الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
البيان، أضلهم وآخذهم إن لم يتوبوا. قال البيضاوي: وكأنه بيان عذر الرسول في قوله لعمه: «لأستغفرن لك» ، ولمن استغفر لأسلافه المشركين قبل المنع. وقيل: إنه في قوم مضوا على الأمر الأول في القبلة والخمر، ولم يعلموا بالنسخ والمنع. وفي الجملة: دليل على أن الغافل غير مكلف. هـ. وقال ابن جزي: نزلت في قوم من المسلمين استغفروا للمشركين من غير إذن، فخافوا على أنفسهم من ذلك، فنزلت الآية تأنيساً لهم، أي: ما كان الله ليؤاخذكم بذلك قبل أن يُبَيَّن لكم المنع من ذلك. هـ. إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
فيعلم أمرهم قبل النهي وبعده.
إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، يتصرف فيهما وفي ساكنهما كيف يشاء، يُحْيِي من يريد إبرازه لعالم الشهادة، وَيُمِيتُ من يريد رده لعالم الغيب، أو يحيي قلوباً بالإيمان والمعرفة، ويميت قلوباً بالكفر والغفلة. وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ.
قال البيضاوي: لمَّا منعهم من الاستغفار للمشركين، ولو كانوا أولي قربى، وتضمن ذلك وجوب التبري منهم رأساً، بيَّن لهم أن الله تعالى مالك كل موجود، ومتولي أمره والغالب عليه، ولا يتأتى لهم ولاية ولا نصرة إلا منه، ليتوجهوا إليه ويتبرؤوا مما عداه، حتى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ويذرون سواه. هـ.
الإشارة: وما كان الله ليضل قوماً عن السير إلى حضرته، أو الترقي في العلوم والمعارف بعد الوصول، حتى يبين لهم ما يتقون من سوء الأدب على لسان الشارع أو المشايخ، فإذا تبين لهم ذلك ثم ارتكبوه وأصروا عليه، أضلهم، وأتلفهم عن الوصول إلى حضرة قدسه، فإنَّ كل طاعة وحسن أدب يقرب من الحضرة، وكل معصية وسوء أدب يُبعد عن الحضرة، وقد قالوا: من أساء الأدب على البساط، طُرد إلى الباب، ومن أساء الأدب في الباب، طرد إلى سياسة الدواب. وبالله التوفيق.
ثم ذكر توبته على الثلاثة المرجون، فقال:
[سورة التوبة (9) : الآيات 117 الى 118]
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَاّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)
قلت: في «كاد» ضمير الشأن، أو يرتفع بها قلوبُ.
يقول الحق جل جلاله: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ أي: برأه وطهره من الذنوب، كقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «1» ، وَتاب على الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ مما عسى أن يكون ارتكبوه إذ لا يخلو العبد من ذنب أو عيب. وقيل: هو حض على التوبة، وإظهار لفضلها، بأنها مقام الأنبياء والصالحين.
وقيل: تاب عليهم من نقص المقامات التي ترقوا عنها، إلى ما هو أكمل منها، فما مِنْ أَحَدٍ إلاّ ولَهُ مقام يستنقص بالنسبة إلى ما فوقه.
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلى رضى الله عنه: ذكر توبة من لم يذنب لئلا يستوحش من أذنب، لأنه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، والمهاجرين والأنصار، ولم يذنبوا، ثم قال: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، فذكر من لم يذنب ليؤنس من قد أذنب، فلو قال أولاً: لقد تاب على الثلاثة لتفطرت أكبادهم. هـ.
ثم وصفهم بقوله: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ، يعني: حين محاولة غزوة تبوك. والساعة هنا بمعنى الحين والوقت، والعسرة: الشدة والضيق، أي: الذين خرجوا معه وقت العسرة والضيق، فقد كانوا في عسرة الظهر، يعتقب العشرة على بعير واحد، وفي عسرة الزاد حتى قيل: إن الرجلين كانا يقتسمان تمرة واحدة. مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ عن الثبات على الإيمان، أو عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، لما رأوا من الشدة والضيق وشدة الحر، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ كرره للتأكيد، وللتنبيه على أنه تاب عليهم لأجل ما كابدوا من العسر، إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث قَبَلهم، وتاب عليهم، وتاب على الثلاثة، وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، تخلفوا عن غزوة تبوك من غير عذر ولا نفاق، ولا قصد للمخالفة، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عتب عليهم، وأمر الناس ألا يكلموهم، وأن يعتزلوا نساءهم، فبقوا على ذلك خمسين ليلة، ثم أنزل الله توبتهم. وقد وقع حديثهم في البخاري ومسلم «2» وكتب السير.
ومعنى قوله: الَّذِينَ خُلِّفُوا أي: تخلفوا عن الغزو. وقال كعب بن مالك: خلفوا عن قبول العذر، وليس بالتخلف عن الغزو، ويقوي ذلك كونه جعل: حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ غاية للتخلف، أي: خلفوا عن قبول العذر، وأخروا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ أي: برحبها وسعتها، وذلك لإعراض الناس
(1) من الآية 2 من سورة الفتح.
(2)
انظر البخاري فى (تفسير سورة التوبة، باب: قوله تعالى: (وعلى الثلاثة ألين خلفوا..) ، ومسلم فى (التوبة، حديث توبة كعب ابن مالك وصاحبيه) .