الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للملك، وتزيين البواطن بالمحبة والوداد أحسن من تزيين الظواهر وخراب البواطن «إنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلَى صُوَرِكُم ولَا إلى أموَالِكُم، وإنَّمَا يَنظُرُ إلَى قُلوبِكُم وأعمَالِكُم» «1» . وملاقاة الملك بالذل والانكسار أحسن من ملاقاته بالتكبر والاستظهار. والله تعالى أعلم.
ولما تعاهدت قريش، ومن دان دينها، أنهم لا يأكلون أيام الحج دسما ولا سمنا ولا أقطا ولا طعاما جاء من الحل، ردّ الله عليهم بقوله:
[سورة الأعراف (7) : الآيات 32 الى 34]
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (34)
قلت: من قرأ: (خالصة) بالرفع، فخبر بعد خبر، أو خبر عن مضمر، ومن قرأ بالنصب، فحال.
يقول الحق جل جلاله: قُلْ لهم: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ وهي ما يتجمل به من الثياب وغيرها، الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ من النبات كالقطن والكتان، أو الحيوان كالحرير والصوف والوبر، والمعادن كالدروع والحلي، وَقل أيضًا: من حرم الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ أي: المستلذات من المآكل والمشارب، ويدخل فيها المناكح إذ هي من أعظم الطيبات. وفيه دليل على أنَّ الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات: الإباحة لان الاستفهام للإنكار، وبه رد مالك- رحمه الله على من أنكر عليه من الصوفية، وقال له: اتق الله يا مالك بلغني أنك تلبس الرقيق، وتأكل الرقاق، فكتب إليه بالآية.
قال تعالى: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، ويشاركهم فيها الكفار، ويوم القيامة تكون خالِصَةً لهم دون غيرهم. كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ أي: كتفصيلنا هذا الحكم نُفصل سائر الأحكام لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فينزلونها في محلها بخلاف الجهال.
(1) أخرجه مسلم فى (البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره) من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ وهي ما تزايد قبحها من المعاصي، وقيل: ما يتعلق بالفروج، ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ أي: جهرها وسرها، أو ما يتعلق بالجوارح الظاهرة والعوالم الباطنية وهي القلوب، وَالْإِثْمَ كقطع الرحم، أو عام في كل ذنب، وَالْبَغْيَ وهو الظلم كقطع الطريق والغصب، وغير ذلك من ظلم العباد، أو التكبر على عباد الله وقوله: بِغَيْرِ الْحَقِّ: تأكيد له في المعنى. وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً أي: حجة على استحقاق العبادة، وهو تهكم بالمشركين، وتنبيهٌ على تحريم ما لم يدل عليه برهان.
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من الإلحاد في صفاته، والافتراء عليه كقولهم: اللَّهُ أَمَرَنا «1» ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا «2» .
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ أي: مدة ووقت لنزول العذاب بها إن لم يؤمنوا، وهو تهديد لأهل مكة، فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ أي: انقرضت مدتهم، أو دنى وقت هلاكهم، لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً عنه وَلا يَسْتَقْدِمُونَ أي: لا يتأخرون ولا يتقدمون عنه أقصَر وقت، أو لا يطيقون التقدم والتأخر لشدة الهول، وجعل بعضهم:
(ولا يستقدمون) استئنافًا لأن الأجل إِذا جاء لا يتصور التقدم، وحينئذٍ يوقف على: ساعَةً، ثم يقول: ولا هم يستقدمون عنه قبل وصوله.
الإشارة: قال شيخنا البوزيدى رضى الله عنه: زينة الله التي أظهر لعباده هي لباس المعرفة، وهو نور التجلي، والطيبات من الرزق هي حلاوة الشهود. هـ. وهي لمن كمل إيمانه وصِدقه في الحياة الدنيا، وتصفو له إلى يوم القيامة، فهي حلال على أهل التجريد يتمتعون بها في الدارين، وإنما حرّم عليهم ما يشغلهم عن ربهم من جهة الظاهر، وما يقطعهم عن شهوده من جهة الباطن، وسوء الأدب مع الله، والتعرض لعباد الله، والشرك بالله بأن يشهدوا معه سواه، وأن يقولوا على الله ما يوهم نقصًا أو خللاً في أنوار جماله وسناه. والله تعالى أعلم.
ثم إن العباد والزهاد وأهل البداية من المريدين السائرين- ينبغي لهم أن يزهدوا في زينة الدنيا وطيباتها لئلا تركن إليها نفوسهم، فيثبط سيرهم، وأما الواصلون فهم مع الله، لا مع شيء سواه، يأخذون من الله بالله، ويدفعون بالله، وقد اتسعت دائرة علمهم، فليسوا مع لباس ولا أكل ولا شرب ولا جوع ولا شبع، هم مع ما يبرز في الوقت من المقدورات. والله تعالى أعلم.
(1) من الآية 28 من سورة الأعراف.
(2)
من الآية 148 من سورة الأنعام.