الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[سورة يوسف (12) : الآيات 68 الى 76]
وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (68) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (70) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (71) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72)
قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (73) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (74) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَاّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)
قلت: (ما كان) : جواب «لما» ، و (إلا حاجة) : استثناء منقطع. و (جزاؤه) : مبتدأ، و (من) : شرطية أو موصولة، وخبرها:(فهو جزاؤه)، والجملة: خبر (جزاء) الأول. أو (جزاؤه) : مبتدأ، و (من) : خبر، على حذف مضاف، أي:
جزاؤه أخذ من وُجد في رحله، وتم الكلام، و (فهو جزاؤه) : جملة مستقلة تقريرية لما قبلها.
يقول الحق جل جلاله: وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ أي: من أبواب متفرقة في البلد، ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ أي: ما أغنى عنهم رأي يعقوب واتَّبَاعهم له مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ مما قضى عليهم، فاتُّهموا بالسرقة وظهرت عليهم، فأخذ بنيامين الذي كان الخوف عليه، وتضاعفت المصيبة على يعقوب، إِلَّا حاجَةً: لكن حاجة فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ يعني: شفقته عليهم، وتحرزه من أن يعانوا، قَضاها أظهرها ووصى بها. وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ بالوحي ونصب الدليل. ولذلك قال: وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فلم يغتر بتدبيره، ففيه تنزيه ليعقوب عن الوقوف مع الأسباب والعوائد، ورفع إيهام وقوفه مع عالم الحكمة. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ سر القدر، وأنه لا ينفع منه الحذر.
قال ابن عطية: قوله: ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، معناه: مادرأ عنهم قدراً لأنه لو قَُضِي أن تصيبهم عين لأصابتهم، مفترقين أو مجتمعين. وإنما طمع يعقوب عليه السلام أن تصادف وصيته القدر في سلامتهم.
ثم أثنى الله- عز وجل على يعقوب بأنه لقن مما علمه الله من هذا المعنى، واندرج غيره في ذلك العموم، وقال:
إن أكثر الناس ليس كذلك. هـ.
وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ أي: ضم إليه بنيامين على الطعام، أو في المنزل. رُوي أنه أضافهم، فأجلسهم اثنين اثنين، فبقي بنيامين وحيداً فبكى، وقال: لو كان يوسف حياً لجلس معي، فأجلسه معه على مائدته، ثم قال: لينزل كل اثنين بيتاً، وهذا لا ثاني له فيكون معي، فبات عنده وقال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: من يجد إذاً مثلك، ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ وعرفه بنفسه، فَلا تَبْتَئِسْ لا تحزن بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في حقنا من الأذى، أو: لا تحزن بما يعمله فتياني، ولا تبالي بما تراه في تحيُّلي في أخذك.
فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ، التي هي الصواع، فِي رَحْلِ أَخِيهِ، وهي إناء يشرب بها الملك، ويأكل فيها، وكان من فضة، وقيل: من ذهب. وقيل: كان صاعاً يُكال به. وقصد بجعله في رحل أخيه أن يحتال على إمساكه معه إذ كان شَرْعُ يعقوب أن من سرق استعبده المسروق منه. ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بعد أن انصرفوا: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ، والخطاب لإخوة يوسف، وإنما استحل رميهم بالسرقة مع علمه بانهم أبرياء لِمَا في ذلك من المصلحة في المآل، وبوحي لا محالة، وإرادة من الله تعالى عَنَتُهم بذلك، يقويه قوله تعالى:
كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ، ويمكن من أن يكون فيه تورية، وفيها مندوحة عن الكذب، أي: إنكم لسارقون يوسف من أبيه، حين باعوه.
قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ أي: أيُّ شيء ضاع منكم؟ والفقد: غيبة الشيء عن الحس. قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ الذي يكيل به، أو يشرب فيه، وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ من الطعام، وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ كفيل أؤديه إلى من رده. وفيه دليل على جواز الجعل، وضمان الجعل قبل تمام العمل. قاله البيضاوي.
قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ فيما مضى، استشهدوا بعلمهم بديانتهم على براءه أنفسهم لما عرفوا منهم من الديانة والأمانة في دخولهم أرضهم، حتى كانوا يجعلون الأكمة في أفواه إبلهم لئلا تنال زرع الناس، قالُوا فَما جَزاؤُهُ أي: السارق، إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ فى ادعاء البراءة. قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ يحبس في سرقته، ويُسْتَرَقّ للمسروق منه، وهذا كان قصد يوسف عليه السلام، وهي كانت شريعة يعقوب، وكانت أيضاً شريعتنا في أول الإسلام ثم نسخ بالقطع. ثم قالوا: كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ بالسرقة.
فَبَدَأَ المؤذن أو يوسف لأنهم رُدُّوا إلى مصر، أي: بدأ في التفتيش، بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ بنيامين، تقية للتهمة، ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أي: السقاية، أو الصواع لأنه يُذكر ويُؤنث، مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ أي: مثل ذلك الكيد كِدْنا لِيُوسُفَ أي: علمناه الحيلة بالوحي في أخذ أخيه، ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ملك مصر لأن دينه كان الضرب وتغريم ضعف ما أخذ دون الاسترقاق. إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك. أو: لكن أخذه بمشيئة الله وإرادته. نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ بالعلم والعمل، كما رفعنا درجته، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ أرفع درجة منه.
قال البيضاوي: واحتج به من زعم أنه تعالى عالم بذاته إذ لو كان ذا علم لكان فوقه من هو أعلم منه- أي:
لدخوله تعالى في عموم الآية- والجواب: أن المراد كل ذي علم من الخلق لأن الكلام فيهم، ولأن العليم هو الله تعالى. ومعناه: الذي له العلم البالغ، ولأنه لا فرق بينه وبين قولنا: فوق كل العلماء عليم، وهو مخصوص. هـ.
قلت: وقد ورد ثبوت العلم له تعالى في آيات وأحاديث. كقوله تعالى: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ «1» ، وأُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ «2» «وإني على عِلمٍ من عِلمِ اللهِ علَّمَنيهِ» «3» إلى غير ذلك مما هو صريح في الرد عليهم.
الإشارة: يُؤخذ من قوله تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ: امتثال أمر الأب فيما يأمر وينهى.
ولا فرق بين أب البشرية وأب الروحانية- وهو الشيخ-، فامتثال أمره واجب على المريد، ولو كان فيه حتف أنفه، وأمره مقدم على أمر الأب كما تقدم في سورة النساء. وقد قالوا: أركان التصوف ثلاثة: الاجتماع، والاستماع، والاتباع. وقوله تعالى: ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً
…
الخ: فيه الجمع بين مراعاة القدرة والحكمة، فالقدرة تقتضي التفويض إذ لا فعل لغير الله، والحكمة تقتضي الحذر، واستعمال الأسباب لأن الحكمة رداء للقدرة. فالكمال هو الجمع بينهما ستراً لأسرار الربوبية، فالباطن ينظر لتصريف القدرة، والظاهر يستعمل أستار الحكمة.
وقوله تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ
…
الآية. هذا من فعل أهل التصريف بالله، المأخوذين عنهم، لا يدخل تحت قواعد الشرع لأن فاعله مفعول به، أو ناظر بنور الله إلى غيب مشيئة الله، كأفعال
(1) من الآية 166 من سورة النساء.
(2)
من الآية 14 من سورة هود.
(3)
جزء من حديث موسى الخضر وأخرجه البخاري فى (أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر) ، من حديث ابن عباس رضى الله عنه.