الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أهل الفساد، أو بإصابة رأيها، فإنها كانت تقول لإبراهيم: اضمم إليك لوطاً، فإني لأعلم أن العذاب نازل بهؤلاء القوم. وقيل: معنى ضحكت: حاضت. يقال: ضحكت الشجرة: إذا سال صَمغُها. وقيل: ضحكت سروراً بالولد الذي بُشرت به. فيكون في الكلام تقديم وتأخير، أي: فبشرناها فضحكت، وهو ضعيف.
قال تعالى: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ولد ولدها. وتوجيه البشارة إليها لأنه من نسلها، ولأنها كانت عقيمة حريصة على الولد، قالَتْ يا وَيْلَتى يا عجباً، وأصله في الشر، فأطلق على كل أمر فظيع. وقرىء بالياء على الأصل، أي: يا ويلتي أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ابنة تسعين، أو تسع وتسعين وَهذا بَعْلِي: زوجي، وأصله: القائم بالأمر، شَيْخاً ابن مائة أو مائة وعشرين سنة، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ يتعجب منه لكونه نشأ الولد من هرمين.
وهو استغراب من حيث العادة، لا من حيث القدرة، ولذلك قالوا: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ منكرين عليها، فإن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة، ومهبط الوحي ومظهر المعجزات. وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع، ولذلك قالوا: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ أي: بيت إبراهيم، فلا تستغرب ما يظهر منهم من خوارق العادات، لا سيما من نشأت وشابت في ملاحظة الآيات، إِنَّهُ تعالى حَمِيدٌ فاعل ما يستوجب به الحمد، أو محمود على كل حال، مَجِيدٌ كثير الخير والإحسان. أو ممجَّد بمعنى العلو والشرف التام. قال ابن عطية هنا: إن في الآية دليلاً على ان الذبيح إسماعيل لا إسحاق. وفيه نظر «1» . وسيأتي في سورة الصافات ما هو الحق، إن شاء الله تعالى.
الإشارة: من شأن أهل الكرم والامتنان: المبادرة إلى من أتاهم بالبر والإحسان إما بقوت الأرواح، أو بقوت الأشباح. من أتاهم لقوت الأرواح بادروه بإمداد الروح من اليقين والمعرفة، ومن أتاهم لقوت الأشباح بادروه بالطعام والشراب، كُلاً ما يليق به، ومن شأن الضيف اللبيب المبادرة إلى أكل ما قُدِّمَ إليه، من غير اختيار، إلا لمانع شرعي أو عادي. ومن شأن أهل التحقيق والتصديق ألا يتعجبوا مما يظهر من القدرة من الخوارق إذ القدرة صالحة لكل شيء، حاكمة على كل شيء، هي تحكم على العادة، لا العادة تحكم عليها. وهذا شأن الصديقين لا يتعجبون من شيء ولا يستغربون شيئاً، ولذلك توجه الإنكار إلى سارة من الملائكة، ولم يتوجه إلى مريم حيث سألت استفهاماً، ولم تتعجب، ووصفت بالصديقية دون سارة. والله تعالى أعلم.
ولما تحقق إبراهيم عليه السلام بهلاك قوم لوط أسف عليهم، كما قال تعالى:
[سورة هود (11) : الآيات 74 الى 76]
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)
(1) راجع، مع تقريرنا بأن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام.
قلت: «لمَّا» : حرف وجود لوجود، تفتقر للشرط والجواب. فشرطها:«ذهب» ، وجوابها: محذوف، أي: جعل يجادلنا. والتأوه: التفجع والتأسف، ومنه قول الشاعر.
إِذا ما قمتُ أرحَلُهَا بليلٍ
…
تأوّهُ آهةَ الرجل الحزين «1»
يقول الحق جل جلاله: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ، وهو ما أوجس في نفسه من الخيفة، وَجاءَتْهُ الْبُشْرى بدل الروع، جعل يُجادِلُنا أي: يخاصم رسلنا فِي شأن قَوْمِ لُوطٍ، ويدافع عنهم، قال: إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها «2» ، إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ، غير عجول من الانتقام إلى من أساء اليه، أَوَّاهٌ كثير التأوه والتأسف على الناس، مُنِيبٌ راجع إلى الله. والمقصود من ذلك:
بيان الحامل له على المجادلة، وهي: رقة قلبه وفرط ترحمه. قال تعالى على لسان الملائكة: يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا، الجدال إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ بهلاكهم، ونفذ قضاؤه الأزلي فيهم، ولا مرد لما قضى، وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ غير مصروف بجدال ولا دعاء، ولا غير ذلك.
الإشارة: قال الورتجبي: قوله تعالى: (إن أبراهيم لحليم أواه) حليم بأنه كان لا يدعو على قومه، بل قال:
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «3» . وتأوه زفرة قلبه من الشوق إلى جمال ربه، هكذا وصْف العاشقين. ثم قال: ومجادلته كمال الانبساط، ولم يكن جهلاً، ولكن كان مُشفقاً، باراً كريماً، رأى مكانة نفسه في محل الخلة والاصطفائية القديمة، وهو تعالى يُحب غضب العارفين، وتغير المحبين، ومجادلة الصديقين، وانبساط العاشقين حتى يحثهم على ذلك.
وفي الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما أُسري بي رأيت رجلاً في الحضرة يتذمر، فقلت لجبريل: من هذا؟ فقال: أخوك موسى يَتَذَمَّرُ عَلَى ربهِ- أي: يجترىء عليه انبساطا- فقلت: وهل يليق له ذلك؟ فقال: يعرفه فيتحمل عنه» . ثم قال: ولا يجوز الانبساط إلا لمن كان على وصفهم. هـ. قال في الصحاح: يَتَذَمَّرُ على فلان: إذا تَنَكَّرَ له وأَوعَدَهُ. قاله المحشي.
والحاصل أن إبراهيم عليه السلام حملته الشفقة والرحمة، حتى صدر، منه ما صدر مع خلته واصطفائيته، فالشفقة والرحمة من شأن الصالحين والعارفين المقربين، غير أن العارفين بالله مع مراد مولاهم، يشفقون على عباد الله، مالم يتعين مراد الله، فالله أرحم بعباده من غيره. ولذلك قال لخليله، لما تعين قضاؤه: يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا.
(1) عزاه القرطبي فى تفسيره إلى المثقّب العبدى.
(2)
من الآية: 32 من سورة العنكبوت.
(3)
من الآية: 36 من سورة ابراهيم.