، من الإسراء، ووصلها من السّرى، وقرىء بهما معاً، و (إلا امرأتك) بالرفع بدل من (أحد)، وبالنصب منصوب بالاستثناء من (فأسر بأهلك) . ومنشأ القراءتين: هل أخرجها معه، فالتفت أم لا؟
فمن رفع ذهب إلى أنه أخرجها. ومن نصب ذهب إلى أنه لم يسر بها، وهما روايتان.
يقول الحق جل جلاله: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا، وهم الملائكة المتقدمون، لُوطاً سِيءَ بِهِمْ ساءه مجيئهم لأنهم أتوه في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن أنهم بشر، فخاف عليهم من قومه أن يقصدوهم للفاحشة، ولا يقدر على مدافعتهم، وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً أي: ضاق صدره بهم، وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ:
شديد، من عصبه: إذا شده، ورُوي أن الله تعالى قال لهم: لا تهلكوا قومه حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم منطلقاً بهم إلى منزله، قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله أنها شرُّ قرية في الأرض عملاً. قال ذلك أربع مرات. فدخلوا منزله، ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته فأخبرتهم، وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ يُسرعون إِلَيْهِ كأنهم يُدفعون إليه دفعاً، لطلب الفاحشة من أضيافه. وَمِنْ قَبْلُ ذلك الوقت كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الفواحش، كاللواطة وغيرها، مستمرين عليها مجاهرين بها، حتى لم يستحيوا، وجاءوا يهرعون إليها.
قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي تزوجوهن، وكانوا يطلبونهن قبل، فلا يجيبهم لخبثهم، وعدم كفاءتهم، لا لحرمة المسلمات على الكفار، فإنه شرع طارئ قال ابن جزي: وإنما قال لهم ذلك ليقي أضيافه ببناته. قيل: إن اسم بناته، الواحدة: ريثا، والأخرى: غوثاً. هـ. ولم يذكر الثالثة، فعرضهن عليهم «1» ، وقال: هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ أحل لكم، أو أقل فحشاً، كقولك: الميتة أطيب من المغصوب، فَاتَّقُوا اللَّهَ بترك الفواحش، وَلا تُخْزُونِ لا تفضحوني فِي ضَيْفِي في شأنهم، فإن افتضاح ضيف الرجل خزي له. أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ عاقل يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح.
قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ من حاجة، وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ وهو إتيان الذكران، قالَ لَوْ أَنَّ لِي ليت لي بِكُمْ قُوَّةً طاقة على دفعكم بنفسي، أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ أو ألجأ إلى أصحاب أو عشيرةٍ يحمونَني منكم، شبه ما يتمتع بهم بركن الجبل في شدته، قال صلى الله عليه وسلم:«رَحِمَ اللَّهُ أَخي لُوطاً لقد كَانَ يأوي إِلى رُكنٍ شَديدٍ» «2» يعني: الله تعالى.
(1) قال مجاهد وغيره: إن المراد ببناته عليه السلام نساء أمته، وأضافهم إليه لأن كل نبى أب لأمته. [.....]
(2)
أخرجه البخاري فى (أحاديث الأنبياء، باب: «ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون» ) .
رُوي أنه أغلق بابه دون أضيافه، وأخذ يجادلهم من وراء الباب، فتسوروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب، قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ: لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا، فهون عليك ودَعْنا وإياهم. فخلاهم، فلما دخلوا ضرب. جبريل عليه السلام بجناحيه وجوههم، فطمس أعينهم، وأعماهم، فخرجوا يقولون: النجاء النجاء في بيت لوط سحرة، فقالت الملائكة للوط عليه السلام: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ سِر بهم بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ: بطائفة منه، وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ: لا يتخلف، أو لا ينظر إلى ورائة لئلا يرى ما يهوله.
والنهي في المعنى يتوجه إلى لوط، وإن كان في اللفظ مسنداً إلى أحد.
إِلَّا امْرَأَتَكَ، اسمها: واهلة. أي: فلا تسر بها، أو: ولا ينظر أحد منكم إلى ورائه إلا امرأتك فإنها تنظر.
رُوي أنها خرجت معه، فلما سمعت صوت العذاب التفتت وقالت: يا قوماه، فأدركها حجر فقتلها، ولذلك قال:
إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ من العذاب، إِنَّ مَوْعِدَهُمُ وقت الصُّبْحُ في نزول العذاب بهم، فاستبطأ لوط وقتَ الصبح، وقال: هلا عُذبوا الأن؟ فقالوا: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ.
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا عذابنا، أو أمرنا به، جَعَلْنا مدائنهم عالِيَها سافِلَها، رُوي أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائنهم، ورفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب، وصياح الديكة، ثم قلبها بهم.
وَأَمْطَرْنا عَلَيْها على المدائن، أي: أهلها، أو على ما حولها. رُوي أنه من كان منهم خارجَ المدائن أصابته الحجارة من السماء، وأما من كان في المدائن، فهلك لمّا قلبت. فأرسلنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ: من طين طبخ بالنار، أو من طين متحجر كقوله: حِجارَةً مِنْ طِينٍ «1» ، وأصلها: سنكِين «2» ، ثم عرب، وقيل: إنه من أسجله إذا أرسله، أي: من مثل الشيء المرسل، وقيل: أصله من سجين، أي: جهنم، ثم أبدلت نونه لاماً، مَنْضُودٍ: مضموم بعضه فوق بعض، معداً لعذابهم، أو متتابع يتبع بعضه بعضاً في الإرسال، كقطر الأمطار.
مُسَوَّمَةً أي: معلمة للعذاب، وقيل: معلمة ببياض وحمرة، أو بسيما تتميز به عن حجارة الأرض، أو باسم من يرمي به فكل حجارة كان فيها اسم من ترمى به، وقوله: عِنْدَ رَبِّكَ، أي: في خزائن علمه وقدرته، وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ، بل هي قريبة من كل ظالم.
قال ابن جزي: الضمير للحجارة، والمراد بالظالمين: كفار قريش، فهذا تهديد لهم، أي: ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم، وقيل: الضمير للمدائن، أي: ليست مدائنهم ببعيد منهم أفلا يعتبرون بها. كقوله:
(1) من الآية 33 من سورة الذاريات.
(2)
فى البيضاوي: «سنك كل» .