الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإشارة: لا عبرة بالأحوال الظلمانية وإن كثرت، وإنما العبرة بالأحوال الصافية ولو قلّت، صاحب الأحوال الصافية موصول، وصاحب الأحوال الظلمانية مقطوع، ما لم يتب عنها، قال بعض الحكماء:(كما لا يصح دفن الزرع في أرض ردية، لا يجوز الخمول بحال غير مرضية) .
والمراد بالأحوال الصافية: هي التي توافق مراسم الشريعة بحيث لا يكون عليها من الشارع اعتراض، بأن تكون مباحة في أصل الشريعة، ولو أخلت بالمروءة عند العوام، إذ المروءة إنما هي التقوى عند الخواص، والمراد بالأحوال، كل ما يثقل على النفس وتموت به سريعًا، كالمشي بالحفا وتعرية الرأس، والأكل في السوق، والسؤال، وغير ذلك من خرق عوائدها، التي هي شرط في حصول خصوصيتها، وفي الحِكَم: «كيف تخرق لك العوائد؟
وأنت لم تخرق من نفسك العوائد» . وبالله التوفيق ومن جملة الأحوال الرديئة: كثرة الخوض فيما لا يعنى، التي أشار إليه بقوله:
[سورة المائدة (5) : الآيات 101 الى 102]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (102)
قلت: الجملة الشرطية صفة لأشياء، وأشياء اسم جمع لشيء، أصله عند سيبويه: شيئَاءَ، مثل فَعلاء، قلبت إلى لفعاء، أي: قلبت لامه إلى فائه، لثقل اجتماع الهمزتين، وقال أبو حاتم: أشياء وزنها أفعال، وهو جمع شيء، وترك العرف فيه سماع، وقال الكسائي: لم ينصرف أشياء، لشبه آخره بآخر حمراء، انظر ابن عطية. وجملة (عفا الله عنها) : صفة أخرى لأشياء، أي: عن أشياء عفا الله عنها، ولم يكلف بها.
يقول الحق جل جلاله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ ليس لكم فيها نفع، إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ أي: إن تظهر لكم وتجابوا عنها تسؤكم بالأخبار بما لا يعجيكم وبما يشق عليكم، قيل: سبب نزول الآية:
كثرة سؤال الناس له صلى الله عليه وسلم من الأعراب والمنافقين والجُهال، فكان الرجل يقول للنبي- عليه الصلاة السلام-؟ أين ناقتي؟ وآخر يقول: ماذا ألقى في سفري؟ ونحو هذا من التعنيت، حتى صعد المنبر صلى الله عليه وسلم مغضبًا، فقال:«لا تَسألُوني اليوم عن شيء إلا أخبرتُكُم به» . فقام رجل فقال: أين أنا؟ فقال: في النار، وقام عبَدُ الله بن حُذَافة- وكان يُطعَنُ في نسبِهِ فقال: مَن أبي؟ فقال: «أبوكِ حُذافة» ، وقال آخر: من أبي؟ قال: «أبوك سَالم مولى شيبة» ، فقام عمر بن الخطاب، فجثا على ركبتيه، فقال: رَضِينا بالله رَبًا، وبالإسلامِ دِينًا، وبمُحمَّدٍ نَبِيًا نعوذ بالله من الفتن.
فنزلت هذه الآية «1» .
(1) أخرج بعضه البخاري فى: (مواقيت الصلاة، باب وقت الظهر عند الزوال) عن أنس، وأخرجه مختصرا فى (التفسير- سورة المائدة) عن ابن عباس، وانظر فتح الباري (ح 2621) والفتح السماوي (2/ 594- 595)
وقيل: سبب نزولها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: «أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فقالوا:
يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت، فأعادوا، فقال: لا، لو قُلتُ: نَعَم، لو جبت، وَلَو وَجَبت لَم تُطيقوه، ولَوَ تَركتُموه لهلكتم، فأترُكُوني مَا تَركتُكُم» «1» ، قال أبو ثعلبة الخشني رضى الله عنه: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وعفا- من غير نسيان- عن أشياء، فلا تبحثوا عنها.
ثم قال تعالى: وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ أي زمنه تُبْدَ لَكُمْ أي: تظهر لكم، وفيه معنى الوعيد على السؤال، كأنه قال: لا تسألوا، وإن سألتم أبدى لكم ما يسؤكم. والمراد بحين ينزل القرآن: زمان الوحي.
فلا تسألوا عن أشياء قد عَفَا اللَّهُ عَنْها ولم يكلف بها أو عفا الله عما سلف من سؤالكم، فلا تعودوا إلى مثلها، وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ لا يعاجلكم بعقوبة ما فرط منكم ويعفو عن كثير. قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ حيث لم يأتمروا بما سألوا، وجحدوا، وذلك أن بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم عن أشياء فإذا أُمروا بها تركوها، فهلكوا. فالكفر هنا عبارة عن ترك ما أُمروا به. وقال الطبري: كقوم صالح في سؤالهم الناقة، وكبني إسرائيل في سؤالهم المائدة. زاد الشلبي: وكقريش في سؤالهم أن يجعل الله الصفا ذهبًا. هـ. وكسؤالهم انشقاق القمر، وغير ذلك من تعنيتاتهم. والله تعالى أعلم.
الإشارة: مذهب الصوفية مبني على السكوت والتسليم والصدق والتصديق، مجلسهم مجلس حلم وعلم وسكينة ووقار، إن تكلم كبيرهم أنصتوا، كأن على رءوسهم الطير، كما كان الصحابة- رضى الله عنهم-، ولذلك قالوا: من قال لشيخه: (لِمَ) لَمْ يفلح أبدًا. وقال الشيخ أبو الحسن رضى الله عنه: إذا جلست مع الكبراء فدع ما تعلم وما لا تعلم لتفوز بالسر المكنون. هـ.
وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ يَنهَاكُم عَن قِيلَ وقَالَ، وكَثرة السُّؤالِ، وإضَاعَة المَالِ» «2» . وقال الورتجبي:
في الآية تحذير المريدين عن كثرة سؤالهم في البداية عن حالات المشايخ. هـ. قلت: وعلة النهي: لعله يطلع، بكثرة البحث عن حالهم، على أمور توجب له نفرة أو غضًّا من مرتبتهم قبل تربية يقينة، فالصواب: السكوت عن أحوالهم، واعتقاد الكمال فيهم، وكذلك يجب عليه ترك السؤال عن أحوال الناس، والغيبة عما هم فيه شغلا بما هو متوجه إليه، وإلا ضاع وقته، وتشتت قلبه، ولله در القائل:
ولَستُ بِسائِلٍ مَا دُمتُ حَيًّا
…
أسَارَ الجَيشُ أم رَكِبَ الأمِيرُ؟
والله تعالى أعلم.
(1) أخرجه أحمد فى المسند 2/ 508 ومسلم فى (الحج، باب فرض الحج فى العمر) عن أبى هريرة رضى الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري فى (الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر) ومسلم فى (الأقضية، باب النهى عن كثرة المسائل من غير حاجة..) عن حديث أبى هريرة رضى الله عنه.