الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ من فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، ونحوها، أو المراد عالمي زمانهم، وعن أبي سعيد الخدري قال النبي صلى الله عليه وسلم:«كَانَ بنو إسرَائيل إذا كَانَ لأحَدِهم خَادِمٌ وامرَأة يُكتَب مَلِكًا» «1» . وقال ابن عباس: (من كان له بيت وخادم وامراة فهو مَلِك)، وعن أبي الدرداء قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن أصبَحَ مُعَافّى في بَدَنِه، آمنًا في سِربِه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، يكفيكَ منها، يا ابنَ آدم، ما سَدَّ جوعَتَكَ، وَوَارَ عَورَتك، فإن كان بيتٌ يُوارِيك فذاك، وإن كانت دابة فبخ بخ، فلق الخبز، وماء الجر «2» وما فَوق الإزار حِسَابٌ عليك» «3» .
وقال الضحاك: (كانت منازلهم واسعة، فيها مياه جارية، فمن كان مسكنه واسعًا وفيه ماء جارٍ، فهو ملك) .
وقال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم، وأول من سخر لهم الخدم من بني آدم. هـ.
الإشارة: كل من رزقه الله من يأخذ بيده ومن يستعين به على ذكر ربه، فليذكر نعمة الله عليه، فقد أسبغ الله عليه نعمه ظاهرة وباطنة. وكل من ملك نفسه وهواه، وأغناه الله عما سواه، فهو ملك من الملوك. وكل من خرجت فكرته عن دائرة الأكوان، واتصل بفضاء الشهود والعيان، فقد آتاه الله ما لم يؤت أحدا من العالمين. وقد كُنتُ ذات يوم جالسًا في الجامع الأعظم من مدينة تطوان، فانتبهت فإذا مصحف إلى جنبي، فقال لي الهاتف:
انظر تجد مقامك، فأعرضت عنه، فأعاد عليَّ الهاتف ثلاث مرات، فرفعته، ونظرت، فإذا في أول الورقة:
وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ، فحمدت الله تعالى وأثنيت عليه.
ثم أمرهم بجهاد عدوهم، فقال:
[سورة المائدة (5) : الآيات 21 الى 26]
يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (21) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (22) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (24) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (25)
قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (26)
(1) عزاه السيوطي فى الدر المنثور لابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الخدري.
(2)
الجرّ والجرار: جمع جرة: وهو الإناء المعروف من الفخار.
(3)
أخرجه إلى قوله: (حيزت له الدنيا) البخاري فى الأدب المفرد (باب مِن أَصْبَحَ آمِناً فِي سربه) والترمذي فى (الزهد باب 34) وابن ماجه فى (الزهد، باب القناعة)
قلت: (فتنقلبوا) : منصوب بأن في جواب النهي، أو عطف على المجزوم، و (ما داموا) : بدل من (أبدًا) بدل بعض، و (أخي) يحتمل النصب عطف على (نفسي) ، أو رفع عطف على (أن) مع اسمها، أو مبتدأ حُذف خبره، أو جر عطف على ياء المضاف، على مذهب الكوفيين.
يقول الحق جل جلاله حاكياً عن موسى- عليه السلام: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ أرض بيت المقدس، قدسها الله، حيث جعلها قرار أنبيائه ومسكن المؤمنين. وفي مدحها أحاديث كثيرة. وقيل: الطور وما حوله، أو دمشق وفلسطين، أو الشام، الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي: التي كتب اللهُ في اللوح المحفوظ، أنها لكم مسكنًا إن جاهدتم وأطعتم نبيكم، وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ أي: لا ترجعوا مدبرين هاربين خوفًا من الجبابرة، أو: لا ترتدوا عن دينكم بالعصيان، وعدم الوثوق بالله، فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ الدنيا والآخرة. رُوِي أنهم لما سمعوا حالهم من النقباء بكوا، وقالوا: ليتنا متنا بمصر، تعالوا نجعل علينا رأسًا ينصرف بنا إلى مصر، ثم قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ أقوياء متغالبين، لا طاقة لنا بمقاومتهم، وهم قوم من العمالقة، من بقية قوم عاد، وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها بأمر سماوي، أو يُسلط عليهم مَن يُخرجهم من غيرنا، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ فيها.
قالَ رَجُلانِ كالب بن يوقنّا، ويوشع بن نون- ابن آخت موسى وخادمه- مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ الله، أو رجلان من الجبابرة أسلما وصارا إلى موسى، وعليه قراءة يُخافان بضم الياء، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإسلام والتثبت، قالا: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ أي: باب المدينة، أي: باغِتوهم بالقتال، فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ أي: ظاهرون عليهم، فإنهم أجسام لا قلوب فيها. يحتمل أن يكون علمهما بذلك من قِبل موسى، أو من قوله تعالى: الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، أو من عادته سبحانه في نصر رسله وأوليائه، وما عَهِدا من صنيعه تعالى مع موسى من قهر أعدائه. ثم قال: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ به، ومصدقين لوعده.
قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها، وهذا من تعنتهم وعصيانهم، وأشنعُ منه قولهم:
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ، قالوه استهزاء بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما، وانظر فضيلة الأمة
المحمدية، وكمال أدبها مع نبيها- عليه الصلاة والسلام فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الحديبية لأصحابه حين صُد عن البيت: إني ذاهب بالهدي فناحِرُه عند البيت، فقال المقداد بنُ الأسود: أما والله ما تقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ، ولكن نقاتل عن يمينك وشمالك، ومن بين يديك ومن خلفك، ولو خُضت البحر لخضناه معك، ولو تسنَمت جبلاً لعلوناه معك، ولو ذهبت بنا إلى بَرك الغماد لتبعناك، فلما سمعها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تابعوه على ذلك، فَسُرَ صلى الله عليه وسلم بذلك وأشرق وجهه «1» . هـ.
ولما سمع موسى عليه السلام مقالة قومه له غضب، ودعا ربه فقال: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي أي:
لا أثق إلا بنفسي وأخي، ولا قدرة لي على غيرهما، والرجلان المذكوران، وإن كانا موافقين له، لكنه لم يوثق عليهما، لما كبد من تلوّن قومه، ثم دعا عليهم فقال: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ أي: احكم بيننا وبينهم بما يستحق كل واحد منا ومنهم، أو بالتبعيد بيننا وبينهم، وتخليصنا من صحبتهم.
رُوِي أنه لما دعا عليهم ظهر فوقهم الغمام، وأوحى الله إليه: يا موسى إلى متى يعصي هذا الشعب؟ لأُهلكنهم جميعًا، فشفع فيهم موسى عليه السلام فقال الله تعالى له: قد غفرت لهم بشفاعتك، ولكن بعد ما سَميتَهم فاسقين، ودعوت عليهم، بي حلفت لأحرمنَّ عليهم دخول الأرض المقدسة، وذلك قوله تعالى: قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ يحتمل أن يكون «أربعين» متعلقًا بمحرمة، فيكون التحريم عليهم مؤقتًا غير مؤبد فيوافق ظاهر قوله: الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ.
ويؤيد هذا ما رُوِي أن موسى- عليه السلام لما خرج من التيه، سار بمن بقي معه من بني إسرائيل، ويوشع على مقدمته، ففتح بيت المقدس، فبقي فيها ما شاء الله، ثم قبض. ويحتمل أن يكون «أربعين» متعلقًا ب (يتيهون) ، فيكون التحريم مؤبدًا، وعلى هذا لم يبق أحد ممن دخل التيه إلا يوشع وكالب، ولم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال له: (اذهب أنت وربك
…
) ، بل كلهم هلكوا في التيه، وإنما دخلها أشياعهم.
رُوِي أن موسى عليه السلام لما حضره الموت في التيه أخبرهم بأن يوشع بعده نبي، وأن الله أمره بقتال الجبابرة، فسار بهم يوشع، وقاتل الجبابرة، وكان القتال يوم الجمعة، فبقيت منهم بقية، وكادت الشمس أن تغرب ليلة السبت، فخشي أن يعجزوه، فقال: اللهم اردد الشمس عليَّ، وقال للشمس: إنك في طاعة الله وأنا في طاعته، فوقفت مثل يوم حتى قتلهم، ثم قتل ملوك الأرمانيين، وقتل مِن ملوك الشام أحدًا وثلاثين ملكًا، فصارت الشام كلها لبني إسرائيل، وفرّق عماله فى نواحيها، وبقيت بنو إسرائيل في التيه أربعين سنة يتيهون في الأرض في ستة فراسخ، بين فلسطين وأيلة، متحيرين، يسيرون من الصباح إلى المساء جادين في السير، فإذا هم بحيث ارتحلوا عنه، ثم
(1) المشهور أن قول المقداد كان يوم بدر. وقال العلامة ابن كثير: وهذا- إن كان محفوظا يوم الحديبية- فيحتمل أنه كرر هذه المقالة يومئذ، كما قاله يوم بدر. انظر: تفسير ابن كثير.
يسيرون بالليل كذلك فيصبحون حيث ارتحلوا، وكان الغمام يظلهم من الشمس وعمود من نور يطلع بالليل فيضيء لهم، وكان طعامهم المن والسلوى، وماؤهم من الحجر الذي يحمله موسى، واختلف في الكسوة، فقيل: أبقى الله كسوتهم معجزة لموسى، وقيل: كساهم مثل الظفر. والأكثر أن موسى وهارون كانا معهم زيادة في درجاتهما، وكان عقوبة لقومهما وأنهما ماتا فيه، مات هارون أولاً ودفنه أخوه في كهف، وقيل: رُفع على سرير في قبة، ثم مات موسى- عليه السلام ودفن بقرب من الأرض المقدسة، رمية بحجر، كما في الحديث، ثم دخل يوشع الأرض المقدسة بعد ثلاثة أشهر. والله تعالى أعلم.
ثم قال تعالى لموسى عليه السلام: فَلا تَأْسَ أي: لا تحزن، عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ، خاطبه الحق تعالى بذلك لمَّا ندم على الدعاء عليهم، فقال له: أنهم أحق بذلك لفسقهم وعصيانهم.
الإشارة: يقول الحق جل جلاله للمتوجهين إليه من المريدين: ادخلوا الحضرة المقدسة التي كتب الله لكم، إن دمتم على جهاد أنفسكم، وصدقتم في طلب ربكم، وبقيتم في تربية شيوخكم، ولا ترتدوا على أدباركم بالرجوع عن صحبة شيوخكم من الملل مع طول الأمل، فتنقلبوا خاسرين، فإن حضرتي محفوفة بالمكاره، والطريقة الموصلة إليها مرصودة للقواطع والعوائق، فإن كان ممن لم يكتب له فيها نصيب، قال: لن ندخلها أبدا مادام القواطع فيها، ورجع على عقبيه، يتيه في مهامه شكوكه وأوهامه، وإن كان ممن سبقتَ له العناية وحقت به الرعاية قال:
ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فيبادر إلى قتل نفسه، من غير تأن ولا خوف ولا فزع، فحضرة التحقيق لا ينالها إلا الشجعان، ولا يسكنها إلا الأكابر من أهل العرفان، وإلى ذلك أشار صاحب العينية بقوله:
وإيَّاك جَزعًا لا يَهُولُكَ أمرُهَا
…
فَمَا نَالَهَا إلَاّ الشُّجاعُ المُقّارعُ
وقال الورتجبي في قوله تعالى: لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي: من بلغ عين التمكين ملك نفسه وملك نفوس المريدين لأنه عرفها بمعرفة الله، وقمعها من الله بسلطان سائس قاهر، من نظر إليه يفزع من الله، لا يطيق عصيانه ظاهرًا وباطنًا، فأخبر عليه السلام عن محلّ تمكينه وقدرته على نفسه ونفس أخيه، وأعلمنا أن بينهما اتحادًا، بحيث إنه إذا حكم على نفسه صار «1» نفس أخيه مطمئنة طائعة لله بالانفعال. قال صلى الله عليه وسلم:«المؤمنون كنفس واحدة» «2» . هـ.
ثم تكلم الحق جل جلاله على بقية حفظ الأبدان، فبيّن أوَّلُ من سَنَّ القَتل ووبال من تبعه، فقال:
(1) هكذا فى الأصول وكذا فى تفسير الورتجبي، وأرى أنها (صارت) . [.....]
(2)
أخرجه مسلم فى (البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم) عن النعمان بن بشير، بلفظ:(المؤمنون كرجل واحد..) .