الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لجبروته، وخُنوعًا في أنوار ملكوته، بقوله: وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ، وليس لي اختيارٌ في نبوتي، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ. هل يكون من هذا وصفه، بعد كونه بصيرًا بنور الله، ورأفته به، كالذي عمي عن رؤية إحاطته بكل ذرة من العرش إلى الثرى؟ أفلا تتفكرون أن من ولد من العدم بصيرًا بنور القدم، ليس كمن ولد من العدم أعمى عن رؤية عظمته وجلاله. انتهى كلامه.
ثم أمره بالإنذار لمن ينتفع به، فقال:
[سورة الأنعام (6) : آية 51]
وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)
قلت: الضمير في (به) : يعود على (ما يوحى)، وجملة (ليس) : حال من ضمير (يُحشروا) .
يقول الحق جل جلاله: وَأَنْذِرْ أي: خوِّف بما أوحي إليك، المؤمنين المقصرين في العمل الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ بالبعث للحساب، حال كونهم في ذلك الوقت لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌ
ينصرهم من عذابه، وَلا شَفِيعٌ يرده عنهم بشفاعته، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي: كي يصيروا بإنذارك متقين، وإنما خص الإنذار هنا بالذين يخافون لأنه تقدم في الكلام ما يقتضى اليأس من إيمان غيرهم، فكأنه يقول: أنذر الخائفين لأنه ينفعهم الإنذار، وأعرض عمن تقدم ذكرهم من الذين لا يسمعون ولا يعقلون، أو: أنذر من يتوقع البعث والحساب، أو يتردد فيه مؤمنًا أو كافرًا. قاله البيضاوي.
الإشارة: لا ينفع الوعظ والتذكير إلاّ مَن سبق له الخوف من الملك القدير إذ هو الذي ينهضه الخوف المزعِج أو الشوق المقلق، وأما من سَوّدت قلبَه الخطايا، وانطبعت في مرآته صور الأشياء، فلا ينفع فيه زاجر ولا واعظ، بل ران على قلبه ما اقترفه من المآثم، والعياذ بالله.
ثم أمره بالدنو ممن ينفعه التذكير، ونهاه عن ضده، فقال:
[سورة الأنعام (6) : الآيات 52 الى 53]
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)
قلت: (فتطردهم) : جواب النفي، و (فتكون) : جواب النهي، أي: ولا تطرد فتكون من الظالمين، فليس عليك من حسابهم شيء فتطردهم.
يقول الحق جل جلاله لنبيه- عليه الصلاة والسلام، حين طلب منه صناديدُ قريش أن يطرد عنه ضعفاء المسلمين ليجالسوه، فَهَمَّ بذلك طمعًا في إسلامهم، فنزلت: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ أي: يعبدونه بالذكر وغيره، أو يدعونه بالتضرع والابتهال، بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ أي: على الدوام. وخص الوقتين بالذكر لشرفهما.
وفي الخبر: «يا ابنَ آدمَ، اذكُرني أول النهار وآخره، أكفِكَ ما بينهما» «1» . وقيل: صلاة الصبح والعصر، وقيل:
الصلاة بمكة قبل فرض الخمس.
قال البيضاوي: بعد ما أمره بإنذار غير المتقين ليتقوا- أي: على التفسير الثاني في الآية المتقدمة- أمره بإكرام المتقين وتقريبهم، وألَاّ يطردَهم، ترضية لقريش، رُوِي أنهم قالوا: لو طَردتَ هؤلاء الأعبُدِ- يُعنُون فقراء المُسلِمِينَ، كعمَّار وصُهَيب وخبَّاب وبِلال وسَلمان- جلَسنا إليك، فقال:«ما أنا بطاردِ المؤمنين» . قالوا: فأقمهُم عنا، قال:«نَعَم» . [وروى أن عمر قال له: لَو فَعَلتَ حتَّى تنظرَ إلى ما يَصِيرُونَ؟] قالوا: فاكتُب بِذَلِكَ كِتَابًا، فدَعَا بالصَّحِيفَةِ وبَعَليٍّ ليَكتُبَ، فنزلت «2» . هـ. وفي ذكر سلمان معهم نظر لتأخر إسلامه بالمدينة.
ثم وصفهم بالإخلاص فقال: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي: يدعونه مخلصين طالبين النظر لوجهه، وفيه تنبيه على أن الإخلاص شرط فى الأعمال، ورتب النهي عليه إشعارًا بأنه يقتضي إكرامهم، وينافي إبعادهم، ثم علل عدم طردهم فقال: ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ أي: أنت لا تحاسب عنهم، وهم لا يحاسبون عنك، فلأي شيء تطردهم؟ وقيل: الضمير: للكفار، أي: أنت لا تحاسب عنهم، وهم لا يحاسبون عنك، فلا تهتم بأمرهم، حتى تطرد هؤلاء من أجلهم، فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ بطردهم، لكنه- عليه الصلاة السلام- لم يفعل، فلا ظلم يلحقه في ذلك لسابق العناية والعصمة.
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أي: ومثل ذلك الاختبار، وهو اختلاف أحوال الناس في أمر الدنيا، فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أي: ابتلينا بعضهم ببعض في أمر الدين، فقدّمنا هؤلاء الضعفاء على أشراف قريش بالسبق إلى الإيمان لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أي: أهؤلاء من أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق دوننا، ونحن الأكابر والرؤساء، وهم المساكين والضعفاء، فنحن أحق منهم به إن كان حقًا، وهذا إنكار منهم لأن يخص هؤلاء من بينهم بإصابة الحق والسبق إلى الخير، كقولهم لَوْ كانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونا «3» . واللام في «ليقولوا» : للعاقبة. قال تعالى
(1) أخرجه أبو نعيم فى حلية الأولياء، عن أبى هريرة.. انظر كنز العمال/ 1795.
(2)
أخرجه بنحوه ابن ماجه فى: (الزهد، باب مجالسة الفقراء) والطبراني فى الكبير (4/ 87 ح 9693) والواحدي فى أسباب النزول، وابن جرير فى التفسير عن خباب، بدون ذكر سلمان، وكذلك بدون ذكر مشورة سيدنا عمر، وقد جاء ذكر مشورة سيدنا عمر عند ابن جرير والواحدي عن عكرمة.
(3)
من الآية 11 من سورة الأحقاف.