الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المحمدية- دون سائر الأمم- وراثة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، فإنه خص بالرؤية دون غيره من الأنبياء. وإلى ذلك أشار ابن الفارض في تائيته، مترجمًا بلسان الحقيقة المحمدية، حيث قال:
ودونَكَ بحرًا خُضتُهُ، وقَف الألي
…
بساحِلِه، صَونًا لمَوضِع حُرمتي
ولا تقرَبُوا مالَ اليتيمِ إشارةٌ
…
لكَفَّ يدٍ صُدَّت له، إذ تَصَّدِت
وما نالَ شيئًا منُه غيري سوى فتىً
…
على قَدَمي في القبض والبسطِ ما فتى
قال شارحه القاشاني: أراد بهذا البحر: الرؤية التي مُنع منها موسى عليه السلام، وخص بها محمد- عليه الصلاة السلام- وأفراد من أتباعه. ثم قال: ورد في الخبر: أنه لما أفاق موسى عليه السلام من صعقته قيل له: ليس ذلك لك، ذلك ليتيم يأتي من بعدك، ثم قال: سبحانك تبتُ إليك عما تعديتُ لما ليس لي، وأنا أول المؤمنين بتخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بهذا المقام. هـ.
وقيل في قوله: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ أي: جبل العقل، بحيث طمس نوره بنور شمس العرفان، وخر موسى صعقًا، أي: ذهب وجوده في وجود محبوبه، وحصل له الزوال في مكان الفناء والسكر، فلما أفاق ورجع إلى البقاء تمسك بمقام العبودية والأدب مع الربوبية فقال: سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ من رؤية جبل الحس قبل شهود نور المعنى، وأنا أول المؤمنين بأن نور المعاني خلف رداء الأواني، لا يدرك إلا بعد الصعقة، والله تعالى أعلم.
ثم ذكر نزول التوراة، فقال:
[سورة الأعراف (7) : الآيات 144 الى 147]
قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (145) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (147)
قلت: الرُّشد والرَّشَد: لغتان، قُرىء بهما.
يقول الحق جل جلاله: قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ اخترتك عَلَى النَّاسِ الموجودين في زمانك، وهارون، وإن كان نبيًا، كان مأمورًا باتباعه، ولم يكن كليما ولا صاحب شرع. فقد اصطفيتك على أهل زمانك بِرِسالاتِي لك إليهم، ومن قرأ بالجمع فالمراد: أوقات التبليغ بأنواع الأحكام أو أسفار التوراة، وَخصصتك بِكَلامِي، وقد شاركه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع زيادة الرؤية، فَخُذْ ما آتَيْتُكَ أي: أعطيتك من الرسالة والتكليم، وأقنع بهما ولا تطلب غير ذلك، وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ على هذه النعمة، وفيه نوع تأديب له.
رُوِي أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة، وأعطاه التوراة يوم النحر.
قال تعالى: وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاجون إليه مَوْعِظَةً أي: تذكيرًا وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ يتوقفون عليه في الأحكام والوعظ. واختلف في الألواح: هل كانت سبعة أو عشرة أو اثنين، وهل كانت من زمرد أو زبرجد أو ياقوت أحمر، أو خشب، أو صخرة صماء، شقها الله تعالى لموسى عليه السلام فقطعها بيده، وكان فيها التوراة.
قال تعالى لموسى عليه السلام: فَخُذْها أي: الألواح أو الرسالة بِقُوَّةٍ أي: بجد واجتهاد، وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها بأحسن ما فيها، فإن فيها ما هو حسن وأحسن منه كالقصاص مع العفو، أو بواجباتها، فإن الواجب أفضل من المندوب، وهذا كقوله في كتابنا: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ «1» ، ويجوز أن يراد بالأحسن: البالغ في الحسن مطلقًا، لا بالإضافة إلى غيره، كقولهم: الصيف أحر من الشتاء، فيكون الأمر بأخذ كل ما فيها لأنه بالغ الحسن، ثم بشرهم بخراب ملك عدوهم، فقال: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ أي: دار فرعون وقومه خاوية على عروشها، أي: أريكم كيف أقفَرَت منهم لمّا هلكوا، وقيل: منازل عاد وثمود ومن هلك من الأمم، لتعتبروا بها، وقيل: جهنم.
وقرأ ابن عباس: «سأورثكم» بالثاء المثلثة، كقوله: وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ «2» .
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ المنصوبة في الآفاق والأنفس الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا من عجائب المصنوعات فلا يتفكرون فيها، أو القرآن وغيره من الكتب، أصرفُ عنها الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بالطبع على قلوبهم فلا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون، ولا يؤمنون بها، عقوبة لهم على تكبرهم، وقيل: الصرف: منعهم من إبطالها
(1) من الآية 55 من سورة الزمر.
(2)
من الآية 59 من سورة الشعراء.
وإطفاء نورها، وإن اجتهدوا، كما فعل فرعون وغيره، فعاد عليهم بإعلائها وإظهار نورها، وذلك التكبر صدر منهم بِغَيْرِ الْحَقِّ أي: تكبروا بما ليس بحق، وهو دينهم الباطل.
وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ مُنزلةٍ أو معجزة لا يُؤْمِنُوا بِها لعنادهم، واختلال نظرهم، بسبب انهماكهم في الهوى وحب الجاه، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ أي: طريق الصواب والحق يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا لاستيلاء الشيطان عليهم، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ أي: الضلال يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا أي: يسلكونه ويتبعونه، لأن سجيتهم الضلال، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم وعدم تدبرهم الآيات.
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ أي: وبلقائهم الدار الآخرة، أو: ما وعد الله في الآخرة، حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ لا ينتفعون بها، هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي: لا يجزون إلا مقدار أعمالهم.
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً «1» .
الإشارة: كل من أقامه الله في مقام من المقامات، أو حال من الأحوال، كيفما كان، يقال له: خذ ما آتيتك، واقنع بما أوليتك، وكن من الشاكرين عليه، وإلا سلبناك ما أعطيناك، فالرضا بالقسمة واجب، وطلب باب الفضل والكرم لازب، والأمر مُبهم، والعواقب مُغيبة، ومنتهى المقام على التعيين لا يعلم إلا بعد الموت. وقوله تعالى:
فَخُذْها بِقُوَّةٍ أي: بجد واجتهاد. قال في الإحياء: الأخذ بالجد أن يكون القارئ متجردًا لله عند قراءته، منصرف الهمة إليه عن غيره، وهو يشير للحضور.
وقوله تعالى: يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها قال الورتجبي: يأخذون بأبينها لهم، وهي المحكمات التي توجب العبودية، ويأخذون بمتشابهها التي هي وصف الصفات بحسن الاعتقاد والتسليم فيها، لأن علومها وحقائقها لا تكشف إلا للربانيين. قال تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
…
«2» الآية. هـ. وقوله تعالى:
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ. قال القشيري: سأحرِمُ المتكبرين بركة الاتباع، حتى لا يتلقوا الآيات التي يُكاشَفَون بها بالقبول، ولا يسمعوا ما يُخَاطَبُون به بسمع الإيمان. هـ.
(1) من الآية 49 من سورة الكهف. [.....]
(2)
الآية 7 من سورة آل عمران.