الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال القشيري: كان ابن عطاء يُفضل الغنى على الفقر، فدعا عليه الجنيد فأصيب عقله ثلاثين سنة، فلما رجع إليه عقله قال: إنما أصابني ما أصابني بدعاء الجنيد. وتكلم يحيى بن معاذ، ففضل الغنى على الفقر، فأعطاه بعض الأغنياء ثلاثين ألف درهم، فدعا بعض المشايخ عليه، فقال: لا بارك الله له فيها، فخرج عليه اللص فنهبه إياها.
هـ. وحكي عن أبي يزيد البسطامي: أنه قال: أًسري بروحي، فرأيت كأني واقف بين يدي الله، فسمعت قائلاً يقول: يا أبا يزيد، إن أردت القرب منا فأتنا بما ليس عندنا، فقلت: يا مولاى وأي شيىء ليس عندك، ولك خزائن السماوات والأرض؟ فسمعت: يا أبا يزيد، ليس عندي ذل ولا فقر، فمن أتاني بهما بلّغته. هـ.
وقال في الإحياء: الفقر المستعاذ منه: فقر المضطر، والمسئول هو: الاعتراف بالمسكنة والذلة والافتقار إلى الله عز وجل. هـ. قلت: والأحسن أن المستعاذ منه هو: فقر القلوب من اليقين، فيسكنها الجزع والهلع، والفقر المسئول هو: التخفيف من الشواغل والعلائق، والله تعالى أعلم.
وقد تكلم القشيري هنا على أخذ الزكاة وتركها، فقال: من أهل المعرفة من رأى أنَّ أَخذَ الزكاة المفروضة أَولى، قالوا: لأن الله- سبحانه- جعل ذلك مِلكاً للفقير، فهو أحل له من المتطوع به. ومنهم من قال: الزكاة المفروضة لأقوام مستحقة، ورأوا الإيثار على الإخوان أولى، فلم يزاحموا أرباب السهمان، وتحرجوا من أخذ الزكاة، ومنهم من قال: إن ذلك وسخ الأموال، وهو لأصحاب الضرورات. وقالوا: نحن آثرنا الفَقْرَ اختياراً.. فلم يأخذوا الزكاة المفروضة. هـ.
وقوله تعالى: (والعاملين عليها) : هم: المستعدون للمواهب بالتفرغ والتجريد، (والمؤلفة قلوبهم) على حضرة محبوبهم، والجادُّون في فك الرقاب من الجهل والغفلة وهم أهل التذكير، الداعون إلى الله، (والغارمين) أي:
الدافعون أموالهم ومهجهم في رضى محبوبهم، فافتقروا فاستحقوا حظهم من المواهب والأسرار، و (في سبيل الله) أي: والمجاهدون أنفسهم في مرضاة الله، (وابن السبيل) : السائحين في طلب معرفة الله. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر نوعا آخر من مساوئ المنافقين، فقال:
[سورة التوبة (9) : آية 61]
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (61)
قلت: (قل أُذُنُ خير) : من قرأ بالإضافة ف (لكم) : متعلق بالاستقرار، أي: هو أذن خير كائن لكم. ومن قرأ بالتنوين ف (خير) : خبر عن «أُذن» خبر ثانٍ، ومن قرأ:«ورحمة» بالرفع فعطف على (أذن خير) ، ومَن قرأ بالجر، فعطف على «خير» ، المجرور.
يقول الحق جل جلاله: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ فيه: هُوَ أُذُنٌ يسمع كل ما يقال له ويصدقه حقاً كان أو باطلاً، فإذا حلفنا له أنا لم نقل شيئاً صدقنا. والقائل لهذه المقالة: قيل: هو نَبْتَل بْن الحَارِثِ، وكان من مردة المنافقين. وقيل: عتاب بن قشير، في جماعة، قالوا: محمد أذن سامِِعِه، نقول ما شئنا، ثم نأتيه فيصدقنا فيما نقول. قال البيضاوي: سمي بالجارحة للمبالغة كأنه من فرط استماعه صار جملته آلة السماع، كما سمي الجاسوس عيناً. هـ.
قال تعالى في الرد عليهم: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ أي: هو لكم سماع خير وحق، فيسمع الخير والحق ويبلغه لكم، أو قل: هو أذنٌ خيرٌ لكم من كونه غير أذن لأن كونه أذناً يقبل معاذيركم ولو كان غير أذن لكذبكم وفضحكم. وفي (الوجيز) أي: مستمع خير وصلاح، لا مستمع شر وفساد.
قال البيضاوي: وهو تصديق لهم بأنه أذن، لكن لا على الوجه الذي ذموا به- يعني من تنقصه بقلة الحزم والانخداع- بل من حيث إنه يسمع الخير ويقبله. ثم فسر ذلك بقوله: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يصدق بالله وبما له من الكمالات، وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ويصدقهم لما يعلم من خلوصهم، واللام مزيدة للتفرقة بين إيمان التصديق وإيمان الإذعان والأمان، وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ أي: هو رحمة لمن أظهر الإيمان منكم، بحيث يقبله ولا يكشف سره. وفيه تنبيه على أنه ليس يقبل قولكم جهلاً بكم، بل رفقاً بكم وترحماً عليكم. قاله البيضاوي.
وفي ابن عطية: وخص الرحمة بالذين آمنوا إذ هم الذين نجوا بالرسول وفازوا. وفي الوجيز: وهو رحمة لهم، لأنه كان سبب إيمانهم. هـ. فظاهره أن الإيمان الصادر منهم كان حقيقياً، وهو حُسنُ خلافٍ ظاهر. قال البيضاوي: أي: هو رحمة لمن وفقه الله للإيمان منكم.
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ بأي نوع من الإيذاء، لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ موجع بسبب إيذايته.