الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا بحسن الصورة وكمال السيرة، أو فضلك علينا رغماً على أنفنا، وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ أي: والحال أن شأننا أنَّا كنا مذنبين فيما فعلنا معك. قالَ لا تَثْرِيبَ: لا عتاب عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ أي: لا عقوبة عليكم في هذا اليوم. ثم دعا لهم فقال: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، فيوقف على اليوم. وقيل: يتعلق بيغفر، فيوقف على ما قبله، وهو بعيد لأنه تحكم على الله، وإنما يصلح أن يكون دعاء، إذ هو الذي يليق بآداب الأنبياء، فكأنه أسقط حق نفسه بقوله: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، ثم دعا الله أن يغفر لهم الله حقه. قاله ابن جزي، وصدر به البيضاوي. وبه تعلم ضعف وقف الهبطي. ثم قال في تمام دعائه: وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فإنه يغفر الصغائر والكبائر، ويتفضل على التائب.
قال البيضاوي: ومن كرم يوسف عليه السلام أنهم لما عرفوه أرسلوا له، وقالوا: إنك تدعوننا بالبكرة والعشي إلى الطعام، ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك، فقال لهم: إن أهل مصر كانوا ينظرون إليَّ بالعين الأولى، ويقولون:
سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شَرُفْت بكم، وعظمت في أعينهم حيث إنكم إخوتي، وإني من حفدة إبراهيم عليه السلام. هـ.
الإشارة: من رام الدخول إلى حضرة الكريم الغفار، فليدخل من باب الذل والانكسار. وفي الحكم:«ما طلب لك شيء مثل الاضطرار، ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار» . فإذا قرعت الباب، ورمت الدخول مع الأحباب، فقل بلسان التضرع والانكسار: يا أيها العزيز الغفار مسنا الضر، وهو البعد والغفلة، وجئنا ببضاعة مزجاة عمل مدخول، وقلب معلول، فأوْفِ لنا ما أملناه من الجزاء المأمول، وتفضل علينا بالقبول والوصول، وقل: اليوم نغفر لكم ونغطي مساوءكم، ونوصلكم بما مني إليكم من الإحسان، لا بما منكم إلينا من الطاعة والإذعان. هؤلاء إخوة يوسف لما أظهروا فاقتهم، واستقلوا بضاعتهم، وأحضروا شكايتهم، سمح لهم وقربهم، وكشف لهم عن وجهه الجميل، ومنحهم العطاء الجزيل، فما ظنك بالرب العظيم الجليل، الذي هو أرحم الراحمين، ومحل أمل القاصدين.
ثم أمرهم بالرجوع إلى أبيهم، والإتيان به وبمن معه من أولادهم، فقال:
[سورة يوسف (12) : الآيات 93 الى 98]
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (96) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (97)
قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98)
قلت: جواب (لولا) : محذوف، أي: لولا أن تفندون لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني.
يقول الحق جل جلاله: قال يوسف لإخوته لما عرفوه، وأزال ما بينه وبينهم من الوحشة، وقد أخذ قميصه:
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا، رُوي أن هذا القميص كان لإبراهيم الذي لبسه حين كان في النار، وقيل: ألبسه له جبريل حين خرج من النار، وكان من ثياب الجنة، ثم كان لإسحاق ثم ليعقوب، ثم كان دفعه ليوسف، فكان عنده في حِفَاظ من قصب، وكان في عنقه في الجب، وأمره جبريل بإرساله، وقال: إن فيه ريح الجنة، لا يلقى على مبتلى إلا عوفى. قال ابن عطية: وهذا كله يحتاج إلى سند، والظاهر: إنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل أحد. وبهذا تتبين الغرابة في أن وجد يعقوبُ ريحة من بُعدٍ، ولو كان من قميص الجنة لما كان في ذلك غرابة، ويجده كل أحد. هـ.
قلت: وما قاله لا ينهض لأن ما ظهر من الجنة إلى دار الدنيا لا يبقى على حاله دائماً لأنه من أسرار الغيب، بل لا يجده إلا أهل الذَّوْق من أهل القرب، كنور الحجر الأسود، وغيره مما نزل من الجنة. والله تعالى أعلم.
ثم قال لهم اذهبوا به: فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً أي: يرجع بصيراً، علم ذلك بوحي، أو تجربة من القميص، وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ نسائكم وذارريكم وأموالكم.
وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ من مصر، وخرجت من عمارتها، قالَ أَبُوهُمْ لمن حضره: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ أوجده الله، ريح ما عَبَق من قميصه حين أقبل إليه به يهوذا من ثمانين فرسخاً لأن يعقوب كان إذ ذاك ببيت المقدس، ويوسف بمصر، لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ تنسبوني إلى الفِند، وهو: نُقصان عَقْلِ يحدث من هِرَم. ولذلك لا يقال عجوز مفندة لأن نقصان عقلها ذاتي. أي: لولا أن تحمِّقوني لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني في ذلك، أو لولا أن تلوموني، وتردوا عليّ قولي لقلت إنه ريح يوسف. قالُوا أي: الحاضرون: تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ أي: إنك لفي خطئك القديم بالإفراط في محبة يوسف، وإكثار ذكره، وتوقع لقائه.
فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أي: المبشر، وهو: يهوذا. رُوي أنه قال: كنتُ أحزنْتُه بِحَمل قميصه المُلَطَّخ بالدم إليه، اليوم أفرحُه بحمل هذا إليه. وفي رواية عنه قال: إني ذهبت إليه بقميص التَّرْحَة، فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة. فلما وصل إليه أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ طرح البشيرُ القميصَ على وجه يعقوب، أو: القاه يعقوبُ بنفسه على وجهه، فَارْتَدَّ بَصِيراً بقدرة الله وبركة القميص. قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من حياة يوسف، وإنزال الفرج.
قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ، وقد اعترفنا بذنوبنا، وسألنا المغفرة. قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، أخره إلى السَّحَر، أو إلى صلاة الليل، أو إلى ليلة الجمعة، تحرياً لوقت الإجابة، أو إلى أن يتحلّل لهم من يوسف، فإن عفو المظلوم شرط في المغفرة، ويؤيده ما رُوي أنه لما اجتمع به، وتحلل منه، استقبل يعقوبُ القبلة قائماً يدعو، ويوسفُ خلفه يؤمن، وقاموا خلفهما أذلةً خاشعين، حتى نزل جبريل وقال: إن الله قد أجاب دعوتك في أولادك، وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة. وهو، إن صح، دليل نبوتهم، وأن ما صدر منهم كان قبل نبوتهم، قاله البيضاوي.
الإشارة: اعلم أن الحق- جل جلاله جعل للبشرية عَيْنَين حسيين، تبصر بهما الحسيات، وجعل للقلب عينين معنويين يرى بهما المعاني. فالأول: يسمى البصر، والثاني: البصيرة. فأحد عيني القلب تبصر أنوار الشريعة، والأخرى تبصر أسرار الحقيقة. وقد يغشى القلب ظلمةُ الكفر، فتغطيهما معاً، وهو: عمى البصيرة. وقد يغشاه ظلمة المعاصي، واتباع الحظوظ والهوى، فتعمى عين الحقيقة، وتضعف عين الشريعة، ودواؤهما: إلقاء قميص المعرفة على وجه عين الحقيقة، وجلباب العصمة على عين الشريعة، فيرجع القلب بصيراً. ولا بد من صُحبة شيخ عارف يعطيه هذا القميص، ويقول: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه بصيرتكم، تأتي بصيرة عارفة، فإذا قرب منها هذا القميص هبَّ عليها نسيم الوصال، وهاج عليها الوجدُ والحالُ. وأنشدت بلسان المقال:
سُوَيْداء قََلْبِي أَصْبَحَت حَرماً لَكُم
…
تَطُوفُ بها الأسرارُ من عَالَم اللُّطف
وسائلُ ما بينَ المُحبِّين أَصْبَحَتْ
…
تَجِلُّ عن التَّعْرِيفِ والرَّسم والعُرْفِ
رَسَائِل جَاءَتْنا بِِرُؤْيَا جَنَابِكُمْ
…
عَوارِِفُ عُرف فَاقَ كُلَّ شّذا عرف