الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقول الحق جل جلاله: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ أي: لعنهم الله في الزبور على لسان نبيه داود عليه السلام، وَلعنهم الله أيضًا في الإنجيل على لسان عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فالأول:
أهل أيلَة لما اعتدوا في السبت لعنهم داود عليه السلام، فمسخوا قردة وخنازير، والثاني أصحاب المائدة، لمّا كفروا دعا عليهم عيسى، ولعنهم، فمسخوا خنازير، وكانوا خمسة آلاف رجل، ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ذلك اللعن الشنيع المقتضى للمسخ بسبب عصيانهم واعتدائهم ما حَرُم عليهم.
كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ أي: لا ينهى بعضهم بعضًا عن معاودة منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله وتهيأوا له، أو: لا ينتهون عنه ولا يمتنعون منه، لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو تعجيب من سوء فعلهم مؤكد بالقسم.
تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ أي: من اليهود، يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: يوالون المشركين بُغضًا للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أي: لبئس شيئًا قدموه، ليردوا عليه يوم القيامة، وهو أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ أي: بئس ما قدموا أمامهم، وهو سخط الله والخلود في النار، والعياذ بالله، وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِ
أي: نبيهم كما يزعمون، وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ من التوراة وغيره، مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ لأن النبي لا يأمر بموالاة الكفار، ولو آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل إليه- كما هو الواجب عليهم- ما اتخذوا الكفار أولياء، وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ أي: خارجون عن دينهم، أو خارجون عن الدين الحق الذي لا يقبل غيره، وهو الإسلام.
الإشارة: ذكر الحق جل جلاله في هذه الآية ثلاثة أمور، وجعلها سببًا للعن والطرد، وموجبة للسخط والمقت، أولها: الانهماك في المعاصي والعدوان، والإصرار على الذنوب والطغيان. والثاني: عدم الإنكار على أهل المعاصي والسكوت عنهم والرضا بفعلهم، والثالث: موالاة الفجار والمودة مع الكفار، ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو أزواجهم أو عشيرتهم، وفي بعض الأخبار:(لو أن رجلاً قام الليل وصام النهار، ثم تودد مع الفجار لبعث معهم، ولو أن رجلاً عمل بالمعاصي ما عمل، ثم أحب الأبرار لحُشر معهم) ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، ويعضده حديث:«المَرءُ مَعَ مَن أحبَّ» .
والله تعالى أعلم.
ثم بيّن تفاوت عداوة الكفار للمسلمين، فقال:
[سورة المائدة (5) : الآيات 82 الى 86]
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (86)
قلت: القسيس: العالم، والراهب: العابد، و (مما عرفوا) : سببية، و (من الحق) : بيان أو تبعيض، وجملة:
(لا نؤمن) : حال، والعامل فيها متعلق الجار، أي: أي شيء حصل لنا حال كوننا غير مؤمنين، و (نطمع) : عطف على (نؤمن) ، أو خبر عن مضمر، أي: ونحن نطمع.
يقول الحق جل جلاله: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً للمؤمنين اليهود والمشركين، لشدة شكيمتهم وتضاعف كفرهم، وانهماكهم في اتباع الهوى، وركونهم إلى التقليد، وبعدهم عن التحقيق، وتمرنهم على تكذيب الأنبياء، ومعاداتهم وعدوانهم لا ينقطع إلى الأبد.
وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى، للين جانبهم، ورقة قلوبهم، وقلة حرصهم على الدنيا بالنسبة لليهود، وكثرة اهتمامهم بالعلم والعمل، وإليه أشار بقوله: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ أي: علماء، ومن جملة علمهم: علمُهم بوصاية عيسى بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وَرُهْباناً أي: عبادًا، وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن قبول الحق إذا عرفوه، بخلاف اليهود لكثرة جحودهم، وفيه دليل على أنَّ التواضع والإقبال على العلم والعمل محمود، وإن كان من كافر. قاله البيضاوي وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ محمد صلى الله عليه وسلم تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ من البكاء، جعل أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها، وإنما يفيض دمعها، وذلك مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ حين سمعوه، أو من بعض الحق، فما بالك لو عرفوا كله؟ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا بذلك، أو بمحمد صلى الله عليه وسلم فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ بأنه حق، أو بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو من أمته الذين هم شهداء على الأمم.
نزلت في النجاشي وأصحابه، حين دعوا جعفرًا وأصحابه، وأحضروا القسيسين والرهبان، وأمره أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ سورة مريم، فبكوا وآمنوا بالقرآن. وقيل: نزلت في ثلاثين أو سبعين رجلاً من قومه، وفدوا من عنده من الحبشة بأمره على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليهم سورة يَس، فبكوا وآمنوا، فصدر الآية عام، فالنصارى كلهم أقرب مودة للمسلمين، من آمن، ومن لم يؤمن، وإنما جاء التخصيص في قوله: وَإِذا سَمِعُوا، فالضمير إنما يرجع إلى من آمن منهم، كالنجاشي وأصحابه. وإنما جاء الضمير عامًا لأن الجماعة تحمد بفعل الواحد. انظر ابن عطية.