الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهو اسم مفعول، ومن قرأه بالكسر فاسم فاعل، وصح معنى القراءتين، لأن الملائكة المنزلين يتبع بعضهم بعضاً، فمنهم تابعون ومتبوعون، ومن قرأ بالفتح فالمراد مردفين بالمؤمنين، فكانوا مقدمة الجيش، ومن قرأ بالكسر فالمراد مردفين للمؤمنين تابعين لهم، فكانوا ساقة للجيش.
ثم ذكر حكمة الإمداد بقوله: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ أي: الإمداد، إِلَّا بُشْرى أي: بشارة بالنصر، وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ فيزول ما بها من الوجل لقلتكم، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لا يتوقف على سبب، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يغلب، حَكِيمٌ في تدبير الأسباب وترتيبها رداء للقدرة الأزلية، فإمداد الملائكة، وكثرة العدد، والتأهب، وسائط، لا تأثير لها، فلا تحسبوا النصر منها، ولا تيأسوا منه بفقدها، فحكم الأزل جلّ أن يُضَافَ إلى العِلَلِ.
الإشارة: إظهار الفاقة والابتهال لا يقدح في صحة التوكل على الكبير المتعال، بل هو شرف للإنسان، وتقريب من الكريم المنان، بل من شأن العارف الكامل الرجوع إلى الله في كل شيء، والتعلق به في كل حال، ولو وعده بالنصر أو الإجابة، لا يقطع عنه السؤال، عبوديةً وتملقاً بين يدي الحبيب.
وقد اختلف الصوفية: أيّ الحالين أشرف: هل الدعاء والتضرع؟ أو السكوت والرضى تحت مجاري الأقدار؟ وقال بعضهم: يجب أن يكون العبد صاحب دعاء بلسانه، صاحب رضى بقلبه، ليجمع بين الأمرين. قال القشيري:
والأَوْلى أن يُقال: إن الأوقات مختلفة، ففي بعض الأحوال الدعاء أفضلُ، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل، وإنما يُعرف ذلك في الوقت لأن علم الوقت يحصل في الوقت، فإذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء منه أولى، وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت أتم. هـ. وقد تقدم في آل عمران إشارة الإمداد «1» . وبالله التوفيق.
ثم ذكر تأمينهم، فقال:
[سورة الأنفال (8) : الآيات 11 الى 12]
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (12)
(1) راجع إشارة الآية 125 من سورة آل عمران.
قلت: (إذ) : بدل ثان من (إذ يعدكم) ، أو متعلق بالنصر، لِمَا في (عند الله) من معنى الفعل، أو بإضمار اذكروا. ومَن قرأ بضم الياء، فهو من أغشى، أي: غطى، ومن قرأ بالتشديد، فهو من غشي المضعف، وكلاهما يتعدى إلى مفعولين، الكاف الأول والنعاس الثاني، ومن قرأ بالفتح والتخفيف، فهو من غشى يغشى المتعدي إلى واحد، و (أمنة) : مفعول من أجله.
يقول الحق جل جلاله: واذكروا إِذْ يُغَشِّيكُمُ، أي: حين كان يغشيكم النُّعاسَ وأنتم في القتال، حين ينزل عليكم الأمْن من العدو بعد شدة الخوف، وذلك لأجل الأمن الذي نزل من الله عليكم بعد شدة خوفكم.
قال ابن مسعود رضى الله عنه: النعاس عند حضور القتال علامة أَمْنٍ مِنَ العدو.
ثم ذكّرهم بمنة أُخرى، فقال: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماء لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ من الحدث والجنابة، وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ أي: وسوسته وتخويفه إياهم من العطش، رُوي أنهم نزلوا في كثيب رمل دهس، تسوخ فيه الأقدام، على ماء قليل، وناموا فاحتلم أكثرهم، فوسوس إليهم الشيطان، وقال: كيف تُنصرون وأنتم تصلون محدثين مجنبين، وتزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله؟، فأشفقوا، فأنزل الله المطر، فمُطروا ليلاً حتى جرى الوادي، فاتخذوا الحياض على عدوته، وسقوا الركاب، واغتسلوا وتوضؤوا، وتلبد الرمل الذي بينهم وبين العدو، حتى ثبتت عليه الأقدام وزالت الدهوسة، وهذا معنى قوله: وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ أي: وليربط على قلوبكم بالوثوق على لطف الله وزوال ما وسوس إليهم الشيطان، وذهاب الكسل عنها. وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ حتى لا تسوخ في الرمل، أو بالربط على القلوب حتى تثبت فى مداخص الحرب.
واذكروا أيضاً: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ أي: أُثبت أقدامكم حين أُوحي إلى الملائكة أني معكم في نصر المؤمنين وتثبيتهم، فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا بتكثير عددهم، أو بالبشارة لهم، أو بمحاربة أعدائهم، على قول من قال: إنهم باشروا القتال. سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ والجزع، حتى لا يثبتوا لقتالكم، يحتمل أن يكون من خطاب الله للملائكة، أو استئناف إخباراً للمؤمنين عما يفعله بعدوهم عاجلاً وآجلاً.
ثم قال للملائكة أو للمؤمنين: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ أي: أعاليها التي هي المذابح والرؤوس، وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ أي: أصابعهم، أي: جزوا رقابهم واقطعوا أطرافهم.
الإشارة: كان شيخ شيخنا يُشير على الفقراء، إذا كثرت عليهم الخواطر والهواجس، بالنوم، ويقول: من تشوش خاطره فليرقد حتى يشبع من النعاس، فإنه يجد قلبه لأن النعاس أمنة من الله يذهب به رجز الشيطان وثقله، ويربط على القلوب في الحضرة لأنه زوال، وإذا زال العبد ظهر الحق وزهق الباطل.