الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وطهرتها، فصرت كأني أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، يتلوه على أصحابه، ثم رفعت إلى مقام فوقه، فكنت أتلوه كأني أسمعه من جبريل يلقيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ منَّ عليّ اللهُ بمنزلة أخرى، فأنا الآن أسمعه من المتكلِّم به، فعندها وجدت له نعيماً لا أصبر عليه. هـ. بلفظه.
مثل هذا يزيده القرآن إيقاناً، ويستبشر قلبه عند سماعه، وأما من كان مريض القلب بحب الدنيا، مَغْمُوراً بالشكوى والأوهام والخواطر، فلا يزيده القرآن إلا بُعداً حيث لم يتدبر فيه، ولم يعمل بمقتضاه، وإذا حضر مثلُ هذا الغافل مجلسَ وعظ أو تذكير أو ذكر لم يطق الجلوس، بل نظر: هل يراه من أحد؟ ثم انصرف، صرف الله قلبه عن حضرة قدسه لعدم فهمه عن ربه. والله تعالى أعلم.
ثم ختم السورة بذكر محاسن نبيه- عليه الصلاة والسلام لما ظهر عليه فى هذه السورة من الرحمة والرأفة بالمؤمنين، ومن العفو والصفح عن المعتذرين، فقال:
[سورة التوبة (9) : الآيات 128 الى 129]
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)
قلت: «عزيز» : صفة «لرسول» ، و «ما عنتم» : فاعله، و «ما» : مصدرية، أي: عزيز عليه عَنَتُكُم، أو عزيز: خبر مقدم، و «ما عنتم» مبتدأ، والعنت: المشقة والتعب.
يقول الحق جل جلاله، مخاطباً العرب، أو قريش، أو جميع بني آدم: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ محمد صلى الله عليه وسلم، أي: من قبيلتكم، بحيث تعرفون حسبه وصدقه وأمانته، وتفهمون خطابه، أو من جنسكم من البشر. وقرأ ابن نشيط: بفتح الفاء، أي من اشرافكم. قال صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةًَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، واصْطَفَى قُرَيْشاً مَنْ كِنَانَةَ، واصْطَفَى بَنِي هَاشِم مِنْ قُريْشٍ، واصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِم، فأنا مُصْطَََفى من مُصْطَفَيْن» .
عَزِيزٌ عَلَيْهِ، أي: شديد شاق عليه ما عَنِتُّمْ أي: عنتكم ومشقتكم ولقاؤكم المكروه في دينكم ودنياكم. حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أي: على إيمانكم وسعادتكم وصلاح شأنكم، بِالْمُؤْمِنِينَ منكم ومن غيركم رَؤُفٌ رَحِيمٌ أي: شفيق بهم، قدَّم الأبلغ منهما لأن الرأفة شدة الرحمة للفاصلة. وسمى رسوله هنا باسمين من أسمائه تعالى.
فَإِنْ تَوَلَّوْا عن الإيمان بك، بعد هذه الحالة المشهورة، التي منَّ الله عليهم بها، فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ أي:
كافيني أمركم، فإن قلت ذلك فإنه يكفيك شأنهم ويعينك عليهم، أو فإن أعرضوا فاستعن بالله وتوكل عليه، فإنه كافيك، لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فلا يُتوكل إلا عليه، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ فلا أرجو ولا أخاف إلا منه، وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، أي: المُلك العظيم، أو الجسم الأعظم المحيط، الذي تنزل منه الأحكام والمقادير.
وعن أُبي: آخر ما نزل هاتان الآيتان. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نَزَل القرآنُ عليَّ إلا آية آيةً، وحرفاً حرفاً، ما خَلَا سورة براءة، و (قل هو الله أحد) فإنهما أُنْزِلَتَا عليَّ ومَعَهُمَا سْبعون ألف صفٍ من الملائكة» «1» قاله البيضاوي.
وهاتان الآيتان أيضاً مما وجدَتَا عند خزيمة بن ثابت، بعد جمع المصحف، فألحقتا في المصحف، بعد تذكر الصحابة لهما وإجماعهم عليهما. والله تعالى أعلم.
الإشارة: ينبغى لورثته- عليه الصلاة والسلام الداعين إلى الله، إن يتخلقوا بأخلاقه صلى الله عليه وسلم، فيشق عليهم ما ينزل بالمؤمنين من المشاق والمكاره، وييسرون ولا يعسرون عليهم، ويحرصون على الخير للناس كافة، ويبذلون جهدهم في إيصاله إليهم، ويرحمونهم ويشفقون عليهم، فإن ادبروا عنهم استغنوا بالله وتوكلوا عليه، وفوضوا أمرهم إليه، من غير أسف ولا حزن.
وقال الورتجبي: قوله تعالى: عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ، اشتد عليه مخالفتنا مع الحق، ومتابعتنا هوانا واحتجابنا عن الحق. قال بعضهم: شق عليه ركوبكم مراكب الخلاف. قال سهل: شديد عليه غفلتكم عن الله ولو طرفة عين.
ثم قال في قوله تعالى: (فإن تولوا فقل حسبي الله
…
) الآية: سَلى قلبه بإعراضهم عن متابعته، مع كونه حريصاً على هدايتهم، أي: ففي الله كفاية عن كل غير وسِوى.
قال القشيري: أمَره أن يَدْعُو الخَلْقَ إلى التوحيد، ثم قال له: فإِنْ أَعرضوا عن الإجابة فكُنْ بنا، بنعت التجريد. ويقال: قال له: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ، ثم أمره أن يقول: حسبي الله. قوله تعالى: حَسْبُكَ:
عين الجمع، وقوله: حَسْبِيَ اللَّهُ فَرْق، بل هو الجمع، أي: قُلْ، ولكن بنا تقول، فنحن المتولون عنك وأنت مُستَهْلَكٌ في عين التوحيد فأنت بنا، ومَحْوٌ عن غيرنا. هـ وبالله التوفيق. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
(1) عزاه فى الفتح السماوي، للثعلبى، من حديث السيدة عائشة، وقال الحافظ ابن حجر فى الكافي الشاف:(إسناده واه)، وقال الولي العراقي: هو منكر جدا. وقال التفتازانيّ فى حاشيته على الكشاف: هذا يخالف ما ثبت فى أحاديث صحيحة وردت فى أسباب نزول كثير من الآيات، فإنها نزلت منفردة. وذلك يدل على أن السورة لم تنزل جملة، ولو لم لم تكن إلا آية:«وعلى الثلاثة الذين خُلفوا..» لكفى. هـ. راجع الفتح السماوي (2/ 711)