الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
استمالتهم والإحسان إليهم. أو: لعلهم يعرفون البضاعة، ولا يستحلون متاعنا فيرجعون به إلينا، وضعف هذا ابن عطية، فقال: وقيل: قصد يوسف برد البضاعة أن يتحرجوا من أخذ الطعام بلا ثمن فيرجعوا لدفع الثمن. وهذا ضعيف من وجوه. ثم قال: ولسرورهم بالبضاعة، وقولهم: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا، يكشف أن يوسف لم يقصد هذا، وإنما قصد أن يستميلهم ويصلهم كما تقدم.
الإشارة: قوله: فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، كذلك أهل الخصوصية من أهل مقام الإحسان، يعرفون مقامات أهل الإيمان ومراتبهم، وأهل مقام الإيمان ينكرونهم ولا يعرفون مقامهم، كما قال القائل:
تَرَكْنَا البُحور الزَّخراتِ ورَاءنا
…
فَمِن أَينَ يَدْرِِي النَّاسُ أين تَوَجَّهْنَا؟
فكلما علا بالولي المقام خفي عن الأنام، ولا يعرف مراتب الرجال إلا من دخل معهم، وشرب مشربهم، وإلا فهو جاهل بهم. وقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي: كذلك الحق- جل جلاله يقول لعبده: ائتني بقلبك، فإن لم تأتني به فلا أقبل طاعتك، ولا تقرب إلى حضرتي. قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلَى صُوَرِكُم ولَا إلى أَعْمَالِكُمْ، وإنَّمَا يَنظُرُ إلَى قُلوبِكُم ونيَّاتِكُم» . أو كما قال- عليه الصلاة والسلام.
وقوله تعالى: سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ: كذلك ينبغي للعبد أن يحتال على قلبه حتى يرده إلى ربه وذلك بقطع العلائق، والفرار من الشواغل والعوائق، حتى تشرق عليه أنوار الحقائق.
وقوله تعالى: اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ
…
الآية. كذلك ينبغي للواعظ والمذكر أن يبشر الناس، وينمي بضاعتهم، وهو: الإيمان والمحبة لله ومعرفته، ويجعلها في قلوبهم بحسن وعظه، ونور حاله، فيكون ممن ينهض الناس حاله، ويدل على الله مقاله. ولا يقنط الناس ويفلسهم من الإيمان والمحبة، بل ينبغي أن يجمع بين التبشير والتحذير، والترغيب والترهيب، ويغلب جانب الترغيب بذكر إحسان الله وآلائه.. لعلهم يعرفون ذلك إذا انقلبوا إلى أسبابهم، لعلهم يرجعون إلى الله في غالب أحوالهم. وبالله التوفيق.
ثم ذكر رجوعهم من مصر إلى أبيهم، فقال:
[سورة يوسف (12) : الآيات 63 الى 67]
فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (63) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَاّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (66) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)
قلت: (نكتل) : أصله: نَكْتَيِِل، بوزن نفتعل، من الكيل، قلبت الياء ألفاً لتحرك ما قبلها، ثم حذفت للساكنين.
و (حفظاً) : تمييز، ومن قرأ بالألف فحال، كقوله: لله دره فارساً. أو تمييز، وهو أرجح. و (ما نبغي) : استفهامية، أو نافية. و (نمير أهلنا) : عطف على محذوف، أي: ردت فنستظهر بها ونمير
…
الخ. قال في القاموس: مار يَمير بالكسر: جَلَب الطعام. هـ. و (إلا أن يحاط) : استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي: لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم.
يقول الحق جل جلاله: فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ أي: حكم بمنعه بعد هذا، إن لم نذهب بأخينا بنيامين، فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ أي: نرفع المانع من الكيل، ونكتل ما نحتاج إليه. وقرأ الأخوان بالياء: يكتل لنفسه، فنضم اكتياله إلى اكتيالنا، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ من أن يناله مكروه. قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ أي: ما آمَنكم عليه إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ، وقد قلتم في يوسف: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ، فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً «1» فأثق به، وأفوض أمري أليه، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فأرجو أن يرحمني بحفظه، ولا يجمع عليّ مصيبتين.
وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ: أوعيتهم، وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي أي: ما نطلب، فهل من مزيد على هذه الكرامة، أكرمنا وأحسن مثوانا، وباع منا، ورد علينا متاعنا، ولا نطلب وراء ذلك إحساناً.
أو: ما نتعدى في القول، ولا نزيد على ما حكينا لك من إحسانه. أو: ما نبغي على أخينا، ولا نكذب على الملك.
هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا، هو توضيح وبيان لقولهم: ما نَبْغِي، أي: ردت إلينا فنتقوى بها. وَنَمِيرُ أَهْلَنا
(1) قراءة حمزة والكسائى وحفص: «حافظا» بالألف، وقرأ الآخرون: حفظا بغير الألف، على المصدر، انظر الإتحاف (2/ 150) .
: نسوق لهم الميرة- وهو: الطعام حين نرجع إلى الملك، وَنَحْفَظُ أَخانا من المكاره في ذهابنا وإيابنا.. وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ بزيادة حِمل بعير أخينا، إذ كان يوسف عليه السلام لا يعطي إلا كيل بعير لكل واحد.
ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ أي: ذلك الطعام الذي أتينا به شيء قليل لا يكفينا حتى نرجع ويزيدنا كيل أخينا. أوْ ذلك الحِمل الذي يزيدنا لبعير أخينا- كيل قليل عنده، يسهل عليه لا يتعاظمه، فلا يمنعنا منه. كأنهم اسْتَقَلَّوا ما كيل لهم فأرادوا أن يضاعفوه بالرجوع إلى الملك، ويزدادوا إليه ما يكال لأخيهم. وقيل: إنه من كلام يعقوب عليه السلام، والمعنى: أن حمل بعير شيء قليل لا يخاطرَ لمثله بالولد.
قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ لأني رأيت منكم ما رأيت، حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ حتى تعطوني ما أثق به من عهد الله، وتحلفوا ليَ الأيمان الموثقة لَتَأْتُنَّنِي بِهِ في كل حال، إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ إلا أن تغلبوا، ولا تطيقوا الإتيان به. أو: إلا أن تهلكوا جميعاً ويحيط الموت بكم فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ عهدهم وحلفوا له، قالَ أبوهم: اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ من طلب الموثق وإتيان الولد وَكِيلٌ أي: مطلع رقيب، لا يغيب عنه شيء.
ثم وصاهم وَقالَ لهم: يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ. وكانت في ذلك العهد خمساً: باب الشام، وباب المغرب، وباب اليمن، وباب الروم، وباب طَيْلون. فقال لهم: ليدخل كل أخوين من باب، خاف عليهم العين لأنهم أهل جمال وأُبَّهة، مشتهرين في مصر بالقربة والكرامة فإذا دخلوا كبكبة واحدة أصابتهم العين. ولعله لم يوصهم بذلك في المرة الأولى لأنهم كانوا مجهولين حينئذٍ، وللنفس آثار من العين، وقد قال عليه الصلاة والسلام:«العَينُ حَقٌّ، تُدخِل الرَّجُلَ القَبرَ والجَمَلَ القِدرَ» «1» .
وكان عليه الصلاة والسلام يتعوذ منها، بقوله:«اللهم إنِّي أَعُوذ بك مِن كَلِّ نَفسٍ هَامَّةٍ، وعَينٍ لامّة» «2» . ويؤخذ من الآية والحديث: التحصن منها قياماً برسم الحكمة. والأمر كله بيد الله. ولذلك قال يعقوب عليه السلام: وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ مما قُضي عليكم بما أشرت به عليكم، والمعنى: أن ذلك لا يدفع من قدر الله شيئاً، فإن الحذر لا يمنع القدر، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ فما حكم به عليكم لا ترده حيلة، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ أي: ما وثقت إلا به، ولا ينبغي أن يثق أحد إلا به. وإنما كرر حرف الجر زيادة في الاختصاص ترغيباً في التوكل على الله والتوثق به.
(1) قال فى كشف الخفاء: (ح 1797) رواه أبو نعيم عن جابر مرفوعا، وحديث «العين حق» بدون الزيادة، متفق عليه.
مكث أخرجه البخاري فى (الطب، باب العين حق) ومسلم فى (السّلام، باب الطب والمرضى) من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري فى (كتاب الأنبياء، باب 10) من حديث ابن عباس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول
…
وذكر الحديث.
الإشارة: رُوي أن إخوة يوسف لما رجعوا عنه صاروا لا ينزلون منزلاً إلا أقبل عليهم أهل ذلك المنزل بالكرامات والضيافات، فقال شمعون: لما قدمنا إلى مصر ما التفت إلينا أحد، فلما رجعنا صار الناس كلهم يكرموننا؟ فقال يهوذا: الآن أثر الملك عليكم، ونور حضرته قد لاح عليكم. هـ. قلت: وكذلك مَن قصد حضرة العارفين لا يرجع إلا محفوفاً بالأنوار، معموراً بالأسرار، مقصوداً بالكرامة والإبرار.
قوله تعالى: فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا
…
إلخ قال الأستاذ القشيري: المحبة غيورٌ لما كان ليعقوب تَسَلٍّ عن يوسف برؤية بنيامين، أبت المحبة إلا أن تظهر سُلطانها بالكمال، فغارت على بنيامين أن ينظر إليه يعقوب بعين يوسف. هـ. قلت: وكذلك الحق تعالى غيور أن يرى في قلب حبيبه شيئاً غيره، فإذا رأى ذلك أزاله عنه، وفرق بينه وبين ذلك الشيء، حتى لا يُحب شيئاً سوى محبوبه. هذا مما يجده أهل الأذواق في قلوبهم.
وقوله تعالى في وصية يعقوب: لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ، فيه إشارة إلى أن الدخول على الله لا يكون من باب واحد بحيث يلتزم المريد حالة واحدة وطريقة واحدة كالعزلة فقط، أو الخلطة فقط، أو الصمت على الدوام، أو ذكر الاسم على الدوام. بل لا بد من التلوين قبل التمكين وبعده فالعزلة على الدوام: مقام الضعف، والخلطة من غير عزلة بطالة. بل لا يكون عارفاً حتى يعرف الله، ويكون قلبُه معه في العزلة والخلطة، والصمت والكلام، والقبض والبسط، والفقد والوجد، ويترقى من ذكر الاسم إلى الفكرة والنظرة، كما هو مقرر عند أهل الفن.
وقوله تعالى: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ، فيه تهييج على مقام التوكل، وحث على الثقة بالله في جميع الأمور. وفي ذلك يقول الشاعر:
تَوَكَّل على الرَّحمن في كُلِّ حَاجَةٍ
…
وَثِق بالله، دَبَّر الخلق أجمعْ
وضَع عَنكَ هَمَّ الرِّزْقِ فالرَّبُّ ضَامِنٌ
…
وكفّ عن الْكَونَينِ والخلق أَربع
قوله: «والخلق أربع» : أراد العالم العلوي والسفلي، والدنيا والآخرة. وكلها أكوان مخلوقة يجب كف البصر والبصيرة عن الميل إليها، والوقوف معها. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر رجوعهم إلى مصر، واتصال يوسف بأخيه، وإمساكه عنده إلى أن اتصل بأبيه، فقال: