الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقول الحق جل جلاله: وَمِنْهُمْ ومن المنافقين مَنْ يَلْمِزُكَ أي: يعيبك، ويعترض عليك فِي قسم الصَّدَقاتِ، فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وفرحوا، وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها شيئاً إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ. والآية نزلت في ابن أُبيّ رأس المنافقين، قال: ألا تَرونَ إلى صاحِبِكُم إِنَّما يقْسِمُ صَدقَاتكُمْ في رُعَاةِ الغَنَم، ويَزْعُمُ أَنَّهُ يَعْدل. وقيل: في ذي الخُوَيْصِرةِ رأس الخَوَارِجِ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم حنين، فاستعطف قلوب أهل مكة، فآثرهم بالعطاء، فقال: اعْدِلَ يا رَسُول الله، فقال:«ويلَكَ، إنْ لَمْ أَعْدِلْ فمنْ يَعْدِل؟» «1» .
قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أي: بما أعطاهم الرسول من الغنيمة، وذَكَرَ الله للتعظيم وللتنبيه على أن ما فعله الرسول- عليه الصلاة والسلام كان بأمر الله ووحيه، فكأنه فعله هو. وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ أي: كفانا فضلُه، سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ صدقة أو غنيمة أخرى، فيؤتينا أكثر مما أتانا، إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ في أن يُغنينا من فضله وجوده. فلو فعلوا هذا لكان خيراً لهم من اعتراضهم عليك، الموجب لهم المقت والعذاب.
الإشارة: لا يكون المؤمن كاملاً حتى يستوي عنده المنع والعطا، والفقد والوجد، والفقر والغنى، والعز والذل.
وأمَّا إن كان في حالة العطاء والوجد يفرح، وفي حالة المنع والفقد يسخط، فلا فرق بينه وبين أهل النفاق، إلا من حيث التوسم بالإيمان، ولو أنه رضي بما قسم الله له، واكتفى بعلمه، ورغب الله في زيادته من فضله، لكان خيراً له وأسلم. والله تعالى أعلم وأحكم.
ثم بيّن مصرف الصدقات الواجبة قطعا لأطماع من لا يستحقها، فقال:
[سورة التوبة (9) : آية 60]
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)
يقول الحق جل جلاله: إِنَّمَا تدفع الصَّدَقاتُ الواجبة- أي: الزكاة- لهؤلاء الثمانية، وهذا يُرَجَّحُ أن لَمْزهم كان في قسم الزكاة لا في الغنائم، واختصاص دفع الزكاة بهؤلاء الثمانية مجمع عليه، واختلف:
هل يجب تعميمهم؟ فقال مالك: ذلك إلى الإمام، إن شاء عمم وإن شاء خصص، وإن لم يلها الإمام فصاحب المال
(1) أخرجه البخاري فى (المناقب، باب علامات النبوة) ومسلم فى (الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم) من حديث أبي سعيد الخدري- رضى الله عنه-.
مخير، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وأفتى به بعض الشافعية، وقال الشافعي: يجب أن تقسم على هذه الأصناف بالسواء، إن وجدت.
أولها: الفقير: وهو من لا شيء له، وثانيها: المسكين: وهو من له شيء لا يكفيه. فالفقير أحوج، وهو مشتق من فقار الظهر، كأنه أصيب فقاره، والمسكين من السكون، كأن العجز أسكنه. ويدل على هذا قوله تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ «1» ، فسماهم مساكين مع ملكهم السفينة، وأنه صلى الله عليه وسلم سأل المسكنة وقيل بالعكس، لقوله تعالى: أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ «2» . وقيل: هما سواء. وَالْعامِلِينَ عَلَيْها أي: الساعين في تحصيلها وجمعها، ويدخل فيهم الحاشر والكاتب والمفرق، ولا بأس أن يعلف خيلهم منها، ويضافون منها بلا سَرف. وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ قال مالك: هم كفار ظهر ميلهم للإسلام، فيعطون ترغيباً في الإسلام. وقيل: قوم أسلموا ونيتهم ضعيفة، فيعطون ليتمكن الإسلام في قلبهم، وحكمُهم باق، وقيل: أشراف يُترقب بإعطائهم إسلام نظائرهم.
وَفِي الرِّقابِ أي: في فك الرقاب، يشترون ويعتقون. وَالْغارِمِينَ، أي: مَنْ عليهم دَيْن، فيعطى ليقضي دينه، ويشرط أن يكون استدانة في غير فساد ولا سرف، وليس له ما يبيع في قضائه. وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني: الجهاد، فيعطى منها المجاهدون وإن كانوا أغنياء، ويشتري منها آلة الحرب، ولا يبنى منها سور ولا مركب. وَابْنِ السَّبِيلِ وهو الغريب المحتاج لما يوصله لبلده، ولم يجد مسلفاً، إن كان مليَّاَ ببلده، وإلا أعطي مطلقاً.
فرض الله ذلك فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ أي: حقاً محدوداً عند الله. قال ابن جزي: ونصبه على المصدر- يعني: لفعل محذوف كما تقدم- فإن قيل: لِمَ ذكر مصرف الزكاة في تضاعيف ذكر المنافقين؟ فالجواب: أنه خص مصرف الزكاة في تلك الأصناف ليقطع طمع المنافقين فيها، فاتصلت هذه الآية في المعنى بقوله:(ومنهم من يلمزك في الصدقات..) . هـ. (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) يضع الأشياء في مواضعها.
الإشارة: إنما النفحات والمواهب للفقراء والمساكين، الذين افتقروا من السِّوى، وسكنوا في حضرة شهود المولى. وفي الحكم:«ورود الفاقات أعياد المريدين، ربما وجدت من المزيد في الفاقة ما لا تجده في الصوم والصلاة، الفاقات بسُطُ المواهب. إن أردت بسط المواهب عليك فصحح الفقر والفاقة لديك. إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ» .
(1) من الآية 79 من سورة الكهف.
(2)
الآية 16 من سورة البلد.
وقال الهروي: الفقر صفة مهجورة، وهو ألدّ ما يناله العارف، لكونها تدخله على الله، وتجلسه بين يدي الله، وهو أعلم المقامات حكماً لقطع العوائق، والتجرد من العلائق، واشتغال القلب بالله. قيل: الفقير الصادق لا يملِك ولا يُملَك. وقال الشبلي: الفقير لا يستغني بشيء دون الله. وقال الشيخ ابن سبعين رضى الله عنه: الفقير هو الذي لا يحصره الكون. هـ. يعني: لخروج فكرته عن دائرة الأكوان. وقال القشيري: الفقير الصادق عندهم: مَنْ لا سماء تُظِله، ولا أرضَ تُقِلُّه، ولا سهم يتناوله، ولا معلومَ يشغِله، فهو عبد الله بالله. هـ.
وقال السهروردي في عوارفه: الفقر أساس التصوف، وبه قوامه، ويلزم من وجود التصوف وجود الفقر لأن التصوف اسم جامع لمعاني الفقر والزهد، مع زيادة أحوال لا بد منها للصوفي، وإن كان فقيراً زاهداً.
وقال بعضهم: نهاية الفقر بداية التصوف لأن التصوف اسم جامع لكل خلق سني، والخروج من كل خلق دنى، لكنهم اتفقوا ألاًّ دخول على الله إلا من باب الفقر، ومن لم يتحقق بالفقر لم يتحقق بشيء مما أشار إليه القوم.
وقال أبو إسحاق الهروي أيضاً: من أراد ان يبلغ الشرفَ كل الشرف فليخترْ سبعاً على سبع، فإن الصالحين اختاروها حتى بَلَغُوا سنام الخير. اختاروا الفقر على الغنى، والجوع على الشبع والدُّون على المرتفع، والذلَّ على العز، والتواضع على الكبر، والحزن على الفرح، والموت على الحياة. هـ. وقال بعضهم:
إن الفقير الصادق ليحترز من الغنى حذراً أن يدخله فيفسد عليه فقره، كما يحترز الغنى من الفقر حذراً أن يفسد عليه غناه.
قال بعض الصالحين: كان لي مال، فرأيت فقيراً في الحرم جالساً منذ أيام، ولا يأكل ولا يشرب وعليه أطمار رثة، فقلت: أعينه بهذا المال فألقيته في حجره، وقلت: استعن بهذا على دنياك، فنفض بها في الحصباء، وقال لي:
اشتريتُ هذه الجلسة مع ربي بما ملكت، وأنت تفسدها عليَّ؟ ثم انصرف وتركنى ألقطها. فو الله ما رأيت أعز منه لَمَّا بَدَّدَها، ولا أذل مني لما كنت ألقطها. هـ.
وكان بعضهم إذا أصبح عنده شيىء اصبح حزيناً، وإذا لم يصبح عنده شيىء أصبح فرحاً مسروراً، فقيل له:
إنما الناس بعكس هذا، فقال: إني إذا لم يصبح عندي شيء فلى برسول الله صلى الله عليه وسلم أُسوة، وإذا أصبح لي شيء لم يكن لي برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة. هـ. وجمهور الصوفية: يفضلون الفقير الصابر على الغني الشاكر، ويُفضلون الفقر في الجملة على الغنى لأنه- عليه الصلاة والسلام اختاره، وما كان ليختار المفضول. وشذ منهم يحيى بن معاذ الواعظ وأحمد بن عطاء.