الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أي: يعاينون دلائل نبوتك، ولكن لا يصدقون، كأنهم عمي عنها، أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ: تقدر على هدايتهم وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ أي: وإن انضم إلى عدم البصرَ عدم البصيرة، فإن المقصود من الإبصار هو الاعتبار والاستبصار، والعمدة في ذلك البصيرة، فإذا فقدت فلا اعتبار ولا استبصار، ولذلك يُحدس الأعمى المتبصر، ويتفطن لما لا يدركه البصير الأحمق. والآية كالتعليل للأمر بالتبري.
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً بسلب حواسهم وعقولهم، وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بإفسادها وإهمالها، وتفويت منافعها عليهم. وفيه دليل على أنَّ للعبد كسباً، وأنه ليس مسلوب الاختيار بالكلية، كما زعمت الجبرية، ويجوز ان يكون وعيداً لهم، بمعنى: أن ما يحيق بهم يوم القيامة من العذاب عدل من الله، لا يظلمهم به، ولكنهم ظلموا أنفسهم باقتراف أسبابه. قاله البيضاوي.
الإشارة: إذا رأى أهل الوعظ والتذكير قوماً غرقوا في بحر الهوى، وأخذتهم شبكة الدنيا واستحوذت عليهم الغفلة، فذكروهم وبذلوا جهدهم في نصحهم، فلم يقلعوا، فليتبرؤا منهم، وليقولوا: نحن براءٌ مما تعملون، وأنتم بريئون مما نعمل. ومنهم من يستمع إلى وعظك أيها الواعظ، ولكن لا يتعظ، أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون. ومنهم من يشاهد كرامتك وخصوصيتك ولكن لا يهتدى، أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون؟ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً، بل في كل زمان يبعث من يذكر ويُدَاوي أمراض القلوب، (ولكن الناس أنفسهم يظلمون) ، حيث حادوا عنهم، وأساءوا الظن بهم، وبالله التوفيق.
ثم ذكر وقت مجىء تأويل ما كذبوا به، فقال:
[سورة يونس (10) : الآيات 45 الى 48]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (45) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (46) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (47) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (48)
قلت: كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا: حال، أي: نحشرهم مشبّهين بمَن لم يلبث إلا ساعة. أو صفة ليوم، والعائد محذوف، أي: كأن لم يلبثوا قبله، أو لمصدر محذوف، أي: حشراً كأن لم يلبثوا قبله. وجملة: يَتَعارَفُونَ: حال أخرى مقدرة، أو بيان لقوله: كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا، أو لتعلق الظرف، والتقدير: يتعارفون يوم نحشرهم. و «إما» : شرط،
ونُرِيَنَّكَ فعله، أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ: عطف عليه. فَإِلَيْنا جواب نَتَوَفَّيَنَّكَ، وجواب الأول محذوف، أي: إن أريتك بعض عذابهم في الدنيا فذاك، وإن توفيناك قبل ذلك فإلينا مرجعهم.
يقول الحق جل جلاله: وَاذكر يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ونجمعهم للحساب، فتقصر عندهم مدّة لبثهم في الدنيا وفي البرزخ، كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا، أو في القبور لهول ما يرون، حال كونهم يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ أي: يعرف بعضهم بعضاً، كأن لم يتفارفوا إلا قليلاً، وهذا في أول حشرهم، ثم ينقطع التعارف لشدة الأمر عليهم لقوله: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً. يُبَصَّرُونَهُمْ «1» .
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ خسرانا لاربح بعده، وَما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى طريق الربح أصلاً، أو إلى طريق توصلهم إلى معرفة الله ورضوانه، لترك استعمال ما منحوه من العقل فيما يوصل إلى الإيمان بالله ورسله، فاستكسبوا جهالات أدت بهم إلى الرّدى والعذاب الدائم.
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ أي: مهما نبصرنك بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب في حياتك، كما أراه يوم بدر.
أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل أن نريك فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فنريكه في الآخرة، ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ، فيجازيهم عليه حينئذٍ، فالترتيب إخباري.
وقال البيضاوي، تبعاً للزمخشري: ذكر الشهادة وأراد نتيجتها ومقتضاها، وهو العقاب، ولذلك رتبها على الرجوع بثم، أو مؤدِّ شهادته على أفعالهم يوم القيامة. هـ.
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ من الأمم الماضية رَسُولٌ يبعثه إليهم، يدعوهم إلى الحق، فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ بالمعجزات «فكذبوه» قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ: بالعدل، فأنجى الرسولَ ومن تبعه، وأهلك المكذبين وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ، حيث أعذر إليهم على ألسنة الرسل. وقيل معناه: لكل أمة يوم القيامة رسول تنسب إليه.
كقوله: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ «2» فإذا جاء رسولهم الموقفَ ليشهد عليهم بالكفر أو بالإيمان قُضِيَ بَيْنَهُمْ بإنجاء المؤمنين وعقاب الكافرين، كقوله: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ «3» .
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ الذي تعدنا، استبعاداً له واستهزاء به إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيه، وهو خطاب منهم للنبى صلى الله عليه وسلم.
(1) من الآيتين 10- 11 من سورة المعارج.
(2)
الآية 71 من سورة الإسراء.
(3)
الآية 69 من سورة الزمر.