الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقول الحق جل جلاله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي في القعود، وَلا تَفْتِنِّي ولا توقعني في الفتنة، أي: في العصيان والمخالفة، بأن تأذن لي، وفيه إشعار بأنه لا محالة متخلف، أََذِنَ أو لم يأذن، أو في الفتنة بسبب ضياع المال والعيال إذ لا كافل لهم بعدي، أو في الفتنة بنساء الروم، كما قال الجَدُّ بنُ قَيْس: قد علمت الأنصار أني مُولع بالنساء، فلا تفتني ببنات بني الأصفر، ولكني أُعينك بمال، واتركني.
قال تعالى: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا أي: إن الفتنة هى التي سقطوا فيها، وهي فتنة الكفر والنفاق، لا ما احترزوا عنه، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ، أي: دائرة بهم يوم القيامة، أو الآن لأن إحاطة أسبابها بهم كوجودها، ومن أعظم أسبابها: بغضك وانتظارهم الدوائر بك.
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ كنصر أو غنيمة فى بعض غزواتك، تَسُؤْهُمْ لفرط حسدهم وبغضهم، وَإِنْ تُصِبْكَ في بعضها مُصِيبَةٌ ككسر أو شدةٍ كيوم أحد، يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ أي: يتبجحوا بتخلفهم أو انصرافهم، واستحمدوا رأيهم في ذلك، وَيَتَوَلَّوْا عن متحدِّثِهم ومجْمعهم، أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَهُمْ فَرِحُونَ مسرورون بما صنعوا من التخلف عن الجهاد.
الإشارة: ومن ضعفاء اليقين من يستأذن المشايخ في البقاء مع الأسباب وفتنة الأموال، ويقول: لا تفتني بالأمر بالتجريد، فإني لا أقدر عليه، ويرضى بالسقوط في فتنة الأسباب والشواغل، فإن ضم إلى ذلك الإنكار على أهل التجريد، بحيث إذا رأى منهم نكبة أو كسرة من أجل التجريد، والخروج عن عوائد الناس وما هم عليه، فرح، وإذا رأى منهم نصراً وعزاً انقبض، ففيه خصلة من النفاق، والعياذ بالله.
ثم رد عليهم، بقوله:
[سورة التوبة (9) : الآيات 51 الى 53]
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَاّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (53)
يقول الحق جل جلاله: قُلْ لهم يا محمد: لَنْ يُصِيبَنا من حسنة أو مصيبة، إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا في اللوح المحفوظ، لا يتغير بموافقتكم ولا بمخالفتكم، هُوَ مَوْلانا متولي أمرنا وناصرنا، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي: وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم رضاَ بتدبيره لأن مقتضى الإيمان ألا يتوكل إلا على الله إذ لا فاعل سواه، قُلْ لهم: هَلْ تَرَبَّصُونَ أي: تنتظرون بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ أي: إلا إحدى العاقبتين اللتين كل منهما حسنى: إما النصر وإما الشهادة، وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أيضاً إحدى العاقبتين السُوأتين: إما أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ بقارعة من السماء، أَوْ بِأَيْدِينا أي: أو بعذاب بأيدينا، وهو القتل على الكفر، فَتَرَبَّصُوا ما هو عاقبتنا، إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقبتكم.
الإشارة: ثلاثة أمور توجب للعبد الراحة من التعب، والسكون إلى رب الأرباب، وتذهب عنه حرارة التدبير والاختيار، وظلمة الأكدار والأغيار: أحدها: تحقيق العلم بسبقية القضاء والقدر، حتى يتحقق بأن ما أخطأه لم يكن ليُصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه. قال تعالى: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ «1» ، وليتأمل قول الشاعر:
ما لا يقدر لا يكون بحيلة
…
أبدا، وما هو كائن سيكون
سيكون ما هو كائن في وقته
…
وأخو الجهالة متعب محزون
وقد ورد عن سيدنا علي- كرّم الله وجهه- أنه قال: سبع آيات: من قرأها أو حملها معه لو انطبقت السماء على الأرض لجعل الله له فرجا ومخرجا من أمره، فذكر هذه الآية: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا، وآية في سورة يونس:
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ
…
الآية «2» ، وآيتان في سورة هود: وَما مِنْ دَابَّةٍ..، الآية «3» ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ
…
الآية «4» ، وقوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَاّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ «5» ، مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «6» ووَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ
…
في الزمر إلى قوله: عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ «7» ، ونظمها بعضهم فقال:
(1) من الآية 17 من سورة الأنعام.
(2)
الآية 107 من سورة يونس. [.....]
(3)
الآية 6 من سوة هود.
(4)
الآية 56 من سورة هود.
(5)
الآية 60 من سورة العنكبوت.
(6)
الآية 2 من سورة فاطر
(7)
الآية 38 من سورة الزمر.