الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فالمراد بالقبضتين: الحس والمعنى، وإن كانا في الأصل قبضة واحدة، لكن لما تجلت بالضدين سمَّاها قبضتين.
فالحس رداء للمعاني. وسماه هنا قميصاً لأنه يستر كالرداء، فإذا رفع القميص عن عُيون البصيرة رأت ما غاب عنها من أنوار الملكوت وأسرار الجبروت، وهذا معنى قوله: ضع قميصي عن العيون. إلخ
…
وَرَفْعُ حجاب المعنى عن البصيرة هو بشير الولاية وعنوانها. والله تعالى أعلم.
ولما بيّن كمال علمه ذكر كمال قدرته، فقال:
[سورة هود (11) : آية 7]
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7)
يقول الحق جل جلاله: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وما بينهما وما فيهما فِي مقدار سِتَّةِ أَيَّامٍ من أيام الدنيا، أو خلق العالم العلوي والسفلي في مقدار ذلك. وجمع السموات دون الأرض لاختلاف العلويات بالأصل والذات دون السفليات. وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قيل: لم يكن بينهما حائل، وكان موضوعاً على متن الماء. واستدل به على إمكان الخلاء، وعلى أن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم. وقيل: كان الماء على متن الريح. والله أعلم بذلك. قاله البيضاوي.
قلت: الخلاء هو الفضاء الخارج عن دائرة الأكوان. وهو عند المتكلمين من جملة الممكنات، ووجه الاستدلال من الآية على إمكانه: أن العرش والماء لما كانا محصورين لزم أن يكون ما خرج عنهما خلاء، وكل ما سوى الله فهو ممكن. وعند الصوفية: هو أسرار الذات الأزلية الجبروتية، كما أن الأكوان هي أنوار الصفات الملكوتية، ولا شيء معه، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. ونقل بعض أهل التاريخ: إنّ اللهَ تعالى خَلَقَ بعد العرش ياقوته صفراء، ذكروا من عظمتها وسعتها، ثم نظر إليها، فذابت من هيبته، فصارت ماء، فكان العرش مرتفعاً فوقها، ثم اضطرب ذلك الماء، فعلته زبدة، خلق منها الأرض، ثم ارتفع من الماء دخان خلق منه السموات «1» . هـ.
خلق ذلك لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي: ليختبركمْ اختباراً تقوم به الحجة عليكم، أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا بالزهد في هذا العالم الفاني، وتعلق الهمه بالعالم الباقي قال البيضاوي: أي: يعاملكم معاملة المبتلى لأحوالكم، كيف تعملون؟ فإن جملة ذلك أسباب ومواد لوجودكم ومعاشكم، وما تحتاج إليه أعمالكم، ودلائل
(1) كلام أهل التاريخ لا برهان عليه، والأصح: أن يرجع فى هذا- إن أمكن معرفته- إلى علماء الطبيعة.. وإلا فإن الله تعالى يقول:
ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.. الآية 51 من سورة الكهف.
وأمارات تستدلون بها وتستنبطون منها. ثم قال: فالمراد بالعمل ما يعم عمل القلب والجوارح. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:
«أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله.» والمعنى: أكمل علماً وعملاً. هـ.
قال المحشي: ويتجه كون المعنى: أيكم أكثر شكراً لله على تمهيد تلك المنافع والمصالح. والشكر يشمل الطاعات القلبية والبدنية. ويحتمل أنه كآية: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «1» . وأن بقاء الدنيا وخلقها إنما هو للتكليف، فإذا لم يبق في الأرض مَن يعبد الله انقضت الدنيا، وجاءت الساعة، كما تقتضيه الأحاديث الصحاح «2» والمتبادر ما قدمناه، وحاصله: أنه خلق الأشياء من أجل ابن آدم، ولتدله على خالقه فيجني بها ثمار معرفته تعالى، ويعترف بشكره، وإفراد عبادته. وقد جاء. «خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك من أجلي» .
قلت: فيكون المعنى: هو الذي أظهر الوجود من عرشه إلى فرشه، ليختبركم أيكم أحسن عملاً بالاشتغال بالله، والعكوف في حضرته دون الوقوف مع ظاهر الكون، والاشتغال بحسه، مع كونه خُلق من أجله. ثم قال: وقوله تعالى: (وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ
…
) الآية، هو: تنبيه على أن إنكار الكفار للبعث بعد إقرارهم بأن الله تعالى خالق العالم، الذي هو أعظم من البعث، تناقض منهم لأن إقرارهم بقدرته على الأكبر، ثم إنكارهم لما هو أيسر تناقض هـ أي: ولئن ذكرت لهم البعث بعد الموت لقالوا ما هذا إلا سحر ظاهر. أي: ما البعث أو القول به، أو القرآن المتضمن لذكره إلا كالسحر في الخديعة أو البطلان. وقرأ حمزة ساحر أي: القائل بهذا. والله تعالى أعلم.
الإشارة: في صحيح البخاري قال صلى الله عليه وسلم: «كان الله ولا شيء مَعه، وكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء» الحديث.
فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الحق جل جلاله كان في أزله لا شيء معه، ثم أظهر الأشياء من نوره بنوره لنوره، فهو الآن على ما كان عليه. وعن أبي رَزِينٍ: قلنا: يا رسول الله! أين كان ربُّنَا قَبْل أنْ يَخْلُقَ خَلقَهُ؟ قال: «كَان في عَمَاءٍ ما فَوْقَه هَوَاءٌ، ومَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ، وخَلَق عَرشَه عَلَى المَاءِ» «3» والعماء هو: الخفاء، قال تعالى: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ «4» ، أي: خفيت. ويقال للسحاب عماء لأنه يخفى ما فيه، وقال الششتري: في المقاليد «5» : كان في عمّى، ما فوقه هواء وما تحته هواء. هي الوحدة المُصْمتة الصّمدية، البحر الطامس «6» الذي هو الأزل والأبد، فلم يكن موجود غير الوجود الذي هو هو. هـ.
(1) الآية 56 من سورة الذاريات.
(2)
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الأرض: الله الله» . أخرجه مسلم (كتاب الإيمان، باب ذهاب الإيمان آخر الزمان) .
(3)
أخرجه الترمذي فى سننه، (كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة هود) ، وحسنه. وأخرجه ابن ماجه (المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية) . قلت: وهذا من حديث الصفات. نؤمن به ونكل علمه إلى الله تعالى.
(4)
من الآية: 66 من سورة القصص.
(5)
اسمه كاملا: المقاليد الوجودية فى أسرار الصوفية.
(6)
يقال: طريق طامس، أي: بعيد لا مسلك فيه.
والحاصل: أن الحق جل جلاله كان في سابق أزله ذاتاً مقدسة، لطيفة خفية عن العقول، نورانية متصفة بصفات الكمال، ليس معها رسوم ولا أشكال، ثم أظهر الحق تعالى قبضة من نوره حسية معنوية إذ لا ظهور للمعنى إلا بالحس، فقال لها: كوني محمداً، فمن جهة حسها محصورة، ومن جهة معناها لا نهاية لها، متصلة ببحر المعاني الأزلي، الذي برزت منه، وما نسبتها من ذلك البحر من جهة حسها إلا كخردلة في الهواء. وقد أشار ابن الفارض إلى وصف هذه الخمرة الأزلية- وهو تفسير للعماء المذكور قبلُ- فقال:
صفاءٌ ولا ماءٌ، ولُطفٌ ولَا هواً
…
ونورٌ ولا نارٌ، وروحٌ ولا جِسمٌ
تَقَدَّمَ كلَّ الكائنات حديثُها
…
قديماً ولا شكلٌ هناك، ولا رَسْم
وقامت بها الأشياءُ ثمَّ لحكمَةِ
…
بها احتَجَبَت عن كلّ من لا له فَهْمُ
فالأشكال والرسوم متفرعة من تلك القبضة المحمدية، والقبضة متدفقة من بحر الجبروت الذي لا نهاية له، فهى منه حقيقة، وما ظهر تحديدها إلا من جهة حسها. فهي كثلجة في بحرٍ، ماؤها الباطني متصل في البحر، وظاهرها محدود محصور. فالأشكال كلها غريقة في بحر الجبروت، ولذلك قال صاحب العينية «1» :
هو العرش والكرسىّ والمَنْظَرُ البهي
…
هو السِّدرةُ التي إِليهَا المَرَاجعُ
وقال أيضاً:
هُوَ المُوجِدُ الأَشْيَاءِ وهو وجودها
…
وعين ذوات الكُلّ وهْوَ الجَوَامعُ
فَأوْصَافُهُ والاسْمُ والأثَرُ الذي
…
هُو الكَونُ عَيْنُ الذَّات والله جَامِعُ
فالأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فالحق تعالى كما كان لا شيء معه، فهو الآن كما كان. إذ التغير في حقه تعالى مُحال، ولا يعلم هذه الأسرار إلا من صحب أهل الأسرار، وحسب من لم يصحبهم التسليم. كما رمزوا وأشاروا إليه:
وإن لَمْ ترَ الهلالَ فسَلِّم
…
لأناس رَأوْهُ بالأبْصارِ
وقوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي: ليظهر منكم من يقف مع الأكوان، ومن ينفذ إلى شهود المكون. وهو الذي حسن عمله، وارتفعت همته. ولئن قلت أيها العامي: إنكم تحيون بالمعرفة من بعد موت قلوبكم بالجهل والغفلة إن صحبتمُوني، ليقولن أهلُ الإنكار: إن هذا إلا سحر مبين.
(1) غفر الله له. ولولا الأمانة العلمية لحذفت هذه الأبيات.