الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعصى. وهذا الطرد كان في علمه تعالى، ولكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأسباب وارتباطها بالمسببات، فكان امتناعه واعتراضه سببًا لإظهار ما سَبق له في علم الله، كما كانت وسوسته لآدم سببًا في إظهار خروجه من الجنة السابق في علم الله. وأما تمكينه من دخول الجنة فليتسبب عنه هبوط آدم الذي سبق في علمه لأن الحكمة اقتضت أن لكل شيء سببًا. أما تسلطه على أولاده، فليكون منديلاً تمسح به أو ساخ الأقدار إذ إن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان إنما هو بمشيئة الواحد القهار، ولا فعل لغيره، لكن الحق تعالى علمنا الأدب، فخلق الشيطان والنفس والهوى مناديل، فما كان فيه كمال نسبه لله، وما كان فيه نقص نسبه للشيطان والنفس أدبًا مع الحضرة.
وأما إمهاله فليدوم هذا المنديل عندهم، يمسحون فيه أوساخ المقادير التي تجري عليهم إلى انقضاء وجودهم.
وقوله: (معلوم أن العالم لو كان خاليًا من الشر لكان ذلك خيرًا)، مغالطة لأن حكمته تعالى اقتضت وجود الضدين: الخير والشر، وبهما وقع التجلي والظهور ليظهر آثار أسمائه تعالى فإن اسمه المنتقم والقهار يقتضي وجود الشر، فيما نفهم، وليظهر انتقامه وبطشه للعيان، ومعلوم أن الملك إذا وصف بوصف جلالي أو جمالي لا يظهر شرف ذلك الاسم إلا بظهور آثاره في مملكته. وقوله:(إنك ما عرفتني..) الخ.. يقتضي أنه لو عرف الله حق معرفته لفهم أسرار هذه الأشياء التي اعترض بها على ما بيناها. والله تعالى أعلم.
الإشارة: الأكوان ظاهرها أغيار، وباطنها أنوار وأسرار، فمن وقف مع ظاهرها لزمه الاعتراض والإنكار، ومن نفذ إلى شهود باطنها لزمه المعرفة والإقرار، ولعل إبليس لم ير- في حال الأمر بالسجود- من آدم إلا الأغيار، ولو رأى باطنه لكان أول ساجد لله الواحد القهار.
ثم ذكر دخول آدم الجنة وخروجه منها، فقال:
[سورة الأعراف (7) : الآيات 19 الى 25]
وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (20) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَاّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (23)
قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (24) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (25)
يقول الحق جل جلاله: وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ حواء الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما من ثمارها، وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ التين أو العنب أو الحنطة، فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ لأنفسكما بمخالفتكما، فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ أي: فعل الوسوسة لأجلهما، وهو الصوت الخفي، لِيُبْدِيَ أي: ليظهر لَهُما ما وُورِيَ أي: ما غطى عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما أي: عوراتهما، واللام: للعاقبة، أي: فعل الوسوسة لتكون عاقبتهما كشف عورتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر. وفيه دليل على أنَّ كشف العورة، ولو عند الزوج من غير حاجة- قبيح مستهجن في الطباع.
وَقالَ لهما: مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا كراهية أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ. واستدل به من قال بفضل الملائكة على الأنبياء، وجوابه: أنه كان من المعلوم عندهما أن الحقائق لا تنقلب، وإنما كانت رغبتهما فيما يحصل لهما من الغنى عن الطعام والشراب، فيمكن لهما الخلود في الجنة، ولذلك قال: أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ الذين يخلدون في الجنة.
ويؤخذ من قوله تعالى: ما نَهاكُما رَبُّكُما، أن آدم عليه السلام لم يكن ناسيًا للنهي، وإلا لما ذكره بقوله: ما نَهاكُما رَبُّكُما، وقوله في سورة طه: فَنَسِيَ، أي: نسي أنه عدو له، ولذلك ركن إلى نصيحته، وقبل منه حتى تأول أن النهي عن عين الشجرة لا عن جنسها، فأكل من جنسها رغبة في الخلود، ولكنه غره من حيث الأخذ بالظواهر وترك الاحتياط.
ولم يقصد إبليسُ إخراجهما من الجنة، وإنما قصد أسقاطهما من مرتبتهما، وإبعادهما كما بعُد هو، فلم يبلغ قصده ولا أدرك مراده، بل ازداد سخينة عين، وغيظ نفس، وخيبة ظن. قال الله تعالى: ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى «1» ، فصار عليه السلام خليفة لله في أرضه، بعد أن كان جارًا له في داره، فكم بين الخليفة والجار؟
(1) الآية 122 من سورة طه.
وَقاسَمَهُما أي: حلف لهما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ فيما قلت لكما. وذكر قَسَم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين اثنين مبالغة لأنه اجتهد فيه، أو لأنه أقسم لهما، وأقسما له أن يقبلا نصيحته.
فَدَلَّاهُما، أي: أنزلهما إلى الأكل من الشجرة، بِغُرُورٍ أي: بما غرهما به من القَسَم، لأنهما ظنًا أن أحدًا لا يحلف بالله كاذبًا، فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ أي: وجدا طعمها، آخذين في الأكل منها، بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما، وتهافت عنهما ثيابُهما، فظهرت لهما عوراتهما أدبًا لهما. وقيل: كان لباسهما نورًا يحول بينهما وبين النظر، فلما أكلا انكشف عنهما، وظهرت عورتهما، وَطَفِقا أي: جعلا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أي: أخذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة ليستترا به، قيل: كان ورقَ التين. فآدم أول من لبس المرقعه، وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ هذا عتاب على المخالفة، وتوبيخ على الاغترار بالعدو. وفيه دليل على أنَّ مطلق النهي للتحريم.
ثم صرّحا بالتوبة فقالا: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا حين صدّرناها للمعصية، وتعرضنا للإخراج من الجنة، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ وهذه هي الكلمات التي تلقاها من ربه فتاب عليه بها.
قال البيضاوي: فيه دليل على أن الصغائر يُعاقب عليها إن لم تغفر، وقالت المعتزلة: لا يجوز المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر، ولذلك قالوا: إنما قالا ذلك على عادة المقربين في تعظيم الصغير من السيئات، واستحقار العظيم من الحسنات. هـ.
قالَ اهْبِطُوا الخطاب لآدم وحواء وذريتهما، أو: لهما ولإبليس، وكرر الأمر له تبعًا ليعلم أنهم قرناء له أبدًا. حال كونكم بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ أي: متعادين، وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ أي: استقرار، وَمَتاعٌ أي: تمتع، إِلى حِينٍ انقضاء آجالكم، قالَ فِيها أي: في الأرض تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ للجزاء، بالنعيم، أو بالعذاب الأليم، على حسب سعيكم في هذه الدار الفانية.
الإشارة: قال بعض العارفين: كل ما نهى الله تعالى عنه فهو شجرة آدم، فمن دخل جنة المعارف، ثم غلبه القدر فأكل من تلك الشجرة- وهي شجرة سوء الأدب- أخرج منها، فإن كان ممن سبقتَ له العناية أُلهم التوبة، فتاب عليه وهداه، وأهبطه إلى أرض العبودية ليكون خليفة الله في أرضه، فأنعِم بها معصية أورثت الخلافة والزلفى. وفي الحكم:«ربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول» . وقال أيضا: «معصية أورثت ذُلاً وافتقاراً، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارًا» . وقال بعضهم: كل سوء أدب يُثمر لك أدبًا فهو أدب. والله تعالى أعلم.