الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكانوا يستهزؤون بأمر الوحي والدين، فقال تعالى لنبيه- عليه الصلاة والسلام: قُلِ لهم: اسْتَهْزِؤُا تهديداً لهم، إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ من إنزال السورة فيكم، أو ما تحذرون من إظهار مساوئكم وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ عن استهزائهم، لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ فيما بيننا. رُوي أن ركباً من المنافقين مروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوة تبوك، فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل، يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه، هيهات هيهات!! فأخبر الله نبيه، فدعاهم فقال:«قلتم: كذا وكذا؟» فقالوا: لا، والله، ما كنا في شيء من أمرك، ولا من أمر أصحابك، ولكنا كنا في شيء مما يخوض فيه الركب، ليقصر بعضنا على بعض السفر «1» .
قال تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ، توبيخاً لهم على استهزائهم بما لا يصح الاستهزاء به، لا تَعْتَذِرُوا أي: لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ أي: قد أظهرتم الكفر بإيذاء الرسول والطعن عليه، بعد إظهار إيمانكم الكاذب. إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ بتوبتهم وإخلاصهم، حيث سبق لهم ذلك كانَ منهم رجل اسمه مَخشِيّ، تاب ومات شهيداً. أو لكفهم عن الإيذاء، نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا في علم الله مُجْرِمِينَ مُصرين على النفاق، أو مستمرين على الإيذاء والاستهزاء. والله تعالى أعلم.
الإشارة: الاستهزاء بالأولياء والطعن عليهم من أسباب المقت والبعد من الله، والإصرار على ذلك شؤمه سوء الخاتمة، وترى بعض الطاعنين عليهم يحذر منهم أن يكاشفوا بأسرارهم، وقد يُطلع الله أولياءه على ذلك، وقد لا يطلعهم، وبعد أن يطلعهم على ذلك لا يواجهوهُم بكشف أسرارهم لتخلقهم بالرحمة الإلهية. والله تعالى أعلم.
ومن مساوئ المنافقين أيضا: أمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف، كما قال تعالى:
[سورة التوبة (9) : الآيات 67 الى 69]
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (68) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (69)
(1) أخرجه ابن جرير فى تفسيره (10/ 173) عن قتادة.
قلت: قال في الأساس: ومن المجاز: نَسيتُ الشيء: تركتُه، (نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ) . قال في المشارق: ونسي بمعنى ترك، معناه مشهور في اللغة، ومنه:(نسوا الله فنسيهم) أي: تركوا أمره فتركهم. وقوله: (كالذين من قبلكم) : خبر، أي: أنتم كالذين، أو مفعول بمحذوف، أي: فعلتم مثل فعل من قبلكم.
يقول الحق جل جلاله: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أي: متشابهة في الكفر والبعد عن الإيمان، لا فرق بين ذكورهم وإناثهم في النفاق والكفر، وهو نفي لأن يكونوا مؤمنين. وقيل: إنه تكذيب لهم في حلفهم بالله: إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وتقرير لقوله: وَما هُمْ مِنْكُمْ، وما بعده كالدليل عليه، فإنه يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين. وهو قوله: يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ كالكفر والمعاصي، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ كالإيمان والطاعة، وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ عن الإعطاء والمبار، وهو كناية عن البخل والشح. نَسُوا اللَّهَ أي: غفلوا، أي: أغفلوا ذكره، وتركوا طاعته، فَنَسِيَهُمْ فتركهم من لطفه ورحمته وفضله، إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ الكاملون في التمرد والفسوق عن دائرة الخير.
وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ أي: المجاهرين بالكفر، نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أي: مقدرين الخلود. قال ابن جزي: الأصل في الشر أن يقال: أوعد، وإنما يقال فيه:«وعد» إذا صرح بالشر. هـ. هِيَ حَسْبُهُمْ أي: جزاؤهم عقاباً وعذاباً، وفيه دليل على عِظم عذابها، وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ أبعدهم من رحمته، وأهانهم، وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ لا ينقطع، وهو العذاب الذي وعدوه، أو ما يقاسونه من تعب النفاق، والخوف من المؤمنين.
كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي: أنتم كالذين من قبلكم، أو فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم، كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً، وهو بيان لتشبيههم بهم، وتمثيل حالهم بحالهم، فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ أي:
نصيبهم من ملاذ الدنيا وحظوظها، فأمّلوا بعيداً وبنوا مشيداً، فرحلوا عنه وتركوه، فلا ما كانوا أملوا أدركوا، ولا إلى ما فاتهم رجعوا، فَاسْتَمْتَعْتُمْ أنتم بِخَلاقِكُمْ أي: بنصيبكم مما خلق الله لكم وقدره لكم في الأزل، كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ، ثم تركوا ذلك ورحلوا عنه، كذلك ترحلون أنتم عنه وتتركونه.
قال البيضاوي: ذمَّ الأولين باستمتاعهم بحظوظهم المُخدَّجة من الشهوات الفانية، والتِهَائِهم بها عن النظر في العاقبة، والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيرة تمهيداً لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء آثارهم. هـ.