الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم أمر بجهاد من لم ينته عن كفره، فقال:
[سورة الأنفال (8) : الآيات 39 الى 40]
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)
يقول الحق جل جلاله: وقاتلوا من لم ينته عن كفره حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، أي: حتى لا يوجد منهم شرك، فهو كقوله عليه الصلاة السلام:«أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاس حتَّى يَقُولوا: لا إله إلَاّ الله» «1» . وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ بحيث تضمحل الأديان الباطلة ويظهر الدين الحق، فَإِنِ انْتَهَوْا عن الكفر وأسلموا، فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيجازيهم على انتهائهم، وقرأ يعقوب بتاء الخطاب على معنى: فإن الله بما تعملون يا معشر المسلمين من الجهاد، والدعوة إلى الإسلام، والإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، بَصِيرٌ فيجازيكم، ويضاعف أجوركم بمن أسلم على أيديكم.
وَإِنْ تَوَلَّوْا، ولم ينتهوا عن كفرهم، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ ناصركم، فثقوا به ولا تبالوا بمعاداتهم، نِعْمَ الْمَوْلى فلا يضيع من تولاه، وَنِعْمَ النَّصِيرُ فلا يغلب من نصره.
الإشارة: يُؤمر المريد بجهاد القواطع والعلائق والخواطر، حتى لا يبقى في قلبه فتنة بشيء من الحس، ويكون القلب كله لله، فإن انتهت القواطع فإن الله بصير به، يجازيه على جهاده، ومجازاته: إدخاله الحضرة المقدسة، مع المقربين، وإن لم ينته فليستمر على مجاهداته وانقطاعه إلى ربه، وليستنصر به في مجاهدته، فإن الله مولاه وناصره، وهو نعم المولى ونعم النصير.
ثم ذكر قسم الغنائم التي تنشأ عن القتال، فقال:
[سورة الأنفال (8) : آية 41]
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)
(1) أخرجه البخاري فى (الاعتصام- باب الاقتداء بسنن النبي صلى الله عليه وسلم ومسلم فى (الإيمان- باب الأمر بقتال النَّاس حتَّى يَقُولوا:
لا إله إلا الله) من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.
قلت: (فأن لله) : مبتدأ حُذف خبره، أي: فكون خمسة لله ثابت، أو خبر، أي: فالواجب كون خمسه لله.
يقول الحق جل جلاله: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ مما أخذتموه من الكفار قهراً بالقتال، لا الذي هربوا عنه بلا قتال، فكله للإمام فَيء، يأخذ حاجته ويصرف باقيه في مصالح المسلمين، ولا الذي طرحه العدو خوف الغرق، فلواجده، بلا تخميس، وكذا ما أخذه من كان ببلاد العرب على وجه التلصيص، فأما ما أخذه بالقتال: فللَّه خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ الجمهور على أن ذكر الله للتعظيم كقوله: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ «1» ، وإنما المراد: قسم الخمس على الخمسة الباقية.
واختلف العلماء في الخمسة، فقال مالك: الرأي للإمام، يلحقه ببيت الفَيء، ويعطي من ذلك البيت لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رءاه، كما يعطي منه اليتامى والمساكين وغيرهم، وإنما ذكر مَن ذكر على جهة التنبيه عليهم، لأنهم من أهم ما يدفع إليهم. وقال الشافعي: يعطي للخمسة المعطوفة على (الله) ، ولا يجعل لله سهماً مختصاً، وإنما ذكر ابتداء تعظيماً، لأن الكل ملكه، وسهم الرسول يأخذه الإمام، يصرفه في المصالح، فيعطي للأربعة المعطوفة على الرسول، ويفضل أهل الحاجة. وقال مالك: لا يجب التعميم، فله أن يعطي الأحوج، وإن حرم غيره، ومبني الخلاف: هل اللام لبيان المصرف أو للاستحقاق، كما في آية الزكاة.
وقال أبو حنيفة: على ثلاثة أسهم، لليتامى والمساكين وابن السبيل، قال: وسقط الرسول وذوو القربى بوفاته عليه الصلاة والسلام. وقال أبو العالية: يقسم على ستةٍ، أخذاً بظاهر الآية، ويُصرف سهم الله إلى الكعبة، وسهم الرسول في مصالح المسلمين، وسهم ذوي القربى لأهل البيت الذين لا تحل لهم الزكاة، ثم يعطى سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل.
قال البيضاوي: وذوو القربى: بنو هاشم، وبنو المطلب، لما روى: أنه صلى الله عليه وسلم قسم سهم ذوي القربى عليهما، فقال عثمان وجبير بن مطعم: هؤُلاء إِخْوانك بَنُو هِاشِمٍ لا ننكر فَضْلَهُمْ لمَكَانِك الذي جَعَلَك اللَّهُ مِنْهُمْ، أرأيت إخواننا من بَني المُطَّلِب، أعْطَيْتَهُمْ وحَرَمْتَنَا، وإنَّما نَحنُ وَهُمْ بمنزلة واحدة؟ فقال عليه الصلاة والسلام:«إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونَا في جَاهِلِيَّةٍ ولا إٍسْلَام» وشَبَّكّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ «2» . وقيل: بنو هاشم وحدهم. قلت: وهو مشهور مذهب مالك- وقيل: جميع قريش. هـ.
(1) من الآية 62 من سورة التوبة.
(2)
أخرجه أبو داود فى (الخراج- باب فى بيان مواضع قسم الخمس) وابن ماجه فى (الجهاد- باب قسمة الخمس) من حديث جبير بن مطعم. وفى البخاري بعضه، راجع صحيح البخاري (فرض الخمس- باب: ومن الدليل على أن الخمس للإمام) .