الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قيل: ما أصاب يعقوب ما أصابه في ولده إلا من أجل خوفه عليه، وغفلته عن استيداعه ربه، ولو استودعه ربه لحفظه، لكن لا ينفع حذرٌ من قدر. (وكان أمر الله قدرا مقدورا) .
ثم ذكر انصرافهم بيوسف، وما كان من شأنه، فقال:
[سورة يوسف (12) : الآيات 15 الى 18]
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (15) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (16) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (17) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (18)
قلت: (لمَّا) حرف وجود لوجود، يطلب الشرط والجواب، وجوابها هنا محذوف، أي: فعلوا به ما فعلوا.
وقيل: جوابها: (أجمعوا)، وقيل:(أوحينا) على زيادة الواو فيهما. وجملة: (وهم لا يشعرون) : حال من (تنبئنهم) ، فيكون خطاباً ليوسف عليه السلام، أو من (أوحينا) أي: وهم لا يشعرون حين أوحينا إليه. فيكون حينئذٍ الخطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. و (صبر جميل) : مبتدأ، والخبر محذوف، أي: مثل. أو: خبر عن مبتدأ، أي:
أمري صبر جميل. و (على قميصه) : في موضع نصب على الظرف، أي: فوق قميصه. أو: حال من الدم إن جوز تقديمها على المجرور.
يقول الحق جل جلاله: فَلَمَّا ذَهَبُوا بيوسف معهم وَأَجْمَعُوا أي: عزموا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ «1» الْجُبِّ وهو بئر بأرض الأردن، أو بين مصر ومدين، أو على ثلاثة فراسخ من مقام يعقوب.
قال الفراء: كان حفره شداد بن عاد. فانظره. قال السدي: ذهبوا بيوسف وبه عليهم كرامة، فلما برزوا في البرية أظهروا له العداوة، وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا يرى منهم رحيماً. فضربوه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح: يا أبتاه يا يعقوب، لو تعلم ما صنع بابنك بنو الإماء. هـ. وكان إخوته سبعة من خالته الحرة، والباقون من سريتين له، كما تقدم.
وقال ابن عباس رضى الله عنه: كان يعقوب عليه السلام ينظر إلى يوسف عليه السلام حتى غاب عنه، وعن نظره، فلما علموا أنهم غيبوه عنه، وضعوه في الأرض وجروه عليها، ولطموا خده، فجرد شمعون سكينه وأراد ذبحه، فتعلق بذيل
(1) راجع التعليق على تفسير الآية «9» من نفس السورة.
روبيل وضربه، وكذلك جميع إخوته إذا لجأ لواحد منهم طرده، فضحك عند ذلك يوسف عليه السلام، فقال له يهوذا:
ليس هذا موضع الضحك يا يوسف، فقال: من تعزز بغير الله ذل، ظننت أنه لا يصيبني وأنا بينكم مكروه لما رأيت من قوتكم وشدتكم، فسلطكم الله علي بشؤم تلك الفكرة حتى لا يكون التوكل إلا عليه والتعزز إلا به. هـ. بالمعنى.
وقال الفراء: كانت زينب بنت يعقوب عليه السلام أخت يوسف- وكانت رأت في منامها كان يوسف وضع بين الذئاب وهم ينهشون، فانتبهت فازعة، ومضت إلى أبيها باكية، فقالت يا أبت، أين أخي يوسف؟ قال: أسلمته إلى إخوته، فمضت خلفه حتى لحقت به، فأمسكته، وتعلقت بذيله، وقالت: لا أفارقك اليوم يا أخي أبداً، فقال لها إخوتها: يا زينب، أرسليه من يدك، فقالت: لا أفعل ذلك أبداً لأني لا أطيق فراق أخي، فقالوا: بالعشي نرده إليك ويأتيك. ثم أقبل يوسف عليه السلام يقبل رأسها ويديها، ويقول لها: يا أختاه دعيني أسير مع إخوتي أرتع وألعب، فذهب، وجلست تشيعه بعينها، ودموعها تتناثر مما رأت خوفاً عليه. هـ.
فلما غابوا به عنها فعلوا به ما تقدم، وهموا بقتله، فقال لهم يهوذا: أما عاهدتمُوني ألا تقتلوه فأتوا به إلى البئر فدلوه فيها فتعلق بشفيرها، فربطوا يده، ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم، ويحتالوا به على أبيهم، فقال: يا إخوتاه رُدّوا عليّ قميصي أتوارى به، فقالوا: ادعُ الأحد عشر كوكباً والشمس والقمرَ يلبسوك ويؤنسوك. فلما بلغ نصفها ألقوه، وكان فيها ماء، فسقط، ثم آوى إلى صخرة كانت فيها فقام عليها يبكي، فجاءه جبريل بالوحي، كما قال:
وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ
…
الخ. وكان ابن سبع عشرة سنة، وقيل: كان مراهقاً. وقال ابن عطية: كان ابن سبع سنين، أوحى إليه في صغره كما أوحي إلى يحيى وعيسى- عليهما السلام.
وفي القَصَص: أن إبراهيم عليه السلام، حين ألقي في النار، جُرد من ثيابه، فأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحق، وإسحق إلى يعقوب، فجعله في تميمة علقها على يوسف، فأخرجه جبريل وألبسه يوسف.
ثم قال له فيما أوحي إليه: لَتُنَبِّئَنَّهُمْ أي: لتحدثنهم بِأَمْرِهِمْ هذا بما فعلوا بك، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنك يوسف، لعلو شأنك وبعده عن أوهامهم، وطول العهد المغير للحال والهيئات. وذلك إشارة إلى ما قال لهم بمصر، حين دخلوا عليه ممتارين، فعرفهم وهم له منكرون، إلى أن قال لهم: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ «1» وفي رواية: أوحى إليه: يا يوسف لا تحزن على ما أصابك، فإنك تصل إلى ملك كبير، ويقف إخوتك بين يديك. بشره بما يؤول إليه أمره، أيناساً وتطبيباً لقلبه. وقيل: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ متصل بقوله: وَأَوْحَيْنا أي: آنسناه بالوحي وهم لا يشعرون ذلك.
(1) الآية 89 من سورة يوسف.
وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً آخر النهار، وقرىء عُشي بضم العين والقصر، جمع أعشى، أي: عُشي من البكاء. فجاءوا إليه يَبْكُونَ أي: متباكين. روي أنه لما سمع بكاءهم فزع وقال: يا بني، أين يوسف؟ فقالوا:
يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ أي: نتسابق بأقدامنا في العَدْو، أو الرمي وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا: بمصدق لنا، وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ لسوء ظنك، وفرط محبتك ليوسف.
وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ: فوق قميصه بِدَمٍ كَذِبٍ، أي: ذي كذب بمعنى مكذوب فيه لأنهم ذبحوا جدياً، ولطخوا قميصه بدمه. رُوي أنه لما سمع بخبر يوسف صاح ودعا بقميصه فأخذه، وألقاه على وجهه، وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص، وقال: ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا! أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.
وفي رواية أخرى: أنه لما رأى صحة القميص ضحك، فقالوا له: الضحك والبكاء من فعل المجانين! فقال: أما بكائي فعلى يوسف لما رأيت الدم، وأما ضحكي، فإني لما رأيت صحة القميص رجوت أن الحديث غير صحيح، ولذلك قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً أي: سهلت لكم، وهونت في أعينكم أمراً عظيماً حتى أقدمتم عليه. وقيل: لما سمع مقالهم غشي عليه إلى الصباح، وهم يبكون بأجمعهم، ويقولون بينهم: بئس ما فعلناه بيوسف ووالده، وأي عذر لنا عند الله. فلما أفاق نظر إلى أولاده وقال: هكذا يا أولادي كان ظني فيكم، بئس ما فعلتم، وبئس ما سولت لكم أنفسكم فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أي: فأمري صبري جميل. وفي الحديث: «الصبرُ الجميل الذي لا شكوى فيه إلى الخلق» «1» . وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ أي: على احتمال ما تصفونه من هلاك ابني يوسف.
وهذه الجريمة كانت قبل استنبائهم، إن صح أنهم تنبأوا. وقد تقدّم في سورة البقرة الخلاف في نبوة الأسباط فراجعه «2» .
الإشارة: في هذه الآية رجاء كبير لأهل العصيان، وبشارة وتأنيس لمن أراد مقام الإحسان، بعد الإساءة والغفلة والنسيان، وذلك أن هؤلاء السادات فعلوا بيوسف عليه السلام ما فعلوا، فلما تابوا بعد هذا الفعل العظيم اجتباهم الحق تعالى، وتاب عليهم، وقربهم حتى صاروا أنبياء، على حد قول بعض العلماء. ولذلك قيل:[كم من خصوص خرجوا من اللصوص، وكم من عابد ناسك خرج من ظالم فاتك] . وفي الحكم: «مَن استغرب أن يُنقذه الله من
(1) أخرجه ابن جرير فى التفسير (12/ 166) عن حبان بن أبى جبلة، مرسلا.
(2)
راجع تفسير الآية 136 من سورة البقرة.