الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا وكدرها، مِنَ الْآخِرَةِ، بدل الآخرة ونعيمها، فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: التمتع بها في جانب الآخرة، إِلَّا قَلِيلٌ مستحقر، لسرعة فنائه ومزجه بالكدر.
إِلَّا تَنْفِرُوا مع رسوله إلى ما استنفرتم إليه، يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً في الدنيا والآخرة في الدنيا:
بالإهلاك بأمر فظيع، كقحط وظهور عدو، وغير ذلك من المهلكات، وفي الآخرة: بعذاب النار. وَيَسْتَبْدِلْ مكانكم قَوْماً غَيْرَكُمْ في الدنيا، يكونون مطيعين لله ورسوله، كأهل اليمن وأمثالهم، وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً إذ لا يقدح تثاقلكم في نصر دينه شيئاً، فإنه الغني عن كل شيء، في كل وقت. وقيل: الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم فإن الله وعده بالعصمة والنصرة، ووعده حق، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا يعجزه شيء، فيقدر على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة بلا مدد، كما فعل معه في الغار والهجرة، على ما ياتي.
الإشارة: ما لكم إذا قيل لكم: انفروا إلى من يُعرفكم بالله، ويعلمكم كيف تجاهدون نفوسكم في طلب مرضاة الله، اثاقلتم وأخلدتم إلى أرض الحظوظ والشهوات، أرضيتم بالحياة الدنيا الدنية، بدل الحياة الأبدية، في الحضرة القدسية؟ أرضيتم بحياة الأشباح بدل حياة الأرواح؟ فَمَا مَتَاعُ الحياة الدنيا الفانية في جانب الحياة الأبدية في الحضرة العلية، إلا نزر قليل حقير ذليل، إلا تنفروا لجهاد نفوسكم، يُعذِّبكم عذاباً أليماً، بغم الحجاب، وشدة التعب والنصب، وتوارد الخواطر والهموم، وترادُف الأكدار والغموم، ويستبدل قوماً غيركم يكونون عارفين بالله، مَرْضيين عند الله، راضين عن الله، واللهُ على كل شيءٍ قدير.
ثم ذكر نصرته لرسوله بلا سبب، فقال:
[سورة التوبة (9) : آية 40]
إِلَاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)
قلت: «إن» : شرط، وجوابه محذوف، دلّ عليه قوله: فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ أي: إن لم تنصروه فسينصره الله، الذي نصره حين أخرجه الذين كفروا، حال كونه ثاني اثنين، فدل بنصره في الماضي على نصره في المستقبل، وإسناد الإخراج إلى الكفرة لأن همهم بإخراجه أو قتله كان سبباً لإذن الله له في الخروج، و (إذ هُما) : بدل من (أخرجه) بدل البعض، و (إذ يقول) : بدل ثان، و (كلمة الله) : مبتدأ، و (العليا) : خبر. وقرأ يعقوب: بالنصب عطفاً على كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا، والأول: أحسن للإشعار بأن كلمة الله عالية في نفسها، فاقت غيرها أم لا.
يقول الحق جل جلاله: إِلَّا تَنْصُرُوهُ تنصروا محمداً، وتثاقلتم عن الجهاد معه، فسينصره الله، كما نصره حين أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا من مكة، حال كونه ثانِيَ اثْنَيْنِ أي: لم يكن معه إلا رجل واحد، وهو الصدِّيق، إِذْ هُما فِي الْغارِ نقب في أعلى غار ثور، وثور جبل عن يمين مكة، على مسيرة ساعة. إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ: أبي بكر رضى الله عنه: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا بالعصمة والنصرة.
رُوي أن المشركين طلعوا فوق الغار يطلبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين فقدوه من مكة، فأشفق أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام:«ما ظَنُّكَ باثنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهِما» «1» فأعماهم الله عن الغار، فجعلوا يترددون حوله فلم يروه. وقيل: لما دخل الغار بعث الله حمامتين، فباضتا في أسفله، والعنكبوت نسجت عليه.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ أي: أًمْنَه الذي تسكن إليه القلوب، عَلَيْهِ أي: على رسوله صلى الله عليه وسلم، أو على صاحبه، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها، يعني الملائكة، أنزلهم ليحرسوه في الغار، أو يوم بدر وأحد وغيرهما، فتكون على هذا: الجملة معطوفة على: (فقد نصره الله) . وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهي الشرك، أو دعوى الكفر، السُّفْلى. وَكَلِمَةُ اللَّهِ التي هي التوحيد، أو دعوة الإسلام، هِيَ الْعُلْيا حيث خلص رسوله صلى الله عليه وسلم من بين الكفار، ونقله إلى المدينة، ولم يزل ينصره حتى ظهر التوحيد وبطل الكفر، وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب على أمره، حَكِيمٌ في أمره وتدبيره.
الإشارة: ما قيل في حق الرسول صلى الله عليه وسلم يقال في حق ورثته، الداعين إلى الله بعده من العارفين بالله، فيقال لمن تخلف عن صُحبَة ولي عصره وشيخ تربية زمانه: إلا تنصروه فقد نصره الله وأعزه، وأغناه عن غيره، فمن صحبه فإنما ينفع نفسه، فقد نصره الله حين أنكره أهله وأبناء جنسه، كما هي سُنَّة الله في أوليائه، لأن الداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور، فمن دخل مع الخصوص قطعاً أنكرته العموم، فنخرجه ثاني اثنين هو وقلبه، فيأوي إلى كهف الأنس بالله، والوحشة مما سواه، فيقول لقلبه: لا تحزن إن الله معنا، فينزل الله عليه سكينة الطمأنينة والتأييد، وينصره باجناد أنوار التوحيد والتفريد، فيجعل كلمة أهل الإنكار السفلى، وكلمة الداعين إلى الله هي العليا، والله عزيز حكيم.
(1) أخرجه البخاري فى (فضائل أصحاب النبي، باب مناقب المهاجرين) ومسلم فى: (فضائل الصحابة، باب فضائل أبى بكر رضى الله عنه) .